الرئيسية / قراءات / “المجتمع الدولي وفائض العنف ” لعزالدين العامري

“المجتمع الدولي وفائض العنف ” لعزالدين العامري


فاطمة بن محمود – تونس

( ثقافات )

أصدر الشاعر عزالدين العامري كتابه الجديد بعنوان ” المجتمع الدولي وفائض العنف ” (عن دار نقوش عربية) هو ليس بكتاب سياسي و انما كتاب فكري يناقش فيه العامري ما يسميه بنية العقل الامبراطوري الذي يسعى أن يفرض هيمنته على العالم .
يأتي هذا الكتاب ردا على العولمة التي تجتاح العالم و تسعى لاجتثاث الهوّيات المخصوصة و الجماعية للمجتمعات الضعيفة، بمعنى أن الكتاب يَرد دفاعا عن القيم الانسانية و مساندة للشعوب الضعيفة في تأصيل كيانها و في ترسيخ هويتها و في تثبيت قيمها وفي استغلال مواردها .

الاشكالية التي يتناولها الكتاب هي تفكيك بنية المنطق الامبراطوري الجديد الذي يتقن صناعة العنف رغبة في تدجين و ترويض الشعوب كي تقبل بوضع العبيد، ولذلك يمكن تقسيم الكتاب –حسب قراءتي – الى ثلاثة عناصر أساسية : العنف الناعم، صناعة الارهاب ، صناعة العنف.

-1- العنف الناعم :

يحدّد العامري مجال العنف الناعم في مستوى مؤسسات التعبئة و الدعاية التى تعمل على الايهام بالعنف الشرعي من أجل تطبيق القوانين و حماية حقوق الانسان، و تتمثّل بعض وظائف مؤسسات العنف الناعم في صناعة الخبر ترويجه، التحكّم الخفيّ في منظمات غير حكومية وإنتاج يومي لجمعيات مكلفة بمهام دقيقة تحت غطاء المجتمع المدني، تمويل القوى الدولية للحملات الانتخابية في البلدان المتخلفة و تمويل مراكز بحث و معاهد إحصاء لانتاج المفاهيم الوظيفية و صناعة شخصيات ورموز كاريزمية تضطلع بوظائف الدعاية والترويض للآخر و صناعة الخطاب و الخطاب المضاد…
ثم يحدد الكاتب تمظهرات هذا العنف الناعم التي تتمثل بعض وظائفها في تخريب الاقتصاديات الوطنية و تقسيم الشعب الواحد وفقا لمبررات عقائدية أو طائفية ..
ومن هذا المنطلق يشير الكاتب عزالدين العامري الى أن” القوي على صواب و إن كان مخطئا” و إن كان العنف الناعم سرعان ما يعبّر عن نفسه في طابع حسّي يبرز في الغزو الامريكي للعراق.

-2- صناعة العنف :

في هذا المحور يعتبر الكاتب عزالدين العامري ان شراسة الارهاب هو الذي تشرّع له مقولة الفوضى الخلاّقة لأنها بكل ايجاز تنبني على الاستراتيجية التالية هي “حرب الجميع ضد الجميع” دون مراعاة الوحدة الوطنية و كل طرف يعتقد أنه على صواب و هذا يكون بنسف مؤسسات الدولة و تقويض التعايش المشترك و استهداف الحرّيات والانفلات الشامل، ويعتبر أن هذا يظهر من خلال افتعال مشكل بين الأديان و في صفوف الأقليات وبين الطوائف ..
من هذا المنطلق يعتبر العامري ان المحرك الاساسي لصناعة الارهاب هو الرغبة في الهيمنة الاقتصادية للمحافظة على مجتمع الرفاه وبالتالي يؤدي الارهاب في شكله الاقتصادي الى أزمات اجتماعية و قيمية مثل الهجرة السرية وبروز التطرّف الديني والعنف المجاني .
يشير عزالدين العامري أن الارهاب الاقتصادي يستمدّ قوته من الارهاب الفكري الذي يتمثل في عقلية الوساطة بما هي إلغاء للآخر وفرض أنظمة سياسية ، بفرض اختيارات اقتصادية بتنصيب نفسها راعية أقلّيات وحارسة للقيم و الحرّيات، ويقدم العامري مثالا على ذلك عندما يشكّك في نزاهة محكمة العدل الدولية.
والارهاب الفكري يؤدي بدوره الى ارهاب سياسي يتمظهر في تسويق الأوهام والوعود المؤجلة على الدوام و تمرير المغالطات و تزييف الوقائع و تشويه الآخرين و المتاجرة باحتياجات الشعوب و مقدّساتها و أحلامها.

-3- صناعة العنف :

يعتبر عزالدين العامري أن مسألة العنف شديدة وعميقة وأنها صناعة تتحكّم في السياسات الاقتصاديات العالمية ولذلك تتجه صناعة العنف الى ثلاثة مستويات هامة هي:
عنف التحمّس للوثوقيات (مثال عنف التطرف الديني ) والعنف المأجور( عنف الميليشيات ) و عنف الاحباط ( وهو عنف لاشعوري تصعيدي مجاني نجده مثلا في الشتائم.في الشارع أو الملاعب ..).
ولا يتغافل الكاتب عزالدين العامري عن الاشارة الى التحالف بين القوى الدولية و الأنظمة الاستبدادية والذي يبدو مثلا في إعدام ثقافة التنوّع وابتزاز الكفاءات عبر الضغوط المختلفة و تهميش الانتيليجنسيا ..
عزالدين العامري في هذا الكتاب الجديد يقوم بتفكيك بنية الخطاب السياسي و يكشف استراتيجيته في التفكير و التخطيط و قد فضح أساليب هذا العقل السياسي الماكر كالقول بوهم الشراكة بأن عقود الشراكة هي في الحقيقة عقود استثمارية من طرف واحد وان مقولات مثل الأمن الدولي أو السِلّم العالمي انما يعني الأمن الاقتصادي الأمريكي و سِلّم النسيج الاجتماعي داخل الدول الكبرى كما يكشف جنون العظمة ويعتبر أن القوى الدولية تعيش حالة مرضية حيث تصل فائض من النرجسية يجعلها تتورّم.

نقاط التميّز في الكتاب :

من عناصر القوة لهذا الكتاب انه يعبّر عن جرأة فكرية اذ يصدر في مرحلة هامة تشهد تجاذبات سياسية شديدة ، وقد حافظ الكاتب بذكاء عن حياده من جهة و عن حرفيته في الحفاظ على المسافة بين الجانب التنظيري و الجانب العملي ولم يسقط في الكتابة الصحفية رغم أن صاحب الكتاب يشتغل في المجال الاعلامي. و من النقاط الهامة جدا و التي تحسب للكاتب بامتياز انه نحت بعض المفاهيم التي شحنها بدلالة جديدة مثل الحديث عن العقل الامبراطوري بماهو عقل ماكر و مستبد وأيضا عندما أشار الى العنف المأجور و عنف الاحباط ثم ان العامري في هذا الكتاب لم يقدم أجوبة نهاية و انما أنهى كتابه بحزمة من الأسئلة التي يدفع القارئ من خلالها الى التفكير أيضا.
وفي المقابل فان من الهنّات البارزة لهذا الكتاب ان العامري أغفل ضبط المراجع و المصادر التي استعان بها حتما في تأليفه على اعتبار أن كل كتاب لا يأتي لقيطا وانما هو نتيجة تراكمات معرفية وقراءات مختصة ومختلفة.

أسئلتي ..

– هل هذا الكتاب أخذ عزالدين العامري من الحقل الشعري الى حقل التنظير الفكري علما وان لديه اصدارين في الشعر ؟
– هل الكاتب يسعى الى نزعة توافقية في الجمع بين الكتابة الشعرية و الكتابة الفكرية ام انه انزياح يعبّر من خلاله العامري عن ادانته للشعر و اعتراف بعجز القصيدة عن فهم الواقع و بالتالي يقوم بالانتصار لآلة العقل؟

* شاعرة من تونس

شاهد أيضاً

العواطف وسطوتها على الإنسان

*عاطف محمد عبد المجيد في كتابه «سطوة العواطف» (صدر في القاهرة عن دار «رؤية» بترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *