الرئيسية / نصوص / أقتربُ ولا أدنو

أقتربُ ولا أدنو


*رشيد مومني

كانُوا عائدينَ منْ أجْساده 

بخواتمَ خضْراءَ مُعلَّقةٍ على أوْتارِ الْحُروفِ
وهمْ
يتفتّحون
كثقوبٍ موحشَةٍ في كتِفِ الْجِدارِ..
ولأن الفرشاةَ 
لمْ تكُنْ حاضرةً بين أنامِلِ حارسِ الأشْكالِ 
كان مِن الطبيعِي أن يخْتلط النيِّئُ بالمطْبوخِ
والأصفرُ بالشَّفق…
هكذا عبروا بنا أكثرَ من بَرِّيةٍ 
ونحن نُصْغي إلى اعترافات الموتى
أبداً لم تكن أنفاسُنا على صلةٍ بنا أو بِهِمْ 
كمَا لمْ تكن ملامحُنا واضحةً بِما فيه الكِفايةُ 
كيْ نستحِمَّ آمنين في أحْواضِ أحْلامِنا..
أما أنا 
فكنتُ آخرَ منْ أطلَّ 
أو
أوَّلَ منْ رأى
وكمَا لوْ كنْتُ حيّا 
سمعتُ في أذُني صَفيرا
وشاهدْتُ تفاحةً كاملةً
محْشورةً
في فَمِ ناهشِ الأرْواحِ..
أيْضاً 
شاهدتُ رحىً حجَريَّةً لِتدْبير سِفْر الرِّيحِ
وسمعتُ دَويَّ تفْجيرهِم لِحُروفِ اللِّينِ
في القبْو المُحاذي لِلمُنْتزه 
حينما قلتُ: «أظن»
خلفَ هَذي الْبابِ 
يقيم ظهرُ الْمِجَنِّ..
كانت ثمَّةَ أشجارٌ
حديثةُ العهْدِ بالإقامةِ في الحديقةِ
وفراشاتٌ داميةٌ
تنتظرُ الحكايةَ 
داخِلَ القبَّةِ السَّوْداءِ..
وأنا أتأمل فيك كمَا أتأملُ في غابةٍ
عبثاً تحاولُ أن تستعيدَ شكلَ هوائِها 
أو كما يتأملُ قنفذٌ بحْريٌّ
زرقةَ السَّماءِ..
ومثل أيّ خبرٍ من حجرٍ غريبٍ
سأظل عالِقاً بهُدْب هَاوِيتِي
النهارَ كلَّهُ 
والليلَ كلَّهُ
وما تبقَّى من عُمُرِ الخشْخاش..
فمن أغراكِ الليْلةَ بارْتداء رائِحةِ العُنَّابِ؟
ومنْ سأصدِّق في قلْبِ هذا القُمْقمِ؛
صرْخةَ
الثلج،
أم ضفادعَ الرَّاوي؟
طبْعاً
لا يحدثُ هذا 
إلا في «قرْغِيزْيا»
أو في أقاصِي السَّردِ 
يليهِ دوارٌ
يهْتِفُ باسْم ناسِخِه
منْ لي
بِطِرسٍ
غير هذا؟
يبْدو أن لُقىً نُحِتتْ من طينٍ ما 
يحدثُ أن تولدَ
في كهْفٍ ما 
تبحثُ عنِّي في تُربةِ هذا العقلِ
ينابيعُ
تنتظرُ هبوباً حَجَريّاً
عطشاً
عطشاً 
ستجوبُ بِكَ ربوعاً
لا يرتادُ هسِيسَها حلُمٌ
طيرٌ أو ماءْ..
فمن أودَع في رأسي كلَّ هذه الحُفَرِ الْوديعةِ؟
ولماذا تراني ألِحُّ على قراءةِ طالَع اللَّيْلِ 
تحتَ ضوْءِ شمسٍ تمْعنُ في ظُلْمتِها؟
أيضاً 
من جاء بِي 
إلى أرْض هذا الوضُوح الصَّغير
وأوْقَفني عندَ حافةِ الجِسْرِ
طاقيَةُ الحائِرين على الرَّأْس
والضَّوء يشْطحً
كي لا يبين؟
هل قطْرةُ شهْدٍ على لسان الأميرة؟
هل وشْم يضحك منْ وجِيبِ سرتها؟
هل تينةٌ حمقاءُ؟
هل شرْخٌ ببابِ إقامةِ الأضْدادِ؟
أرقُ النُّونِ
في جبَّةِ الليل
أو ماءٌ في آنية تتعرى تحْت نايِ البرْقِ؟
همْ باعةُ الأرْواحِ المسْتعمَلَةِ إذنْ
مَن أغرى اليدين معاً 
بالقبْضِ على خفَّيْ حُنَيْنٍ
في الفصْلِ ما قبْل الأخير 
من كتابِ الآنَ.
فخُذْ عني أسْرار التَّخْريب عساك..
خذْ أيضا 
هذا التقْطيعَ الأبلقَ لفيَافي القوْل
ولا تأْخذِ الورْدةَ من تاجِها
أوْ ساقِها
بلْ خذْها فقط
من جنوبِ الرائحة.. 
ليتني كنتُ فوق هذا التراب
أيْ
في كلِّ ما يصِلُ الأفْلاكَ 
باليشْبِ 
بالعشْبِ
بالمقلاةِ..
ها عتَّمْتِ يا قدماي مجْرى المُمْكناتِ
وأضأتِ مجْراي
حسْبي أنَّني متَّكِئٌ هنا على كتِفِ الْخليقةِ
أشْتهي الخبْزَ والرِّيحَ
كأيِّ مكانٍ
قد يظهرُ لاحقاً في ثَنِيَّاتِ القصيدةِ..
ماذا لوْ إذن؟
لوْ مثلاً
لوْ خلسة 
لوْ لي
ماذا؟
فأين نحن الآن؟
إنَّني لم أعد ْ ألمحُ وجهي أمامي..
________
* شاعر من المغرب(الرأي)

شاهد أيضاً

تحت شجرة العنب

خاص- ثقافات *سيومي خليل ظلت الفتاة التي كبرت بين أشجار الكرم الشوكي وصوت قوقأة الدجاج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *