الرئيسية / فنون / رافي شانكار .. موسيقى الهند أنغام يعـزفها العالم

رافي شانكار .. موسيقى الهند أنغام يعـزفها العالم



شاكر نوري *

  تنظر الهند إلى عازف الغيتار الهندي الشهير رافي شانكار، الذي رحل عن عمر يناهز 92 عاما، ككنز وطني وسفير عالمي للتراث الثقافي الهندي. إذ إنه أول من أخرج الموسيقى الهندية من نطاقها المحلي ليضعها في مصاف العالمية. وكان قد عمل مديراً للاذاعة ومديرا للموسيقى، بين عامي 1949 و 1956 ، في العاصمة نيودلهي، ما أتاح له تطوير وبث الموسيقى الهندية، وإعادة صياغة الأذن الموسيقية المحلية وتنبيهها إلى تراثها العريق.

لم يشتهر شانكار في دفعة واحدة، ولكن نجمه ارتفع بالتدرج في العالم، من خلال حفلاته التي اقامها في كل من أوروبا الغربية والولايات المتحدة، كما انه عزف منفرداً في حفلاته، على آلة السيتار التي أذهلت الأوروبيين والغربيين.

آلة السيتار

تعود جذور آلة السيتار، التي اشتهرت عالميا، مع شانكار، من الناحية التاريخية، الى أصل فارسي، وهي تحتوي ثلاثة أوتار شبيهة بالعود الفارسي. أما الآلة الحديثة فأصبحت بعتبات ونقوش، ولها سبعة أوتار معدنية، بعضها يستعمل للحن والآخر للدندنة. ويتسم جسم الآلة بأنه صغير ومكتمل الاستدارة. كما ان عنقها الطويل ينتهي إلى شكل يشبه القرع. وافتتن بهذه الآلة الوترية المعقدة، التي تحتضن ستة أوتار لحنية و25 وتراً عاطفياً، مبدعون كثر. ويلحظ المستمع إليها، أنه يتردد صداها حين يُعزف على الأوتار الأخرى.

وهناك مجموعة من الأوتار المتجانسة في السيتار. وطالما عرف شانكار كيف يوظف هذه السمات، بحرفية عالية. وكان مجيدا بفرادة في العزف عليها، إذ تحتاج في طريقة العزف، لتلاعب الأصابع الأوتار، مع ريشة توضع في ابهام اليد اليمنى، فتخرج ألحانا عديدة متغيرة لهذه الآلة، جميعها عذب ويستخدم ويوظف في الوان تعبير موسيقي، متباينة.. وفي السنوات الأخيرة، أصبح السيتار أكثر شعبية في الغرب، بفضل الموسيقار الهندي الراحل شانكار، وذلك من خلال إبداعه الفائق فيه، كذا سيطرته وتحكمه بهذه الآلة.

وشجعه كثير من الموسيقيين الغربيين، على الاهتمام بهذه الآلة. وعدته الهند، ممثلا وسفيرا للموسيقى الهندية الكلاسيكية. وبذا تعمقت معه قيمة آلة السيتار، فصوتها يروق للمستمع الشرقي والغربي، في آن واحد. ومؤكد أن أبرز من أجاد وأبدع في العزف عليها، العازف المشهور رقم واحد، في مداعبة أوتار هذه الآلة الكبيرة: رافي شانكار. وذلك منذ الستينات في القرن الماضي. وطبعا، من دون منازع، رغم براعة عازفين آخرين، عزفوا على آلة مشابهة، وهي «السارود»، مثل الأستاذ (كما يسمونه في الهند)، علي أكبر خان.

البيتلز والصوفية الهندية

اثارت موسيقى شانكار، الكثير من الاصوليين المتزمتين، الذين كانوا يريدون ابقاء الموسيقى الهندية داخل حدودها، وبلا انفتاح على موسيقى العالم، ولكنهم لم يتمكنوا من منع ازدهار الموسيقى الصوفية الهندية، وتأثيراتها على العوالم الموسيقية، التي تجلت في أبرزها، على جماعة البيتلز. وهكذا، أخذ جورج هاريسون، البارز في مجال البيتلز، دروساً في الموسيقى الكلاسيكية الهندية، ذلك في محاولة لتوسيع آفاق الجمهور الأوروبي والغربي في المجال، وعمل على استثمار ذاك للمزج بين الموسيقى الغربية والموسيقى الهندية.

واتت هذه العملية أكلها، إذ أثمر هذا المزيج، اقبالا نوعيا من الجمهور الغربي على تذوق نمط تلك الموسيقى المركبة. كما تأثرت فرقة البيتلز في منتصف الستينات من القرن الماضي، بألحان وانغام آلة السيتار الهندية، وهو ما دفع روادها، يومذاك، الى ادخال نغمات تلك الآلة، ضمن أغنياتهم العصرية، كجزء من التحديث وكذلك الانماط والتنويعات الموسيقية التي عاصرت تلك المرحلة، المتجسدة في تفجر التقنيات والثورات والبحث عن الجديد، بالتوازي مع أهمية ابراز قيمة التواصل الحضاري بين الشعوب عبر الموسيقى وآلاتها الحية، إذ لا تعرف الموسيقى ولا آلاتها، جسورا أو حدودا بين الثقافات المختلفة.

ونجح شانكار في إكساب الموسيقى الهندية مكانة عالمية رفيعة، فأصبح العالم يتعامل معها من منطلق قيمتها الروحية، ورمزيتها وغناها، خصوصا وانها ترتبط، هي وآلاتها، من الناحية التاريخية والميثولوجية، بمعتقدات دينية وطقوسية. إذ كان الهنود القدماء، يعتبرون الموسيقى هدية وعطاء من الالهة، كما ورد في أساطيرهم.

شغف وتجارب

كان الموسيقار الراحل شانكار، وراء شغف الجمهور الغربي بنوتات الراغا الموسيقية الهندية الكلاسيكية، في منتصف السبعينات من القرن الماضي، وأسهم في تشريع أبواب الأسواق العالمية على موسيقى الشعوب «المحلية» الآسيوية والأفريقية. وعمل شانكار في الستينات من القرن ال20، مع جورج هاريسون من فرقة البيتلز، والمؤلف فيليب غلاس – مؤسس نهج الـ «مينيماليسم» الموسيقي، فخلف أثراً كبيراً في الموسيقى الشعبية والكلاسيكية.

وولدت من رحم تعاونه طوال مسيرته المهنية، مع مغنين آسيويين وتفاعله مع الإرث الموسيقي الغربي، موسيقى هجينة عرّفت المستمعين بجوهر تلك النماذج من الموسيقى وإيقاعاتها وأجراسها والتناغم الذي لم تألفه آذانهم. ومن أبرز من تعاون معهم: عازف الكمان منوحين، عازف الفلوت جان بيار رامبال، عازف الساكسوفون والملحن جون كولترين.

موهبة وتجديد

اكتشف شانكار، ولعه بالسيتار وآلة السارود والفلوت والطبلة، بعد جهود كبيرة بذلها لتطوير الموسيقى، ومن ثم ساورته فكرة حمل المستمعين الغربيين على تقدير الموسيقى الهندية المركّبة والمعقدة. وبعده، شرع يمزج بين الموسيقى الشرقية والغربية، ضمن موسيقى حفلات الباليه وفي عدد من الأفلام، ومنها سلسلة آبو لساتايي راي:، وذلك في نهاية الخمسينات من القرن الماضي. وفي 1949، عين مديراً موسيقياً في إذاعة «أو انديا راديو»، وجال في أوروبا والولايات المتحدة.

وإثر تسجيله أسطوانات مع كولومبيا و «إي أم آي» و «وورلد باسيفيك»، استمال شانكار الغربيين إلى صوت السيتار. عشق شانكار خلط الموسيقى المتحدرة من حضارات مختلفة. وفي عام 1978، تعاون مع عدد من الموسيقيين اليابانيين البارزين. وعلى خلاف حفاوة استقبال الجمهور الغربي لموسيقاه، انتقده المتخصصون في بلده الهند. ويقول في هذا الخصوص: «في الهند يقال إنني مدمر الموسيقى التقليدية. وأصحاب القول هذا يخلطون بين هويتي المزدوجة الوجه:

المؤلف الموسيقي والمؤدي. فبصفتي مؤلفاً، اختبرت كل أنواع الموسيقى ولم أستثن أياً منها عند التلحين. ولكن حين كنت أعزف على المسرح، التزم شيئاً فشيئاً، الأصول الكلاسيكية والأرثوذكسية للموسيقى الهندية، التزاماً أميناً. وحميت التراث الذي اكتسبته».

طريق المجد

بدأ عملاق الموسيقى شانكار، مشواره في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين، وفاز بجائزة «غرامي» 3 مرات، بفضل أعماله الأسطورية. وكان له تأثير كبير في الموسيقى الكلاسيكية. وأثناء الجولة التي قامت بها فرقته أوداي في أوروبا وأميركا، اكتشف شانكار الموسيقى الكلاسيكية الغربية وموسيقى الجاز والسينما.

وبعد السفر حول العالم، مع شقيقه، وكذلك، عقب البقاء لفترة طويلة في باريس، رحل شانكار إلى بلدة مايهار الصغيرة التي تقع في ولاية ماديا براديش الهندية، كي يتعلم الموسيقى من الأستاذ علاء الدين خان- مؤسس مدرسة مايهار للموسيقى الهندوسية، وكان معلما في غاية الدقة والصرامة، إلى درجة أنه كان يضرب ابنه – الأستاذ علي أكبر خان – إذا ما أخطأ في عزف علامة موسيقية واحدة. وسرعان ما تطور شانكار كعازف سيتار.

ومن ثم لحن أول مقطوعة له، من موسيقى الراغا في عام 1945، ليستهل مشوارا مهما ومميزا، في آن، من الإنتاج الموسيقي الغزير. وفي الخمسينات والستينات، أصبح السفير الدولي غير الرسمي للموسيقى الهندية، إذ فتن المستمعون في العالم، بإبداعاته. وهو ما أحدث ضجة كبيرة في الغرب.

سيرة صاخبة

نشر رافي شانكار سيرته الذاتية، في عام 1969، بعنوان «موسيقاي وحياتي»، والتي يجسد فيها بلوغ صفة السكينة الهندية، موضحا كيف أن الموسيقى الهندية تقدم تعبيرا شخصيا رفيعا عن الوحدة مع اللانهائية، كما في الحب اللانهائي. ودخل في شرك علاقات عاطفية، كثيرة. وأنجب أبناء عديدين.. ولم يكن في مقدور شانكار أن يدعي أي فضل له في ذلك سوى صلة النسب، حيث تولت أمهاتهن تربيتهم، وخاصة ابنته التي أصبحت نجمة موسيقية عالمية.

وفي عام 1988، تزوج رافي شانكار بعازفة تدعى سوكانيا، وعثر معها على الاستقرار الذي ظل أعواما طويلة جدا يتوق إليه. وعلى طريقة نجوم الروك الحقيقيين، فإن رافي شانكار لم يكن يؤمن بإبقاء حياته الخاصة طي الكتمان.

موسيقى الأفلام

استقطبت حفلة شانكار في مهرجان مونتيري الدولي لموسيقى البوب- عام 1967م، جمهوراً ضخماً. كما وضع شانكار موسيقى أفلام كثيرة، منها: غاندي لريتشارد أتنبورو- في 1982. وأبدع أيضا، موسيقى حفلات باليه وأغنيات إلكترونية متنوعة، وكذلك ألحان سيترا لأوركسترا غربية. ومع تعاظم شعبيته ورواج أعماله، زادت حصة تمثيل الموسيقى التراثية الهندية وموسيقى الحضارات، في أكبر صرح موسيقي بنيويورك: «وورلد ميوزيك إنستيتيوت».

تأثر البيتلز بالموسيقى الهندية

سارع هاريسون، مبدع البيتلز الشهير، إلى تعلم أصول العزف على آلة السيتار، واستخدمها لدى تسجيل اغنية البيتلز «نورفيجين وود» (الغابة النروجية). وسارت فرق الـ «رولينغ ستونز» و «آنيملز» و»بيردز»، على خطى البيتلز في استخدام السيتار، لكنها لم تبلغ مبلغ هاريسون المتماهي مع الموسيقى الهندية، فهو سجل أغنيات ألبومات البيتلز، مع فرق هندية. .ولقب جورج هاريسون رافي شانكار بـعراب الموسيقى العالمية.

ابنة الموسيقار

تعد الموسيقى الهندية الكلاسيكية، من أقدم أنواع الموسيقى في العالم، وأصلها من شمال الهند. وكان لها تأثير على تطور الموسيقى العربية والفارسية والتركية. وكان رافي شانكار أول من قدم موسيقى الشعوب للعالم ورافق مجموعة «البيتلز» في الستينات من القرن العشرين. وهو والد مطربة الجاز والبوب الشهيرة، نورا جونز، الحائزة على جائزة «غرامي» الأميركية.

في سطور

ولد رافي شانكار، في مدينة بيناريس، على ضفاف نهر الغانج في الهند، في 7 أبريل 1920، لعائلة تنتمي إلى أعلى طبقة في المجتمع الهندوسي.ونجح في إضفاء ملامح تطوير فريد على الموسيقى التراثية الهندية. ومن ثم كلل ذلك بجعل موسيقى بلاده، في مصاف عالمي متقدم. وتتلمذ جورج هاريسون من مشاهير فرقة البيتلز، على يد شانكار في الستينات من القرن ال20، وتعاون الاثنان في مشروعات كثيرة

* روائي وصحفي من العراق يعمل في دبي

( البيان – مسارات )

شاهد أيضاً

«كفرناحوم» للبنانية نادين لبكي يحصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان

*نسرين سيد أحمد لعلَّ أول سؤال يتبادر إلى الأذهان عند معرفة اسم فيلم «كفرناحوم» للمخرجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *