الرئيسية / فنون / “أنت لا تعرف جاك ” : العذاب العبثي أم الموت الرحيم !

“أنت لا تعرف جاك ” : العذاب العبثي أم الموت الرحيم !




* مهند النابلسي

(ثقافات) 

في الفيلم المثير للجدل “أنت لا تعرف جاك؟”، يتقمص الممثل العبقري “آل باشينو” (المعروف بادائه العصبي المقنع) بشكل مذهل شخصية الطبيب الامريكي (الارمني الاصل) جاك كيفوركيان ، ويستعرض أحداث حياته بشكل شبه تسجيلي في تسعينات القرن الماضي ، والتي قادته في النهاية لأن يسجن لثماني سنوات وذلك لاتهامه بمساعدة المرضى اليائسين على الانتحار والموت الرحيم بواسطة تخديرهم أولا ومن ثم اعطاءهم حقنة قاتلة. 
لقد كانت أول مرضاه جانيت ادكينس ذات الاربعة والخمسين عاما والتي كانت تعاني من الزهايمر ، ثم قدم خدماته لحوالي مئة مريض حسب طلبهم وعلى مدى ثمان سنوات في تسعينات القرن الماضي.وعندما شاهدت بشغف هذا الشريط التلفزيوني المتقن،افترضت أن “آل باشينو” قد جلس لساعات طوال مع الدكتور جاك الاصلي ليتمكن من تقمص شخصيته بهذا الشكل اللافت ، ومن ثم تأكدت من ذلك عندما وجدت له صورا عديدة مع جاك كيفوركيان أثناء تصوير الفيلم. 
استمرت أبحاث الدكتور كيفوركيان لمدة 33 عاما ، وعرف باسم “دكتور موت” في العام 1956 ، وبدأت أبحاثه تلفت الانتباه عند ملاحظته من تحليل صور عيون المرضى لحظة موتهم:أن شرايين الدم تصبح غير مرئية عند توقف القلب !! 
تخرج هذا الطبيب العبقري في العام 1952من جامعة ميتشيغان ، وخرج في العام 2007 من السجن ليمارس كالعادة هواياته الفنية كرسم اللوحات والموسيقى وكأن شيئا لم يكن ! أما الشيء الطريف هنا فهو المقولة التي تظهر على أفيشة الفيلم”هذا الرجل يريدك أن تموت حسب شروطك”! 
وقد أبدع ال باتشينو بحق في عكس قناعات وعناد جاك كيفوركيان والمتمثلة في وضع نظام معتمد “للموت بكرامة”،وفي اعطاء الحق للمرضى الميوؤس من شفاؤهم واللذين يعانون من الكابة والعذاب لأن ينهوا حياتهم بطريقة لائقة ، والذي دعى طوال حياته لما يسمى “الموت الجيد” ! نجت عائلته من مذبحة الارمن في بدايات القرن الماضي ، وكانت شقيقته التي عملت كفنية مختبر تدعمه وتساعده في عمله ، والمفارقة انها ماتت أثناء نومها بالسكتة القلبية ولم تحتاج لخدماته ، كذلك فقد عمل صديق له على تصوير وتوثيق حالات الموت بأدق تفاصيلها ، كذلك فقد وجد محامي شجاع يدافع عنه في معظم المواقف الصعبة ، ولكن ذلك لم يمنع المحكمة الفدرالية من ملاحقته على مدى السنوات وتتبع حالات الانتحار واتهامه ومقاضاته ووضعه في السجن . 
نجح المخرج البارع (باري لافينسون) في انجاز شريط شبه تسجيلي ضمن سيناريو مترابط ، وتمكن بحرفية من تصعيد مجريات الامور لتصل لنهاياتها المحتومة ، وهو يطرح هنا عدة تساؤلات أخلاقية ودينية تثير الجدل في كافة المجتمعات:هل يريدنا الخالق عز وجل أن نتعذب (وهو الرحيم بعباده)قبل أن نغادر هذه الدنيا الفانية ؟ وما المغزى الكامن وراء العذاب والمعاناة؟ وهل يحق للانسان ان ينهي حياته باختياره وخاصة اذا أصبح استمراره فيها معاناة وعبثية وعبأ على الاخرين المقربين؟ أسئلة مصيرية يطرحها الانسان في كافة المجتمعات ومن كافة الملل والاديان والعقائد ، ولا يجد لها اجابة شافية ومقنعة ! 
لقد طرح هذا الفيلم هذه التساؤلات بشجاعة غير مسبوقة وبجرأة غير معهودة ، وباسلوب أخاذ ، وأحدث في اعتقادي صدمة “ميتافيزيائية- روحية” في وعي المشاهد المثقف ، داعيا اياه للتفاعل مع هؤلاء اللذين كتب لهم القدر هذا المصير ، كما أجبرنا وبشكل غير ارادي على الاعجاب بشخصية هذا الطبيب وشخصيته العنيدة الكاريزمية ، والتي صقلها ال باتشينو بتمثيله الواقعي المدهش . كما انه سلط الاضواء على شجاعة هذا الطبيب ، الذي واجه وصارع المؤسسات القانونية والقضائية في معركة خاسرة لاثبات رجاحة رأيه وقناعاته وكأنه يحمل رسالة. أكاد اجزم هنا أن ال باتشينو قد قدم في هذا الشريط التلفزيوني اعظم عمل واداء تمثيلي في تاريخه الفني الطويل ، وهنا تكمن عبقرية الممثل الذي يقنعك انه يمكن أن يكون زعيما لا يرحم للمافيا ، كما يمكن ان يتقمص دور طبيب مثابر وصاحب رسالة ، وكما استطاع “روبرت دوفال” باداءه الهادىء والخجول أن يتقمص شخصية ستالين الطاغية والاجرامية والسادية في الفيلم التلفزيوني الشهير الذي يحمل اسمه و الذي انتج في تسعينات الفرن الماضي ، استطاع ال باتشينو هنا أن يعكس ييراعة شخصية الطبيب التي لا توحي الا بالطيبة والاستقامة والمهنية ، حتى أنه يفاجىء هيئة المحلفين في إحدى الجلسات بالقول : “هل هذا وجه مجرم؟” ، كما أنه يبقى مصرا ومتمسكا بقناعاته حتى أنه يضرب عن الطعام والشراب في إحدى حالات اعتقاله متجاهلا المضاعفات السيئة على صحته . يقول ادونيس أن الناس تنذهل بشخصية القاتل أكثر مما ينذهلون بشخصية القديس ، من هذا المنطلق نجحت أفلام الجريمة بل وقصص الجريمة على كافة المستويات بل ولاقت الرواج والشعبية ، ولكن التحدي هنا يكمن في تحويل فعل “القتل” الاجرامي الطابع إلى عمل انساني رحيم ذي طابع تقني وطبي وأن يغلف الموضوع بشكل “رسالة ومتطلب” ، هنا تكمن الغرابة والإثارة في هذا العمل الفني ! أخيرا متى تخرج السينما العربية من غيبوبة التهريج والعشوائيات وقصص المخدرات والعشوائيات والغانيات والجنس والأكاذيب والتهريج ، وتتوجه لتسليط الأضواء على النماذج الإنسانية المشرفة للشخصية والانسان العربي في طول الوطن العربي وعرضه وفي دول المهجر ؟ سؤال موجه لكافة العاملين وأصحاب الاموال والقرار في حقول السينما والتلفزيون والفضائيات والاعلام الفني ، كما أنه مطروح للنقاش من قبل نقاد الفن والسينما العرب. 
———- 
* كاتب وباحث من الاردن 

شاهد أيضاً

عروة الأحمد مخرجاً في كان، وممثلاً في هوليوود

خاص- ثقافات *منى الزيدي لم يكد الفنان السوري “عروة الأحمد” يعلن عن انتهاء تصوير فيلمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *