الرئيسية / مقالات / زمن السقوط ..!

زمن السقوط ..!


د. شهلا العجيلي *

 
‘تعلّمت أن أحذر من المسلّمات،
وحين يتجمّع كلّ الناس حول رأي واحد أهرب،
فالحقيقة هي بالتأكيد في مكان آخر’.

 
ليون الافريقيّ

لا تلغي القراءة المعرفيّة (الإيبستمولوجيّة) للحادثة التاريخيّة، القراءةَ الوظيفيّة، أوالقراءة البراغماتيّة لها، ذلك أنّ الحادثة التاريخيّة تتحوّل في كثير من الأحيان إلى حادثة ثقافيّة، أي تصير تراثاً، فلا يمكن حينئذ التنصّل منها إطلاقاً، إذ تتّخذ شكل مكوّن رئيس من المكوّنات الأنثروبولوجيّة الثقافيّة لوجودنا. ولاشكّ في أنّ القراءة المعرفيّة للتراث تصبّ في تيّار اللاّجدوى إذا لم ترفد بالقراءة الوظيفيّة، ولعلّ هذه واحدة من مشكلاتنا مع التاريخ، ومع التراث، ومع المستقبل! لأنّ الذي يعرف معطّل عن الفعل، والذي لا يعرف يملك آليّات الفعل كلّها، لذا فالمدوّنات العظيمة التي وضعناها على مدى قرن ونصف القرن من الزمان، حول تيّارات إعادة قراءة التاريخ من تيّارات التأصيل والتحديث، والبعث والقطيعة… كانت تؤيّد فكرة اللاّجدوى، زد على ذلك أنّ ما نشأ باسمها من حركات وندوات ومؤتمرات، أُنفقت عليها الملايين، وراح ضحيّتها الكثير من الأرواح والأعمار والصداقات لم تُنتج سوى هذا الواقع الذي يمكن أن يوصف بالتردّي الإنسانيّ، الذي تأكل البشريّة فيه ذاتها، في ردّتها إلى مرحلة التقتيل، والذبح، وقطع الطرق، والخطف والافتداء، واستظلال ما يُسمّى بالنخبة، بلواء الميليشيات والعصابات.
لعلّ أمين معلوف حينما كتب (ليون الإفريقي) لم يقصد إلى الإسقاطات بقدر ما قصد إلى إعادة كتابة التاريخ من وجهة النظر الأخرى، وجهة نظر الضحايا، لكنّ أحداث التاريخ المفصليّة لا بدّ لها من أن تحضر، أو لابدّ للأغصان الكبرى لشجرة التاريخ من أن تظهر، كي يمكن للناس العاديين أن يرتعوا تحتها، أولئك الذين يشكّلون المتخيَّل في الروايات التاريخيّة الجديدة، والذين اعتدنا على تسميتهم الهامش في مقابل المتن أو المركز. وهنا يمكن للمؤوِّل أن يفعّل القراءة الإسقاطيّة للحادثة التاريخيّة، فيتناسل الزمان، ويتخذ المكان صيغته الكنائيّة، وكذلك تفعل الشخصيّة، فتبدو (غرناطة) مدينة كنائيّة لكلّ عاصمة إسلامية تتهاوى، وكذلك (القاهرة)، وإن كان سقوط الأولى أبلغ كنائيّاً، وتبدو (روما) مدينة كنائيّة لكلّ مُلك حكم عليه الناموس الأزلي بالسقوط، وإن بعد حين، وذلك وفقاً لابن خلدون.
يعدّ من ثيمات الحادثة التاريخيّة تكرارها بالصيغة الكنائيّة، لذا فلكلّ حاضرة عظيمة سقوط، ولكلّ منها أبو عبد الله الصغير الخاصّ بها، ولكلّ منها موقع لزفرته الأخيرة، وهجرة أو مقتل، ولكلّ منها مفاوضوه، أولئك الذين يكونون من السلطة، متمسّكين بأدبيّاتها أيّما تمسّك، وفجأة يمدّون جسور الحوار مع الطرف الآخر كرمى لعيني الرعيّة، لينكشف، بعد قليل أو كثير، الثمن الذي قبضوه لقاء ذلك التفاوض: ‘كثيراً ما تكشف الأيّام التي تلي الهزيمة عن فساد النفوس. وإذ أقول هذا فإنّي أفكّر في الوزير المُليح…لأنّ الرجل وهو يفاوض من أجل سلامة أرامل غرناطة وأيتامها، حسبما أفاض في إفهامنا، لم ينس حظّه بالذات. فقد حصّل من فرديناند لقاء التسليم الذي استعجل موعده على عشرين ألف قشتاليّ ذهبيّ، أي ما يقارب عشرة آلاف ألف مرابطيّ ذهبيّ، علاوة على أراضٍ شاسعة’. ص65.
يحضر الكنّازون أيضاً بوصفهم من مستلزمات حالة سقوط المدن، والكنّازون هم أولئك الذين يبحثون عن الثروات التي لم يستطع اللاّجئون، والنازحون، والمهاجرون حملها معهم أثناء المُلمّة التي ألمّت بهم، فتركوها ونجوا بأرواحهم، أو خبّؤوها في مكان ما ليعودوا إليها بعد هدوء الأحوال، لكنّ طموح الكنّازين الرئيس يكمن عند كنوز الملوك أو مقدّرات الدولة، فإذا ما تحقّق للكنّازين ما أرادوا، صاروا إلى ما نسمّيهم بأغنياء الحرب: ‘إنّني التقيتُ طوال حياتي أناساً لم يكونوا يحلمون بغير هذا الذهب المطمور، حتّى إنّي عرفتُ أشخاصاً يُدعون في كلّ مكان (الكنّازين)، ولا عمل لهم سوى البحث عن الكنوز، ولاسيّما كنز أبي عبد الله…’ ص64.
ينشط في زمن السقوط، الذي تشكّل الفوضى سمته الرئيسة، الجماعة التي تسمّى بـ (الفكّاكين)، وإذا ما أدرنا الطرف حولنا، أو سمعنا نشرات الأخبار اليوم، سنجدهم حاضرين في أكثر من مكان، ويتعاملون مع جهات عدّة. والفكّاكون هم المفتدون، الذين يخلّصون الأسرى والمخطوفين، بدفع فدية مقدّمة من أهل المخطوف، واقتطاع مبلغ لجيب الفكّاك الخاصّ، وغالباً يُدفع له من الجهتين: ‘يبدأ الفكّاك أو أحد ممثّليه عندها تحقيقاته، منتقلاً إلى أرض الخصم، وحتّى إلى مناطق بعيدة أحياناً، في زيّ تاجر، أو بصفته الحقيقيّة، للعثور على الأشخاص المفقودين، والمساومة على مبلغ الفدية…’. ص76.
ولاشكّ في أنّ لزمن السقوط موتيفات أخرى من مثل مورسكييه، ومهاجريه، ومقيميه، وكريستوفر كولومبوس الخاصّ به، بطموحاته، ومشاريعه، ومغامراته التي قد تنجح، وقد تودي إلى التهلكة.
لعلّ من أكثر موتيفات ما بعد السقوط تكراراً، والتي تصير ذاتها موتيفات للحالة الكولونياليّة، هي طمأنة المدحورين على حسن مآلهم، وتبشيرهم بعالم بلا أحقاد، فـ’الروم يبدون متسامحين في الأيّام الأولى للانتصار’! ص65-66، لكنّ ما يحدث غالباً هو تماماً مثل الذي اعترف به محمّد، والد (ليون الافريقيّ)، بعد سقوط غرناطة: ‘ما لبثت آلامنا أن طهّرتنا وذكّرتنا بأنّنا على الرغم من كوننا أحراراً فإنّنا أصبحنا مكبّلين بذلّنا.’. ص67.
تظهر، مرّة أخرى، مع كلّ حادثة مفصليّة من حوادث التاريخ مجموعة تنهج نهج القراءة المعرفيّة، يمتلك بعض أفرادها صوتاً، وربّما فعلاً، فيحوّلون قراءتهم تلك إلى قراءة وظيفيّة، ولا يمتلك الآخرون مثل ذلك الصوت، فيكتفون بالتأمّل، وفي ذلك كلّه يعتبرون، وأنا معهم، بالعبرة التي وصل إليها ليون الافريقي جرّاء محنة أهله: ‘تعلّمت أن أحذر من المسلّمات، وحين يتجمّع كلّ الناس حول رأي واحد أهرب، فالحقيقة هي بالتأكيد في مكان آخر.’ ص378

* كاتبة من سورية تعيش في الأردن

شاهد أيضاً

الفرار من الحرية

*خيري منصور حين أصدر أريك فروم كتابه الشهير «الخوف من الحرية» افتضحت ظاهرة كانت طيّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *