الرئيسية / إضاءات / خوان ميّاس: مزج الدين بالسياسة‮ ‬يؤدي إلي الدمار وعلى الشعوب العربية العمل‮ ‬على نجاح ثوراتها

خوان ميّاس: مزج الدين بالسياسة‮ ‬يؤدي إلي الدمار وعلى الشعوب العربية العمل‮ ‬على نجاح ثوراتها


‬* أحمد عبد اللطيف

يقع بيت الكاتب الإسباني الكبير خوان ميّاس‮(‬1945‮) ‬بحي ألاميدا أوسونو بمدريد،‮ ‬بالقرب من محطة مترو تحمل نفس الاسم،‮ ‬في شارع هاديء تماماً‮ ‬اسمه أنطونيو سانتشا‮. ‬البيت عبارة عن فيلا من ثلاثة طوابق بحديقة صغيرة،‮ ‬في كل أركانه كتب مبعثرة لكنها مرتبة‮. ‬في الطابق الثالث‮ ‬يقع مكتبه ومكتبته،‮ ‬المكان ليس فاخراً‮ ‬لكنه أنيق ما‮ ‬يكفي للفت الانتباه‮. ‬
‮ ‬يفتح لي الباب بنفسه الكاتب الإسباني الأهم،‮ ‬الذي بدأ مسيرة الكتابة منذ سبعينيات القرن الماضي‮. ‬يبدو رشيقاً‮ ‬وهو‮ ‬يتسلق السلم،‮ ‬ويخبرني أنه‮ ‬يمارس رياضة المشي‮ ‬يومياً‮. ‬يشبه البيت في بساطته عوالم ميّاس،‮ ‬الدافئة والحميمة والمثيرة للهواجس،‮ ‬أتابعه بفضول،‮ ‬وبنفس الفضول أميل لألتقط تفصيلة ما،‮ ‬ربما تعينني علي فهمه أو تسلمني إحدى مفاتيح أسراره‮. ‬لميّاس عوالم مربكة،‮ ‬تبدو من خارجها معتادة‮ ‬غير أنها تحمل بداخلها فلسفة وأرقاً‮ ‬وجودياً‮. ‬البيت والكتابة وميّاس صورة طبق الأصل،‮ ‬هو أحد الكُتّاب المتسقين مع أنفسهم‮. ‬يبدو متواضعاً‮ ‬وبسيطاً،‮ ‬لكنه ما إن‮ ‬يتحدث حتى ‬يظهر عمقه‮. ‬في الدقائق الأولي أدركت أن‮ ‬شكل حياة هذا الكاتب‮ ‬يشبه ما‮ ‬يدافع عنه من أفكار‮.‬
‮ ‬يكتب ميّاس الرواية والقصة القصيرة والمقال والريبورتاج الصحفي،‮ ‬وتُرجمت أعماله لأكثر من‮ ‬23‮ ‬لغة،‮ ‬من بينها العربية،‮ ‬ومؤخراً‮ ‬كتب المسرح والسيناريو السينمائي‮. ‬له باللغة العربية رواية‮ «‬العالم‮» «‬هكذا كانت الوحدة‮» «‬لاورا وخوليو‮» ‬ومجموعة‮ «‬هي تتخيل وهلاوس أخري‮» ‬وقريباً‮ ‬سيصدر له‮ «‬ما أعرفه عن القرين‮». ‬فاز ميّاس بعدد من الجوائز الإسبانية الهامة،‮ ‬من بينها جائزة بلانيتا وسيسامو وجائزة الدولة في الرواية،‮ ‬وفاز في الصحافة بجائزة ميجيل دليبيس وماريانو دي كابيا وفرنثيسكو ثرثيدو وجائزة الصحافة الثقافية مانويل باثكيث مونتالبان‮. ‬وهو كاتب معروف عنه‮ ‬غزارة الإنتاج،‮ ‬فله كل عام كتاب جديد أو أكثر،‮ ‬كما أنه‮ ‬يتعاون مع العديد من الجرائد الإسبانية بكتابة عمود صحفي،‮ ‬أهم هذه الجرائد‮ «‬الباييس‮». ‬
داخل بيت ميّاس،‮ ‬وفي‮ ‬غرفة مكتبته،‮ ‬سألته كيف‮ ‬يقوم بكتابة كل ذلك؟ فأجابني بأن الصحافة أيضاً‮ ‬كتابة،‮ ‬لكنها شكل آخر منها‮. ‬وواصلنا الحوار‮.‬
‮- ‬في البداية،‮ ‬أريد أن‮ ‬يأخذ الحوار شكل الثرثرة الأدبية والسياسية دون ترتيب‮. ‬
‮- ‬فليكن بهذه الطريقة‮( ‬يضحك‮)‬
‮- ‬احك لي ماذا تكتب هذه الأيام وماذا‮ ‬يشغلك؟
‮- ‬أعمل الآن في رواية،‮ ‬لكنها ستستغرق بعض الوقت‮. ‬وهذه الأيام‮ ‬يُعرض علي المسرح القومي مسرحية قمت بكتابتها ويمثلها أحد أشهر الممثلين الإسبان‮. ‬وأنا سعيد بها لأنها تحقق نجاحاً‮ ‬يومياً‮. ‬هي عبارة عن ميلودراما،‮ ‬مونولوج طويل‮ ‬يحمل ما أظنه فناً‮. ‬أقول إنها عودة من جديد لكتابة المسرح،‮ ‬فقد كتبته منذ سنوات بعيدة ثم توقفت،‮ ‬وكنت أتمني العودة إليه،‮ ‬وعدت‮. ‬أتعرف؟ الحياة قصيرة جداً‮ ‬لعمل كل ما تحب،‮ ‬لذلك فنحن في حاجة إلي حيوات كثيرة لتحقيق كل ما نرغب‮.‬
‮ ‬وواصل ميّاس‮: «‬المسرح فن مثير للشغف،‮ ‬بالإضافة لذلك هو عمل جماعي،‮ ‬علي عكس الرواية التي هي عمل فردي‮. ‬يمكنني أن أقارن دائماً‮ ‬بين المسرح والسينما،‮ ‬فكل ممثل سينمائي‮ ‬يحب أن‮ ‬يعمل بالمسرح ولو لعمل واحد كعودة‮ ‬إلي الأصل‮. ‬المسرح ايضاً‮ ‬موح جداً،‮ ‬إنه احتكاك مباشر بالكلمة‮. ‬المسرح مثل اللعبة التي تتبادلها مع الممثل والجمهور‮. ‬
‮- ‬وبالنسبة للسيناريو؟
‮- ‬كتبت أيضا سيناريو منذ فترة طويلة،‮ ‬والآن أعمل في آخر‮. ‬ميزة السينما هذا التعاون لإنتاج العمل،‮ ‬وبالتالي تبادل الأفكار‮. ‬
‮- ‬تقول إن الرواية عمل فردي،‮ ‬أعتقد أن هذه إحدى مزاياها الكبرى،‮ ‬لأنها في النهاية تعكس رؤية الكاتب دون مؤثرات خارجية‮.‬
‮- ‬في الدول الأنجلو ساكسونية‮ ‬يقوم المحرر باقتراح أفكار علي المؤلف،‮ ‬بذلك‮ ‬يتم التعاون بين الكاتب ودار النشر لإنتاج عمل أدبي‮. ‬لكن هذه العادة‮ ‬غير موجودة في العالم الإسباني،‮ ‬بل إن الكتاب‮ ‬يرفضون حتى تغيير محل الفاصلة،‮ ‬مع أني أعتقد أن الفاصلة من الممكن أن تغير مكانها دون أدني مشكلة‮(‬يبتسم‮). ‬الكاتب المغرور‮ ‬يرفض دائماً‮ ‬أي اقتراح خاص بعمله،‮ ‬رغم أن ذلك،‮ ‬كما قلت،‮ ‬يحدث في العالم الانجلوسكسوني مع كبار الكتاب‮. ‬بالنسبة لي لا مشكلة في ذلك،‮ ‬فنفس الأمر‮ ‬يحدث في المسرح والسينما،‮ ‬والعمل الجماعي‮ ‬يؤدي لتطوير الأفكار وهو ما‮ ‬يفيد العمل‮.‬
‮- بهذه الطريقة أنت مع الورش‮ ‬السردية؟
‮- ‬لقد أعطيت خلال سبع سنوات ورشاً‮ ‬سردية،‮ ‬والآن،‮ ‬من آن لآخر،‮ ‬أترأس ورشة‮.‬
‮- لكن هل تعتقد أن ورش السرد تصنع كاتباً؟
‮- ‬الكتابة‮ ‬يمكن تعلمها بطريقة أو بأخرى،‮ ‬ما من كاتب‮ ‬يولد كاتباً،‮ ‬والتعلم‮ ‬يأتي سواء عن طريق الورشة أو بمجهود فردي‮. ‬الورشة تستطيع أن تساعد وتقصر الطرق أحياناً،‮ ‬فعندما تسير في الطريق بمفردك تستغرق سنوات لتنتبه لأشياء ممكن أن تتعلمها من الورشة،‮ ‬لكن هناك من لديهم استعداد للتعلم ومن لا‮. ‬ومن اللافت بالنسبة لي أن‮ ‬يبدو طبيعياً‮ ‬أن‮ ‬يذهب أحدنا ليتعلم الموسيقي في الكونسرفاتوار،‮ ‬أو لتعلم الرسم في كلية الفنون الجميلة،‮ ‬وفي المقابل لا نقبل أن‮ ‬يذهب كاتب لورشة سرد‮. ‬أعتقد أن السبب في ذلك أن الكتابة تبدو شيئاً‮ ‬رومانسياً‮ ‬حد أن أحداً‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتعلمها‮. ‬وهذا‮ ‬غير صحيح‮.‬
يواصل مياس‮: ‬أنا مع الورش السردية إن جاءت من مبدع لا من أكاديمي‮. ‬بهذه الطريقة‮ ‬يمكن دخول مطبخ الكاتب،‮ ‬هذه المنطقة المحظورة بالنسبة للجميع‮. ‬لقد أعجبني دائما قراءة ما‮ ‬يحيط بمطبخ الكُتّاب واستفدتُ‮ ‬كثيراً‮ ‬من هذه القراءة،‮ ‬خاصةً‮ ‬أن قليلين من‮ ‬يكتبون عن كواليسهم‮. ‬فيما‮ ‬يخص ورش السرد،‮ ‬انظر إلي أمريكا،‮ ‬فمن الممكن أن نري كُتّاباً‮ ‬يتخرجون من ورش أدبية ويصبحون أساتذة لورش قادمة‮.‬
‮ – مطبخك الأدبي‮ ‬يثير فضولي علي الدوام،‮ ‬وكثيراً‮ ‬ما أتساءل عند قراءتك عن كيف تتم هذه الطبخة الفاتحة للشهية والمشبعة في نفس الوقت‮. ‬حدثني عن هذا‮.‬
‮- ‬كتبت أشياءً‮ ‬مبعثرة في الصحافة عن مطبخي،‮ ‬وأود أن أكتب عنه بشكل مرتب‮. ‬في رواية‮ «‬العالم‮» ‬كشفتُ‮ ‬الكثير من تفاصيله،‮ ‬لأن تكنيك الرواية كان كيفية كتابة رواية،‮ ‬كما أنها كانت رواية ذاتية‮.. ‬لقد كتبت كيف أكتب الرواية بشكل واضح‮. ‬
يصمت ميّاس لثوان ويواصل‮: «‬لقد فكرت دائماً‮ ‬في أن أكتب بجانب الرواية‮ ‬يوميات كتابة الرواية،‮ ‬مثل القبطان الذي‮ ‬يبحر وبينما‮ ‬يبحر‮ ‬يكتب‮ ‬يوميات الإبحار‮. ‬لم أفعل ذلك أبداً‮ ‬لكنني أحب أن أفعله في‮ ‬يوم ما،‮ ‬وحينها ستكون اليوميات أهم من الرواية نفسها‮. ‬أعتقد أن‮ «‬العالم‮» ‬رواية تضم ما كنت أفكر فيه أثناء الكتابة،‮ ‬لقد ضمت الخطوات والأرق،‮ ‬كما ضمت التفاصيل بشكل ما‮. ‬طموحي أن أكتب رواية تضم بداخلها‮ ‬يومياتها‮.‬

‮- أتقصد بذلك الاتجاه نحو الميتا-سرد؟
‮- ‬لا أهتم كثيراً‮ ‬بالمسميات،‮ ‬ربما‮ ‬يكون المسمي ميتا رواية أو ميتا سرد،‮ ‬لكنه في النهاية هذا العمل الذي‮ ‬يفتح نفسه بنفسه‮. ‬أنا أحب أن تفتح الرواية نفسها‮.‬
يواصل ميّاس‮: ‬كل هذه الخطابات تُستخدم عندما تفكر في الراوي،‮ ‬لا في الكاتب،‮ ‬بل الراوي،‮ ‬فكل رواية تضم بداخلها روايتين،‮ ‬واحدة هي التي تشتريها من المكتبة لتقرأها،‮ ‬والثانية حكاية عن الراوي الذي‮ ‬يعطي معلومات عن نفسه دون أن‮ ‬يقصد ذلك بشكل مباشر‮. ‬فالكاتب بالضمير الثالث عندما‮ ‬يقول إن البطل في مكان ما،‮ ‬هذا‮ ‬يعني أنه بالضرورة‮ ‬يعرف هذا المكان وأنه‮ ‬يراه‮. ‬أحاول قراءة الرواية من منطقة الراوي لا ما‮ ‬يحكيه ويبدو هذا شيقا جداً‮. ‬أعتقد أن الراوي هو المنطقة التي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يلعب فيها الروائي الآن،‮ ‬خاصة أن فن الرواية فن قديم تم اللعب في مناطق كثيرة خاصة به‮. ‬
يصمت ميّاس لثوان وينظر لي مفكراً،‮ ‬ثم‮ ‬يقول‮: ‬في منطقة رؤية الراوي هناك بعض الإمكانيات لاكتشاف أشياء جديدة‮.‬
‮- أفكر في المقولة،‮ ‬وأطرح عليه سؤالاً‮ ‬حول مطبخه ولكن بشكل مختلف‮. ‬حدثني قليلاً‮ ‬عن طقوس الكتابة التي تتبعها‮.‬
‮- (‬يبتسم‮) ‬عادة ما‮ ‬ينكر الكُتّاب أن لهم طقوسا كتابة،‮ ‬لكني أعتقد أن هناك طقوساً‮ ‬حتى ولو بشكل‮ ‬غير مدرك،‮ ‬حتى لو أنكرنا ذلك‮. ‬يومي‮ ‬يسير كالتالي‮: ‬عادةً‮ ‬أستيقظ في الخامسة والنصف أو السادسة،‮ ‬وأول ما أفعله قراءة الشعر،‮ ‬سواء الجديد أو الكلاسيكي،‮ ‬فالشعر‮ ‬يضعك في منطقة حميمية ويغذي العقل‮. ‬بعدها أحب الكتابة في الساعات الأولي من الصباح،‮ ‬ثم أتمشي لمدة ساعة ونصف وهذا جزء من عملي لأن المشي‮ ‬يغذي الخيال،‮ ‬وأعود للإفطار مع الجرائد‮. ‬بعدها أكتب للصحافة وأتناول الغداء ثم أبدأ في القراءة لمدة ساعتين أو ثلاث‮.‬
‮- وهل تضع برنامجاً‮ ‬للقراءة أيضاً؟
‮- ‬في الحقيقة أنا أقرأ لكل الكُتّاب لكن بطريقة فوضوية،‮ ‬وأحيانا أبدأ في قراءة أعمال لا أكملها،‮ ‬لكنني أعتبر نفسي قارئاً‮ ‬فوضوياً‮.‬
‮- ‬وأي نوع من الكتب تقرأ؟
‮- ‬أقرأ في كل المجالات،‮ ‬لكنني أفضل قراءة الكتب العلمية،‮ ‬خاصة أنها تحتوي علي مواد أدبية‮. ‬
‮- ‬وكتابك المفضلون ومن أثروا فيك ككاتب؟
‮- ‬ليس من السهل عمل قائمة،‮ ‬فالصحافة تريد أربعة أسماء ليكون كل شيء علي ما‮ ‬يرام،‮ ‬لكنك تعلم أن المفضلين كثيرون،‮ ‬وعمل قائمة مجرد كذبة‮. ‬من الصعب أن أقول من أكثر الكتاب الذين أثروا في،‮ ‬لكن‮ ‬يمكن أن أقدم لك خريطة‮: ‬الرواية الفرنسية،‮ ‬ومنها فلوبير،‮ ‬الرواية الروسية،‮ ‬ومنها تولستوي،‮ ‬ومن القرن العشرين كُتّاب الثلث الأول،‮ ‬كما أنني أحب الأدب الأمريكي الجديد لأنه ملتصق بالصحافة‮. ‬وهناك الكثيرون‮. ‬لكن من الصعب أن أقول لك من أحب ومن‮ ‬يهمني،‮ ‬فهناك من أحب ومن‮ ‬يثير اهتمامي‮.‬
‮- ‬مع ذلك أعتقد أن لكل كاتب عائلة‮ ‬ينتسب إليها‮.‬
‮- ‬حسناً،‮ ‬من الممكن أن‮ ‬ينتسب إلي عائلات كثيرة أيضاً‮. ‬أنا بشكل عام أحب الأدب الفانتازي،‮ ‬لكنني في الحقيقة لا أحب تصنيفات التيارات الأدبية،‮ ‬ولا أري أن التصنيف عمل الكاتب،‮ ‬فهناك النقاد والأكاديميون والمهتمون بهذا الشأن‮.‬
‮- ‬بالنسبة للأدب الفانتازي،‮ ‬هناك‮ ‬صورة ما أنه الأدب المنفلت عن الواقع‮.. ‬ما رأيك؟ وهل تري أن مجموعتك القصصية‮ «‬هي تتخيل وهلاوس أخري‮» ‬عمل فانتازي؟
‮- ‬أعتقد أن كثيراً‮ ‬من أعمالي تضم الفانتازي مع اليومي في انصهار تام،‮ ‬وأعتقد أن كتاب أمريكا اللاتينية حلوا هذا المعضلة بطريقة الواقعية السحرية‮. ‬في رأيي،‮ ‬بين الأدب والفانتازيا علاقة وثيقة،‮ ‬وأن هذا الحاجز بين الواقع والخيال حاجز وهمي‮. ‬انظر للكوميديا الإلهية مثلاً،‮ ‬وهي عمل فانتازي‮.‬
‮-‬عودة للواقع،‮ ‬في أي منطقة تحب أن تقف من الواقع،‮ ‬داخله أم خارجه؟
‮- ‬الحقيقة أنني ملتصق بالواقع بسبب العمل الصحفي،‮ ‬وهذا‮ ‬يجعلني مربوطا به،‮ ‬لكن ما أكتبه هو الواقع الأكثر فانتازية،‮ ‬وأعتقد أن الواقع أحياناً‮ ‬أكثر فانتازية من الخيال‮. ‬
‮-‬هل أكون محقاً‮ ‬إن قلت إن العالم الذي تتحرك فيه عالم خاص وشخصي ويبدو أنه جزء من حياتك؟
‮- ‬أعتقد أن كل عمل‮ ‬يحتوي علي جزء ذاتي،‮ ‬ما‮ ‬يحدث أننا نحوّله،‮ ‬نمنحه صبغة سردية‮. ‬فعندما‮ ‬يسألونني إن كان عملي‮ ‬يحتوي علي سيرة،‮ ‬أقول لا،‮ ‬لكن الحقيقة أنه لابد أن‮ ‬يضم شيئاً‮ ‬مني،‮ ‬من سيرتي‮. ‬
‮-‬في روايتك الأخيرة‮ «‬ما أعرفه عن القرين‮» ‬يبدو العالم‮ ‬غريباً‮ ‬ومسلياً‮ ‬حد الرعب،‮ ‬أريد أن أعرف ما أهم ما سمعته عنها؟
‮- ‬أكثر ما سمعته وأدهشني أنها‮ «‬رواية‮ ‬غريبة‮»‬،‮ ‬وأنا سئلت ألا‮ ‬يدهشني أن‮ ‬يكتب أحد رواية عادية؟ وكانت إجابتي أن الرواية‮ ‬يجب أن تكون‮ ‬غريبة‮. ‬ثم كيف تكون الرواية عادية؟‮ ‬غرابة العمل جزء من هدفه‮. ‬وكلما كانت‮ ‬غريبة كانت أكثر أصالة‮. ‬عندما تبدأ في الكتابة تبحث عن صوتك الخاص،‮ ‬وتحقيق ذلك صعب جداً‮.‬
‮ – ‬عندما فاز مويان بنوبل قال إنه‮ ‬يكتب عن حياته وحياة المحيطين به‮.. ‬وميّاس،‮ ‬عمّن‮ ‬يكتب؟
‮- ‬الكتابة عن حياتنا وحياة المحيطين،‮ ‬بالنسبة لي،‮ ‬تحدث بطريقة‮ ‬غير واعية،‮ ‬فعندما نكتب في الحقيقة نكتب عن أنفسنا والمحيطين بنا،‮ ‬وما من طريقة أخري للكتابة‮. ‬أعتقد أنه ليس هناك حاجز بيني وبين الآخرين‮. ‬لا أعرف،‮ ‬هل تسأل عن أشخاص حقيقيين وآخرين‮ ‬غير حقيقيين؟
‮- ‬نعم،‮ ‬أسأل إن كانت شخصياتك موجودة بالفعل في الحياة أم تبتكرها من العدم؟‮ ‬
‮- ‬أظن أننا نحمل بداخلنا أشخاصاً‮ ‬حقيقيين وغير حقيقيين في الوقت نفسه‮. ‬لا أفهم ما معني شخص من لحم ودم،‮ ‬كلنا نحمل هذا الجزء الغريب والخيالي ولا أري أي حدود بين الواقع والخيال‮. ‬الأحلام واقع أم خيال؟ إنها واقع لكنه الواقع الخفي‮. ‬وما هو‮ ‬غير حقيقي‮ ‬يشغل مكاناً‮ ‬أكثر من الحقيقي‮. ‬أين الإله؟ مع ذلك‮ ‬يحرك العالم‮. ‬ما نسميه واقعاً‮ ‬كان قبل ذلك مجرد طيف في رأس أحد‮. ‬الأول تأتي الفكرة ثم تتحقق،‮ ‬الإنسان‮ ‬يعيش بطريقة لا‮ ‬يمكن فيها فصل الواقع عن الخيال‮. ‬في ثقافتنا عندنا بابا في روما‮ ‬يعتقد أنه‮ ‬يمثل الرب في الأرض،‮ ‬وبهذه الفكرة‮ ‬غير الحقيقية‮ ‬يحرك العالم‮. ‬هذا مستحيل ومع ذلك واقع‮. ‬
‮- ‬في أعمالك‮ ‬يتضح تماماً‮ ‬هذا اللبس بين الواقعي والخيالي،‮ ‬في وسط بحر من التفاصيل اليومية البسيطة،‮ ‬وربما هذا ما‮ ‬يدفعني لسؤالك عن مدرستك الأدبية الذي تظن أنك تنتمي إليها‮.‬
‮- ‬لا أعرف في الحقيقة،‮ ‬كل ما أعرفه أنني اكتب تصوري للعالم وأقدمه بالشكل التي اختاره لنفسي،‮ ‬ما عدا ذلك عمل الأكاديميين والنقاد،‮ ‬هم‮ ‬يهتمون بذلك وأنا لا أهتم به‮. ‬حسناً،‮ ‬هم‮ ‬يريدون تسهيل الأمور بالتصنيف،‮ ‬لكن ما أفهمه أنني لا أريد أن أكون داخل تصنيف أدبي‮.‬
‮- ‬لكن البعض‮ ‬يصنفك ضمن الواقعية السحرية؟
‮- ‬حسناً،‮ ‬الواقعية السحرية عالم كبير وملتبس ونسبي‮. ‬عندما تذهب إلي كولومبيا ستجد أن واقعية ماركيز السحرية محض واقعية صرف،‮ ‬فهناك مثلاً‮ ‬الصراصير الصفراء‮. ‬أعتقد أن من‮ ‬يهتم بذلك سيسهل عليه وضع التعريفات والتصنيفات‮.‬
‮- ‬بعيداً‮ ‬عن التصنيفات،‮ ‬أكثر ما‮ ‬يلفت الانتباه في أعمالك القضايا الصغيرة وتجنب القضايا الكبيرة‮. ‬متى قررت ذلك؟
‮- ‬لست متأكدا أنه قرار،‮ ‬ما‮ ‬يحدث أنني انتبهت أن المعنى ليس في المركز بل في الهامش،‮ ‬ليس في القضية بل في فروعها،‮ ‬في الأشياء الصغيرة‮. ‬إنها عملية البحث عن المعني من وجهة نظر أخرى وبعيدة،‮ ‬وأنت تختار من أين تحكي حكايتك‮. ‬أحب مقارنة ذلك بالسينما،‮ ‬فالمخرج‮ ‬يقرر عندما‮ ‬يصل للبلاتوه من أي زاوية سيصنع فيلمه،‮ ‬فمكان حكاية الحكاية لها مغزى أخلاقي‮. ‬أعتقد أن الكاميرا تجد المعنى في الهامش والصغير وليس في المركز‮. ‬من هنا أهتم بالمحيط القريب،‮ ‬بالعائلة‮. ‬أعتقد أن الكاتب‮ ‬ينطلق من صراعه مع الواقع،‮ ‬وما‮ ‬يحاوله هو فض هذا الاشتباك‮. ‬ليس هناك أدب بلا صراع،‮ ‬وهذا نفس الصراع الذي نحمله دائماً‮. ‬
‮- ‬وفي وسط هذا الصراع تلعب الذاكرة‮ ‬دوراً‮ ‬هاماً،‮ ‬وكذلك الخيال،‮ ‬بالنسبة للكاتب‮.. ‬كيف ترى دور الذاكرة والخيال في صنع عمل عظيم؟‮ ‬
‮- ‬أعتقد أنه لا أدب بلا ذاكرة،‮ ‬ولا أدب بلا خيال،‮ ‬فكلاهما لا‮ ‬يمكن فصله عن الآخر‮. ‬الذاكرة تعمل بشكل لا‮ ‬يمكن السيطرة عليه،‮ ‬إنها تغرق في الواقع حيث البدروم وحيث الصراصير والأشياء القديمة والروائح،‮ ‬أثناء ذلك علينا الهبوط إليها بخيال‮ ‬يساعد علي الاكتشاف‮.‬
‮- ‬في وسط هذا الصراع مع الواقع،‮ ‬متى قررت أو اخترت أن تكون كاتباً؟
‮- ‬ليس اختياراً‮ ‬ولا قراراً،‮ ‬بل هي لحظة تسأل نفسك فيها إن كنت تستطيع أن تكون كاتباً،‮ ‬هي لحظة تجد نفسك فيها تكتب وترسل عملك لدار نشر دون أي‮ ‬يقين في أن ما تكتبه ذو قيمة‮. ‬أعتقد أنه ما من كاتب‮ ‬يستيقظ صباحاً‮ ‬ليقول‮: ‬سأكون كاتباً‮! ‬ولدتُ‮ ‬في عام‮ ‬46‮ ‬وظللتُ‮ ‬أعمل بشركة إيبيريا‮( ‬الطيران الإسباني‮) ‬حتى ‬93،‮ ‬وكنت وقتها أكتب بالليل‮. ‬بدأت أولاً‮ ‬كتابة الشعر وأنا في السادسة عشرة،‮ ‬وفي الخامسة والعشرين كتبت روايتي الأولي التي لم تنشر أبداً‮ ‬لحسن الحظ،‮ ‬لأنها كانت ساذجة‮. ‬بعدها كتبت الثانية وأنا في الثامنة والعشرين،‮ ‬ونشرت وأنا في التاسعة والعشرين‮. ‬هكذا كانت الكتابة عملية مستمرة،‮ ‬حتى قررت في النهاية التفرغ‮ ‬لها‮.‬
‮- ‬تقول إن روايتك الأولى لم تنشر،‮ ‬من قرر ذلك؟
‮- ‬أنا نفسي،‮ ‬لأنني اكتشفت فيها أخطاءً‮ ‬كبيرة،‮ ‬وقررت أن أعتبرها محاولة فاشلة‮ ‬يجب أن أتخطاها لأكتب بطريقتي وليس بطريقة آخرين‮.‬
‮- ‬وما الذي دفعك أصلاً‮ ‬للكتابة؟
‮-‬أكتب لأنني تعيس،‮ ‬لو كنت سعيداً‮ ‬ما كتبت‮.‬
‮- ‬التعاسة فقط ما تدفعك للكتابة؟
‮- ‬بشكل أساسي،‮ ‬نعم‮. ‬لكن هناك أيضاً‮ ‬الصراع مع الحياة والواقع والعالم،‮ ‬وهو صراع لا‮ ‬يتوقف‮.‬
‮- ‬وكيف ترى العلاقة بين الكاتب والسلطة التي تشكل هذا الواقع؟‮ ‬
‮- ‬عادة علاقة سيئة،‮ ‬ويمكن أن تري ما دونته كتب التاريخ،‮ ‬فالكُتّاب كانوا دائماً‮ ‬معاقبين،‮ ‬لكن علينا أن نفرق بين كاتب عاش في فترة ستالين وآخر‮ ‬يعيش في أوروبا الديمقراطية‮. ‬بشكل عام الكتاب لا‮ ‬يتفقون مع الساسة،‮ ‬بهذه الطريقة‮ ‬يمكن قراءة رواية‮ «‬المسخ‮» ‬لكافكا علي أنها رواية سياسية،‮ ‬وأنا أعتبرها أفضل رواية تعبر عن القرن العشرين‮.‬
‮- ‬ككاتب‮ ‬يساري،‮ ‬كيف تبدو لك السياسة الاسبانية الآن؟
‮- ‬علينا أن نفكر قليلاً‮ ‬في فكرة اليسار واليمين،‮ ‬فالفرق بين الأول والآخر اعتقاد كل منهم في حجم الدولة،‮ ‬اتساع سلطاتها أو انكماشها،‮ ‬فاليساري‮ ‬يريد أن تتسع الدولة لتقدم خدمات أكبر للمواطن،‮ ‬بينما اليمين‮ ‬يريد أن تنكمش فتفتح مجالاً‮ ‬للقطاعات الخاصة‮. ‬هكذا مع الرئيس الاسباني اليميني تتسع رقعة الخاص‮. ‬أعتقد دائما أن الصحة والتعليم والمواصلات‮ ‬يجب أن تكون عامة‮.‬
‮- ‬بحكم عملك الصحفي واهتمامك الإنساني كروائي،‮ ‬هل تتابع ما‮ ‬يحدث في العالم العربي؟
‮- ‬أتابعه بالطبع،‮ ‬ليس بما‮ ‬ينبغي لكن أتابعه‮. ‬ضع في اعتبارك أيضاً‮ ‬أن الأمور لا‮ ‬يجب أن تصل إلينا بكل شفافية،‮ ‬حتى مع انتشار المعلومات هناك احتمالية للتزييف‮. ‬ما‮ ‬يحدث في الواقع العربي،‮ ‬في رأيي،‮ ‬مؤسف،‮ ‬والربيع العربي لم‮ ‬يصل لما كان‮ ‬يطمح إليه بل ضل الطريق‮. ‬أنا مشغول بالواقع العربي،‮ ‬لقد عشنا ذلك في إسبانيا أيام فرانكو،‮ ‬حيث العملة كانت تحمل عبارة‮ «‬فرانكو زعيم إسبانيا باختيار الرب‮» ‬وهو أمر خطير،‮ ‬فيجب دائماً‮ ‬فصل الدين عن الدولة حتى تتقدم الشعوب‮. ‬ومزج الدين بالسياسة‮ ‬يؤدي إلي الدمار‮. ‬
‮-‬عودة إلي الأدب،‮ ‬يبدو لي أن مياس‮ ‬يجرب في القصة أكثر من الرواية؟
‮-‬لا أعرف،‮ ‬أنا أجرب كثيرا حتى في الصحافة‮. ‬ربما معك حق،‮ ‬فعلي مستوي الخيال ربما تكون القصة أسهل في التجريب،‮ ‬فالقصة مثل القصيدة،‮ ‬بينما الرواية شيء في حاجة إلي عناية‮.‬
‮- ‬في السنوات الأخيرة اكتسحت الرواية عالم الأدب،‮ ‬حتى أصبحنا في عصر الرواية‮.. ‬كيف تبدو لك المقولة؟
‮-‬أعتقد أننا في عصر الرواية منذ بداية القرن‮ ‬20،‮ ‬وربما لذلك لم‮ ‬يحظ بورخس وكورتاثر بما‮ ‬يستحقان‮. ‬في امريكا مثلا لا‮ ‬يحتفي أصلا بالقصة القصيرة‮. ‬الرواية هي نوع النجوم‮.‬
‮- ‬هل تتفق مع اختيارات جائزة نوبل؟
‮- ‬الحقيقة إنني لا أفكر كثيرا في هذا الأمر‮.. ‬لكن نوبل ارتكبت أخطاءً‮ ‬وأصابت أحياناً‮. ‬لكن نوبل ليست الحكم النهائي علي العمل الأدبي،‮ ‬فهناك أعمال قد تبدو رائعة الآن،‮ ‬وبعد‮ ‬20‮ ‬عاماً‮ ‬تفقد أهميتها‮. ‬الكتاب المقدس لم‮ ‬يكتب ليكون كتاباً‮ ‬أدبياً،‮ ‬مع ذلك هو كتاب أدبي بامتياز‮. ‬كتاب‮ «‬أصل الأنواع‮» ‬كتاب أدبي في حقيقته‮. ‬ما‮ ‬يخص نوبل‮ ‬يخص لجنة تحكيم ليس إلا ذلك‮.‬
____________________________
* حوار خاص ل (أخبار الأدب).

شاهد أيضاً

حَوْلَ الحبّ؛ إعادة إكتشاف الرومانسيّة في عصرنا للفيلسوف الأمريكي روبرت سولومون (2)

  *ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي                     …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *