الرئيسية / مقالات / تسقط الضباع ولتحيا الحملان

تسقط الضباع ولتحيا الحملان


عزت القمحاوي *

لا أحد يعلم من أين سيأكل المصريون بعد تسعين يومًا ولا من سيدبر مرتبات الموظفين، ومع ذلك تتصرف جماعة الإخوان بصلابة مخبولة؛ فلا حجم الجماعة يسمح لها بقمع شعب غاضب ولا الدعم الأمريكي يستمر إلى الأبد.
ربما كان من الممكن تفهم الصلافة التي بدأوا بها، بسبب الدعم غير المحدود الذي أسبغته عليهم الولايات المتحدة الأمريكية منذ اللحظة الأولى لتنحي مبارك وحتى تصاعد الاحتجاجات في ديسمبر الماضي والتي وصلت حد العصيان المدني الآن. ولا يخلو الاكتفاء برضى الحليف الخارجي من هبل سياسي، لكن استمرار الصلافة بعد مؤشرات تبدد ذلك الرضى لا يعني سوى التعطل التام لملكات الإدراك.
وقد كشفت أوروبا عن تململها بعد لقاء مرسي مع ميركل، زعيمة الدولة القائد في الاتحاد الأوروبي، ولم يكن كيري بأقل أسفًا من ميركل، ولكنه كان أكثر دبلوماسية وتكتمًا. الرجل الواجهة بوعيه الاجتماعي قبل السياسي لا يستطيع أن يكسب ود بائع جوال، ناهيك عن أن يكون مقنعًا لزعيمة أوروبا أو لوزير خارجية العالم.
وقد بات الغرب متيقنًا من أن مصر لن تكون بخير بين يدي هذا الحكم الغامض، الذي يتصدره رجل بسيط ويديره آخر دموي. ولابد هنا من تفسير معنى ‘الخير’ الذي تريده الإدارات الأمريكية المتعاقبة لمصر، فهو المنزلة بين الحياة والموت. بسبب ثقلها، ليس مسموحًا بسقوط مصر في فوضى كالتي دفعوا سورية إليها وليس مسموحًا لها بأن تتعافى إلى حد امتلاك زمام أمورها وأمور المنطقة بصفتها مركزًا لمنظومة إقليمية.
وما قدمته الجماعة اقتصاديًا حتى اليوم لا يوحي بقدرتها على قيادة البلاد آمنة ومستقرة عند حد الكفاف المقسوم لها. ومن غير المعقول أن تحل مشكلات شعب يزيد على الثمانين بدعوة غداء هنا أو دعوة عشاء هناك. لا يوجد اقتصاد خليجي أو غير خليجي يمكن الاقتطاع منه لتعويم اقتصاد فاشل في مصر.
وإذا كان كيري قد غادر المنطقة ومعه سره؛ فإن دعوة عبدالمنعم أبو الفتوح إلى إجراء انتخابات مبكرة تكشف عن اتجاه قد يصبح علنيًا خلال أسابيع قليلة، في إطار خطة أخيرة لفرض الحكم الديني المقسوم لبلاد الربيع العربي، ولن تكون هذه الخطة سوى إحلال حملان الحركة الإسلامية محل ضباعها.
ما تريده أمريكا هو حكم إسلامي، وليس من مصلحتها أن يكون الحكم دمويًا، لكن هكذا شاءت الظروف، فقد راهنت على الإخوان منذ تدهور سلطة مبارك في منتصف التسعينيات، ومن الواضح أن كوادر الجماعة التي ذهبت إلى أمريكا كانت لديها مهمات أخرى، وكان التدريس والدراسة في جامعاتها مجرد غطاء، وهو ما نستطيع اكتشافه في مستوى اللغة الإنجليزية التي يتحدثها محمد مرسي رغم قضائه سنوات في أمريكا!
وعلى مدى عقد ونصف العقد كانت أمريكا تنصح مبارك وتترقب سقوطه بسبب عناده ولم تغير رهانها على الإخوان، على الرغم من تغير تركيبة الجماعة التي أوغلت في العنف وأقصت الانفتاحيين من أمثال عبدالمنعم أبو الفتوح ومحمد حبيب وكمال الهلباوي، وثروت الخرباوي وغيرهم.
واللافت أن مراجعات كل هؤلاء لا تطعن في استراتيجيات الجماعة سياسيًا ولا تعترف بخطورة ولاعدالة الزج بالدين في السياسة والاستقواء على الآخرين اغتصابًا لحق تمثيل الدين، لكنهم يختلفون في التكتيك ويقولون بضرورة الاعتدال والتدريج لتحقيق التمكين السياسي.
ينفرد ثروت الخرباوي باكتشافه خطورة العمل السياسي، لكنه يؤمن بضرورة وجود الجماعة دعويًا؛ فهو يقول في كتابه: ‘سر المعبد’ إن دخول الجماعة إلى العمل السياسي وضعها في تنافس مع قطاعات من المصريين بينما تجعلها الوظيفة الدعوية بين الجميع أو ربما فوق الجميع. وهكذا فإنه في إطار كشفه لممارسات القيادة الحالية للإخوان يمرر فكرة مغلوطة عن الجماعة التي نبتت من قلب السياسة والتعاون مع الأجنبي ومارست الاغتيالات السياسية طوال تاريخها.
الأمر نفسه يمكن أن نلحظه في حوارات وكتابات محمد حبيب وكمال الهلباوي: اللوم الشديد للإخوان على الانغلاق والاستعجال وعدم اقتسام السلطة مع الآخرين، لكن هذا اللوم لا يمكن أن يتصاعد إلى طلب محاكمة مرسي على قتل المتظاهرين، وقد وجهت المذيعة ريم ماجد سؤالاً مباشرًا إلى محمد حبيب في حوار بثته قناة ‘أون تي في’ الأسبوع الماضي حول هوية قتلة الثوار أمام قصر الاتحادية فقطع بأنهم ليسوا ميلشيات إخوانية ‘يمكن ناس بتلعب كاراتيه أو خلافه’ أي رياضيين وشبيحة بلا هوية!!
هذا الخلاف في التكتيك لا يهم الإدارة الأمريكية في شيء، كما يسعدها أن يكون المسلم الحاكم ناعمًا لا دمويًا طالما اتفق الاثنان على عدم العداء للفكرة الرأسمالية وهو ما يعني بقاء لعبة المركز والأطراف على حالها.
ولأن النخبة المدنية تقف عند حدود طلب الإصلاح لا التغيير الجذري الذي يطرحه الحراك الشبابي فالفرصة ستكون للخيار الأمريكي مجددًا، وسيكون إصلاحًا إخوانيًا وتأتي الانتخابات المبكرة بأبي الفتوح.

* روائي مصري يعيش في قطر

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *