الرئيسية / مقالات / على ضفة النهر…

على ضفة النهر…


زاهي وهبي *


يكرّر النائب اللبناني وليد جنبلاط أنه ينتظر عند ضفة النهر. الانتظار المقصود منه مجازاً أن تحمل مياه النهر جثث قتلة والده الشهيد الكبير كمال جنبلاط. طبعاً من حقه الانتظار، مثلما من حقه المطالبة بالثأر أو بالعدالة، بالصفح أو بالنسيان. مرور الزمن يُسقط العدالة القانونية، لكن العدالة الإنسانية والأخلاقية لا تسقطها السنون مهما تقادمت. إذن لم يبقَ سوى العدالة «الطبيعية»: عدالة النهر!

الطامة الكبرى أن كل اللبنانيين ينتظرون عند ضفة النهر، أو لنقل- إنصافاً لمن نسميهم الأكثرية الصامتة- أن معظم القوى السياسية اللبنانية تنتظر بعضها بعضاً عند تلك الضفة، أو وراء «الكوع». فمنذ استقلال لبنان اللفظي حتى اليوم والطبقة السياسية المنقسمة دوماً على نفسها لم تستطع تكوين وطن أو بناء دولة. ظلت الجماعات اللبنانية تتربص ببعضها بعضاً على مدى سنوات وعقود مستقوية بالخارج وبميزان القوى الدولي والإقليمي الذي كلما مال اهتز معه لبنان واستقراره وسلمه الأهلي، واندلعت حروب الطوائف والمذاهب محوّلة «الوطن الصغير» جحيماً لا يُطاق.

مع تقادم الأيام والأحداث كثُرَ عدد الشهداء المغدورين وكثُرَ معهم عدد المنتظرين عند ضفة النهر. في الأثناء جرت أنهرٌ من الدماء والدموع ولم يتبقَ من لبنان الفيروزي أو لبنان الأخضر الحلو وقطعة السما «الصافية» (نسبة لوديع)، ولا من الوطن الرحباني سوى الأغنية. جميعاً نغني مع فيروز «بحبك يا لبنان» ومع زكي ناصيف «راجع راجع يتعمر، راجع لبنان»، لكننا في الوقت عينه نُمعن قتلاً وتدميراً بوطننا الصغير. كلٌ يلقي المسؤولية على الآخر، وكلنا شركاء في الجريمة لكن لا أحد يريد الاعتراف أو التنازل، أليست الطبقة الحاكمة المتصارعة «سلماً» هي نفسها التي تقاتلت وتذابحت على الهوية؟ أليس غريباً ألاّ يعتذر أحدٌ من «أبطال السلام» عمّا اقترفه في زمن الحرب، بل أقروا لأنفسهم قانون عفو عام فضفاضاً عطّل العدالة ومسح جرائمهم بجرّة قلم.

كيف يمكن لشعب يتربص بنفسه، ولمجتمع ينشطر ويتشظى، وكيف لزعماء وقادة يُسلسون قيادهم لمسؤولي الاستخبارات الدولية والإقليمية أن يصنعوا وطناً ويحموا شعباً ويصونوا استقلالاً واستقراراً؟ لا يمكن لحياة أن تستقيم عند ضفة النهر. ضفة النهر ينبغي أن تكون أيضاً للحب والخصوبة الخير والجمال وليس فقط للانتظار أو لما تلقيه المياه عند الضفاف. فهل للمنتظرين من الجانبين، ألاّ يكتفوا بالانتظار، أن يحاولوا بناء جسر بين الضفتين ليستطيع أبناء الوطن الواحد العبور والتلاقي. مسؤولية جَسر الهوة السحيقة الفاصلة بين اللبنانيين التي تزداد اتساعاً مع الوقت والتحريض والتهويل والتخوين والتكفير، هي مسؤولية الجميع. مسؤولية أخلاقية وثقافية أولاً، بعد أن ثبت بالوجه الشرعي عقم الطبقة السياسية وعجز النظام الطائفي عن ابتكار مخارج خلاّقة للانقسام الداخلي الحاد معطوفاً على تشظيات الإقليم وانشطاراته. فهل نأمل بأصوات ثقافية لا تكون مجرد صدى أو ترداد ببغائي لأصوات الساسة والحكّام؟

نعم العدالة حجر الأساس لجَسر الضفتين، لكن لا عدالة النهر، ولا عدالة الثأر، ولا عدالة مسيسة تغدو عصا أو جزرة في يد القوى الكبرى غير المهتمة سوى بمصالحها. بل عدالة منزهة عن الغرض والهوى لا يكون فيها القاضي هو الخصم والحكمُ. عدالة لا تخضع لنفوذ القوى الكبرى ولا لأهواء قوى الداخل على اختلافها، عدالة مجردة مطلقة يحتكم إليها الجميع. فتكون الفيصل والفاروق ونافذة الأمل بتجنب المزيد من الدمار والخراب، وإلاّ ستكون جثة بلدنا هي ما سوف يحمله إلينا النهر مراراً وتكراراً حيث التاريخ اللبناني يعيد نفسه دوماً على شكل مأساة، ولن نجد حينها ضفافاً تصلح للانتظار؟


(الحياة اللندنية )

شاهد أيضاً

هاجس روائي

*محمد المطرود ربّما هكذا نستطيعُ أن نفتتح روايةً، حديثٌ مجانيٌّ عنِ الحياةِ اليومية، طقوس الليلِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *