الرئيسية / إضاءات / شاعرية هولدرلين في أفق فلسفة هايدجر

شاعرية هولدرلين في أفق فلسفة هايدجر


فؤاد اليزيد السني *

( ثقافات )



نبذة عن حياة الشاعر

فردريش هولدرلين، شاعر وفيلسوف ألماني، ينتمي إلى جيل شبيبة القرن التاسع عشر، هذا الذي كان يسمى ب”القرن الجديد”. ولقد تواجد الشاعر في خضم التيار “الكلاسيكي- الرومانسي” الذي كان الشاعر والكاتب (غوته) يمثل فيه آنذاك، قائد أركسترا الانبعاث الأدبي الألماني، بل العالمي.



ولد فردريش هولدرلين (Johann Christian Friedrich Hölderlin)، في 20 مارس 1770م ب (لاوفن). ولقد نشأ يتيما في سن مبكر. إذ توفي والده، وهو لم يتجاوز الثانية من عمره. وهكذا نشأ وترعرع في كنف أمه (جوانا كريستينا)، التي تزوجت من جديد. لكن من سوء حظ الطفل أنه سيفقد أباه الجديد، للمرة الثانية، في ظرف وجيز، الشيء الذي دفع به إلى احتضان قدر اليتيم من جديد. وهكذا سيتربى الطفل في رعاية أم ثكلى، ووسط عائلي كان الموت يتخطف أفراده – ونقصد إخوته وأخواته – الواحد تلو الآخر. ولم يبق للشاعر بعد هذا الموكب الجنائزي، سوى شقيقة واحدة وأخ من الأب الثاني. ومدفوعا برغبة من أمه، التي كانت ترغب لديه، تربية وتكوين ديني، استجاب الشاب للتكوين الديني. وهكذا التحق هولدرلين بالمعهد الديني لمدينة توبينغن (Tübingen Stift)، لدراسة علم اللاهوت. ولقد مارس في هذه الفترة، تعلم كل من اللغات: الإغريقية، اللاتينية، والعبرية. ولقد كان آنئذ، مولعا بقراءة شعر (شيلر) المثالي. ولقد بدأ بكتابة قصائده الأولى وهو لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره. ومن سنة 1788 إلى سنة 1793م، كان طالبا بالمعهد البروتستانتي الكبير، معاصرا لكل من (هيڭل) و(شيلنغ). وكان هؤلاء معا، يشكلون ثالوث المثالية الألمانية، في ميداني الشعر والرواية والفلسفة. وفي سنة 1793م، شرع في مراسلة الشاعر (فردريش شيلر)، وقد التحق بميدان العمل كمدرس خاص، في بيت المصرفي يعقوب كنراد، حيث سيقع في حب زوجته سوزيت ڭونتارد (Suzette Gontard)، التي سيطلق عليها لقب (ديوتيما) في روايته “إيبريون – Hyperion “. لقد كانت هذه المرأة تمثل لديه الحب المثالي المطلق، هذا الحب الذي لم يدم بسبب اضطرار مغادرة الشاعر للبيت، بعد اكتشاف وافتضاح علاقته الغرامية. انقطعت الصلة المباشرة بين هولدرين وسوزيت، وعوضت بالمراسلة الشعرية المستمرة. وانطلاقا من سنة 1800م، بدأت عبقرية هولدرلين الشعرية، تتجلى في كتاباته. ونذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر، مطولته” خبز وخمر”، التي ترمز إلى السيد المسيح في جانبها الديني والإله الإغريقي “ديونيسوس”، في جانبها الدنيوي، الشبقيّ والمتعي. وخلال هذه الفترة، سافر إلى مدينة (بوردو) الفرنسية، ثم عاد منها إلى وطنه الأم سنة 1802م. ولقد عاد متأثرا بانهيار عصبي أدى به إلى الجنون. وحين شخص طبيبه الخاص مرضه بكونه اختلال عقلي، اضطر إلى الإبقاء عليه قهرا بإحدى المصحات المختصة بالأمراض العقلية. ولسوف يعيش هولدرلين أكثر من ثلاثين سنة، في ظلال الهلوسة والجنون. ولقد تكفل به لغاية وفاته، نجّار بنى له صومعة، على ضفاف نهر(النيكار)، كانت تدعى ب”برج هولدرلين”. وتوفي الشاعر في 7 يونيوه سنة 1843م في (توبينغن).

بين هايدڭر وهولدرلين

ولقد كان الفيلسوف (مارتن هايدڭر / 1889-1976)، من أكبر المعجبين بالشاعر هولدرلين، ولهذا السبب بالذات، خصص له هذه الدراسة الفريدة من نوعها “ماهية الشعر”، والتي نضعها بين أيديكم اليوم. ومن ناحية أخرى، يجب أن لا ننسى، بأن مشروع فلسفة هذا الفيلسوف، قد بني على خصوصية اللغة، وامتدادها التقني. إلا أننا قبل أن نعرض لها، سنقدم للقارئ الكريم، بعض الآراء، التي قيلت عن الشاعر هولدرلين، من قبل بعض كبار أدباء القرن العشرين. يقول عنه الكاتب (ستيفان زفايغ)، بأن الطفولة كانت لديه موطنه الأول، وكانت أهم حقبة من حياته، بالرغم من المآسي التي تخللتها. ويسوق هذه المقولة للشاعر هولدرلين، مقتبسة من إحدى رسائله:” للأسف الشديد ! لقد أخاف العالم ذهني، منذ نعومة أظفاري، الشيء الذي جعلني أنطوي على نفسي”. ويرى ستيفان زفايغ، بأن نصف أشعار هولدرلين، ليست في الواقع سوى تنويعات على التيمة نفسها، أي بما معناه، تيمة التضاد غير القابل للتصالح بين طفولة مؤمنة وهادئة البال وواقع حياتي، قاسي ومعادي. ويرى زفايغ بأننا نجد هذه الازدواجية، في شعره بشكل مبكر. نجدها في تعبيره عن ” في ذاك الزمن واليوم”. وفي قصيدته نشيد للطبيعة نجد هذه الإنطبعات الطفولية نفسها، وقد تجلت بروعة في لعبة المياه الشعرية الواردة في هذه القصيدة التالية:

حينَ كنتُ ألعَبُ حَولَ خِمارِك
وحين كنتُ ما أزالُ عالقا بك مثلَ زَهْرَة
وكنتُ أشْعُرُ بِقَلبِكِ في كُلّ العَلامات
التي كان رَجْعُ صَداها
يَتَردّدُ حَولَ قَلْبي
المُرْتَعِش بالحَنان
ومِثلُك أنت، كنت واقفا أمام صورَتِك
وكنتُ أَجدُ دائما مَكانا لِدُموعي
وكَوْنا لِحُبّي
حينَ كانَ قَلْبي
ما زالَ يَسْتَدير
نَحوَ الشّمْس
كما هذا الأخير
كان يَسْتَمِعُ لإيقاعِ هذه العَلامات
وحينَ كانَ يُسَمّي أَخَواته النُّجوم
والرّبيعُ لَحْنا للإله
وحينَ في النسيم الذي كان يَرْتَعِش
كان ذِهْنُكَ، ذهْنُكَ البَشوش
يُوَسِّعُ من مَوْجَة قلبي الهادئة



حينئذ، أَجَل ! حينئذٍ رَأَيْتُها مُقْبِلَةً نَحوي
الأيّامَ الذّهَبِيّة


وبإمكاننا أن نقول، وحسب تعليق (ستيفان زفايغ)، بأن جمالية هولدرلين، هي في الوقت نفسه، تعبير دقيق عن مأساته الشخصية. فهو قد وضع إيمانه كله في عالم مثالي، متذمرا وثائرا في آن، على عالم مادي لم يجد من وسيلة للتخلص منه، إلا بأجنحته الشاعرية. ونسوق بهذه المناسبة، هذا التصريح للشاعر نفسه حيث يقول:” من شاء أن يتنبأ بالأشياء ألإلهية، عليه أن يؤمن بها بقداسة، وأن يفدي بها نفسه كليا”. وعن مدى جرأة الإنسان الجديد في التمرد على الآلهة، ونشير هنا ضمنا إلى فلسفة (نيتشة) القادمة، فإن هولدرلين يرى قائلا:” إن الإنسان والإله، من أجل أن لا يصاب العالم بالنقصان، فعليهما أن يظلا على اتصال، عبر مواصلة تعلق الغائب بالحاضر، والحاضر بالغائب. فهولدرلين هذا الذي كان يسعى فيما يسعى إليه إلى التحرر من كل شيء، من أجل التوحد مع الطبيعة، هو نفسه الذي يقول عنه الناقد الفرنسي (موريس بلانشو)، بأنه من بعد عودته من فرنسا، وقد ازدادت حالته جنونا، فإن شاعريته قد انقلبت رأسا على عقب. وكأن عاصفته الشعرية، قد تحولت إلى هدوء ما بعده هدوء. وكأني به قد أستطاع، من خلال فجوة خفية، النظر إلى الإله.
وختاما نسوق هذا المقطع الشعري من قصائده حيث وقف الشاعر بينه والإله، بين بين، وكلمه بلغة لا أحرف لها:

وإذا كانَ في قُوّة انْدِفاعِه،
كالينابيعِ الخالِصَة،
ذَهَبًا يَجْري سَواقي،
وقد ازْدادَ غَضَبُ السّماء،
ما بينَ فجْوَتَي: النّهار واللّيْل،
أنْ تَتَبَدّى الحَقيقَة،
ولَوْ لِلْمَرّة الوَحيدَة،
في ثُلاثِيَة مَجازِيّة مَكْتوبَة هنا،
وغَير صَريحَة كَعادَتها،
وبريئَة كما يَجِب أنَ تَكون.

ولقد ارتأينا أخيرا، أن نقدم للقارئ الكريم، هذه القصيدة التي قمنا بترجمتها، كنموذج لشعر (هولدرلين)، كيما يتخذ ولو فكرة مبسطة عنه، قبل الشروع في القراءة المعقدة التي خصصها له الفيلسوف (هايدڭر).

نزهة في البادية

تعال إلى (أوفير) يا صَديقي!
ولَو أَنّ هذا اليَومَ ها هُنا،
لَيسَ لنا فيه مِن ضِياء،
إلاّ قَليلاً، ما زالَ يَتَلألأ،
تَحْتَ سَماءٍ تسْجُنُنا!
فَلا ذُرى الغابات،
ولا قِمَم الجِبال،
بالرّغْمِ مِن هَوانا،
قد اسْتَطاعَت أَن تَتَأَلّق،
وبَقِيَ الهَواء بِلا صَوْت.
ها قَد سَقَطَ الظّلام،
مَمَرّاتٌ و أَزِقّةٌ تَنام،
حتى لَكَأَنّي أَكاد أَخال،
بِأَنّ عُصورَ الرّصاصِ قَد عادَت.
ومَعَ ذلِك أَمَلٌ يُسْتَجاب،
لا شَيْءَ يُزَحْزح الإيمانَ الرّصين.
ولِلّحْظة: فَلْيُكَرّس هذا اليَومُ لِلْبَهْجَة!
لِأنّه لَيْسَ سوى مِنْحَة بَخيصَة،
هَذه التي انْتزَعناها مِن السّماء.
ومِثل عَطاءاتِ الأَطْفال،
تلك التي كَثيرا ما حُرموا مِنْها،
مِثْلَها و باقْتِراحاتٍ كَهذِه فَقَط،
لِخُطْواتِنا و آلامِنا،
يُصْبِحُ الرِّبْحُ جَدارَة،
وبلا كَذِب، الرِّضا!
مِن أَجْلِ هذا ما زِلْتُ،
أومِنُ بالأَمَل،
حين نَكونُ قَد خاطَرنا،
بِكُلّ ما لَدَيْنا..
باِلخُطوَة المُعَبّدَةِ بالحُلُم.
و نَكون مِن قَبْل كُلّ هذا،
قَد حَرّرْنا أَلْسِنَتَنا،
و وَجَدْنا الكَلام،
و قَلْبُنا المُبْتَهِج،
حينَ مِن الجَبْهَة الثَّمِلَة،
تَتَجَلّى حَقيقَةٌ أُخْرى،
فَلْيُعَجِّل ازْهِرارُنا إذن،
بازْهِرار السّمَاء!
و لْيكُن مُتَفَتّحًا لِلنّظَر،
مُتَفَتّحا لِلنّور.
لأَنّها لَيْسَت مَسأَلَة نُفوذ،
وإِنّما حَياة.
ورَغَباتُنا: مَرَحٌ ولِياقَة مَعًا،
ومِن الخَطاطيفِ المُخْتارَة،
أَحَدهُما، على الأقل، أو الآخرَ،
ينبئ ودائِمًا وأَبَداً،
بالصّيْفِ في البَوادي.
وكَذلِك مِن أَجْل تَقْديسِ الإِرْتِفاع،
بِكَلام عادِل،
حَيْثُ الماهِر النَّبيه،
قَد شَيّدَ نَزْلاً لِضُيوفِه،
كَيما يَغْمُرُهُم هذا الجَمالُ الأَكْبَر،
بِهذه الرُّؤْيَة الغَنِيّة:
وبِهَوى رَغْبَة العَقْل والقَلْب.
ولَعلّ هذا الإنِفتاح الكامِل،
رَقْصٌ، وَليمَةٌ وأَغاني،
وبَهْجَةُ “شتوتغارت”،
يُتَوِّجُها كُلّها.
ومَمْلوئينَ بِرَغْبَة رَهيبَة،
نُمارِسُ الصّعودَ إلى الهَضَبة،
لَعَلّ ضِياء شَهر مايوه،
هذا السّاهِر عَلَينا،
يَتَلَفّظُ هنالِكَ في الأَعالي،
بِمُقْتَرَحاتٍ أَفْضَل،
لَدى ذاكَ الذي،
يَسْتَنيرُ بِه السّماع.
أو إذا كان يَحْلو لِلآخَرين،
حَسَبَ طُقوس القُدامى،
(لأَنّ الآلِهَة قد اِبْتَسَمَت لنا أَكْثَرَ مِن مَرّة)
فالنّجّار يُعْلِنُ حُكْمَه،
مِن على ذِرْوَة السّطْحِ،
وكُلّ مِنّا حَسَبَ اِسْتطاعَتِه،
يكونُ قد أَدّى قِسْمَتَهُ.

و لَكِنّ المَكانُ يَبدو شَديدَ الجَمال،
حينَ يَتَنَوّر السّهْلُ،
بِأَعْيادِ الرّبيع،
مِن على مَشَارِف “نَكّار”،
أَشْجارُ الصّفْصاف ماشِيَة في اِخْضِرار
والغابَةُ وجُمْهورُ الأَشْجار،
ذات الزّهور البَيْضاء،
تَطفو في مَهْدِ الرّيح،
ومَغْمورَة بِالضّباب،
مِن أعالي الهَضَبة
لأسافِلها،
تَتَفَتّح الكُروم و تَلين،
تَحتَ العطور المُشَمّسَة.


——————————


شاعرية هولدرلين في أفق فلسفة هايدجر:


(هولدرلين وماهية الشعر)



مخطوطة لقصيدة هولدرلين



ترجمتنا لدراسة “هايدكر” “ماهية الشعر”
ويستهلها الفيلسوف بطرح تساؤله حول مفهوم “الشَّعْرَنَة”

لقد اخترنا ماهية، هذا الاشتغال الأكثر براءة من الكل، ومن أجل ماذا؟ ويأتي جوابنا، بأنا اخترناه من أجل بيان ماهية الشعر. ولقد اخترنا من أجل هذا وبالتخصيص الشاعر (هولدرلين). ونطرح السؤال من جديد، لماذا (هولدرلين) بالذات، وليس (هومر)، (سوفوكل)، (ﭬرجيل)، (دانتي)، (شكسبير) أو (ڭوته)؟ أليس يوجد في إنتاج مؤلفات هؤلاء ماهية للشعر، بل وأكثر غنى من تجربة (هولدرلين)، التي توقفت فجأة؟ على كل حال، لقد وقع اختيارنا على هذا الشاعر، عليه وحده، ولا أحد سواه. ونتساءل من جديد هل بالإمكان، تجريد ماهية الشعر العامة، من عمل شاعر واحد؟ ونقصد بالعامة، ما يكون صالحا لعدد كبير من الشعراء، والذي ليس بإمكاننا بلوغه، إلا عن طريق فعل مقارني. ومن أجل هذا يجب أن يعرض علينا، وبشكل مسبق، أكبر عدد من المنوعات الشعرية، تلك التي تتميز نوعيتها بالشاعرية. ويصبح الشاعر (هولدرلين)، في هذه الأثناء، مجرد شاعر كباقي الشعراء. وتجربة (هولدرلين) لوحدها، غير قادرة بأن تكون، النموذج والمعيار الأساسي للشعر. ومشروعنا، والحالة هذه، لا يمكنه إلا ان يشتمل مسبقا، على سبب فشله. سيكون فشلا مؤكدا لا محالة، طالما أننا أصررنا، على تفهم “ماهية الشعر” بما هو موجود، وبشكل مركز، تفهم عام، يشمل ب”لا محدوديته”، كل أنواع الشعر. لكن هذا العام، وهذه “القيمة”، التي تلعب بشكل غير محدد، بالنسبة لكل ما هو خاص، لا يمكنها إلا أن تكون هذا اللاّ تحديد، الذي نفسره بكونه، هذه “الماهية” التي، ليس بإمكانها قط، أن تصبح ذاك الشيء الأساسي، في تصورنا.
وذاك الأساسي “للماهية” الذي ذكرناه، هو بالتحديد ما نبحث عنه. إنه هذا بالذات، الذي يدفعنا إلى اتخاذ قرار، حول الكيفية التي تخول لنا من ناحية، تناول الشعر بشكل جاد ورصين، والنظر من ناحية ثانية، في الفرضيات التي بإمكانها أن لا تبعدنا عن موضوعنا، تاركة إيانا في رحاب الشعر. ولم يقع اختيارنا على (هولدرلين)، لأن إنتاجه الشعري كان يحقق، مثله مثل باقي الإنتاجات الشعرية، الماهية العامة للشعر. وإنما جاء اختيارنا، لأن تجربته وبشكل فريد، كانت تسعى فيما تسعى إليه، إلى تحديد ماهية الشعر، عبر الشعر نفسه، بشكل شاعري صريح. إن (هولدرلين) بالنسبة لنا، وبمعنى يخوله حظوة الامتياز، يعتبر “شاعر الشاعر”. الشيء الذي يجبرنا، على اتخاذ قرار محدد، بهذا الخصوص. لكن أليس مجرد القيام بمحاولة “للشعرنة” فقط، عن الشاعر، هي دليل على تيهنا في تأملاتنا لأنفسنا؟ أليس هذا تعبيرا صريحا عن قدراتنا المحدودة أمام امتلاء العالم؟ أن تمارس شرط “الشعرنة” على الشاعر، أليس في هذه العملية، محاولة لاستنقاذ ما قد تبقى، بل محاولة القبض على نهاية متأخرة؟ إن الجواب عن كل هذا، سوف يأتينا حتما، فيما سيأتي بعد. ومما لا شك فيه، أن الطريق الذي اتخذناه وسيلة للجواب، لم يكن هو الآخر، أقل صعوبة من الباقي. ليس بإمكاننا أن نقوم الآن، مثلما يتطلبه منا هذا الموضوع، بإحاطة شاملة لكل قصائد (هولدرلين)، مفسرين كل قصيدة على حدة. عوضا من كل هذا، فإن اختيارنا قد وقع على خمسة ألفاظ، خمس كلمات مكررة عن ماهية الشعر. والترتيب الذي أدرجنا فيه هذه الألفاظ، بما فيها الاتصالات الداخلية، يمنحنا في هذه الأثناء، القدرة على وضع تحت أعينكم، الماهية الأساسية للشعر.




-1-

المقولة الأولى:



شعرنة:” هذا الاشتغال الأكثر براءة من الكل ”

في رسالة مؤرخة بشهر يناير سنة 1799، والتي كانت موجهة لأمه، يشير (هولدرلين) إلى هذا الاشتغال الذي يتعلق “بالشّعْرَنَة” وكأنه:” الاشتغال الأكثر براءة من الكل”. وكيف يكون الأكثر براءة؟ “unschuldigste” لأن هذه البراءة تكشف لنا عن نفسها، عبر ذاك الحجاب المحتشم للّعب. وبلا انقطاع، تخترع هذه “البراءة” عالم صورها الخاصة بها، وتظل مشربة بها، داخل ذاك الإطار الذي تخيلته. وهذا اللعب، ينسرب تدريجيا من قبضة القرار الجاد، هذا القرار الذي يوظف “schuldig macht” دائما، بطريقة ما أو بأخرى. والاشتغال بفعل “الشّعرنة” يظل في نهاية المطاف، غير ضار. ولكن يبقى في الوقت نفسه غير رصين. لأن هذا يظل مجرد خطاب خالص، أي “فعل قول”. وهذا لا علاقة له بتاتا، بالفعل الذي يعض مباشرة على الواقع ويغيره. إن الشعر أشبه ما يكون بالحلم، إنه ليس واقعا، إنه لعبة أقوال، ولا يمكن أن يعتبر قط، كفعل جاد. والشعر غير ضار، ولا رصانة له. فمن ذا الذي، باستطاعته أن يدعي، أكثر من اللغة الصافية نفسها، بأنه في مأمن من أي سقوط؟
بالفعل، فبالنظر إلى الشعر بكونه مثلا “الاشتغال الأكثر براءة من كل الاهتمامات”، فإننا لن نكون قد توصلنا إلى معرفة ما هي “ماهيته”. ومن جهتنا، فإننا قد وجهنا اهتمامنا، على الأقل، نحو “أين؟” بإمكاننا البحث. إن الشعر يخلق إنتاجاته في إطار اللغة، ويخلقها من “مادة” اللغة. وماذا يقول (هولدرلين) عن اللغة؟ فلنستمع إذن إلى الشاعر في “لفظته” الثانية.

-2-

المقولة الثانية:



“السبب الذي من أجله، منحت اللغة للإنسان …
هذه اللغة الأكثر خطورة: كان من أجل أن يشهد على ما هو…”

في مخطوطة بدائية، والتي يمكن أن نؤرخ لها، بنفس فترة وتاريخ الرسالة، التي ذكرناها سابقا، نقف على مقطع للشاعر حيث يقول:” ولكن الإنسان يسكن الأكواخ ويتدثر بلباس العفاف والطهارة، لأنه كلما ازدادت نفسه حشمة، كلما ازدادت عنايته. وبما أنه يرعى ويصون عقله، مثلما تصون الكاهنة وترعى الشعلة السماوية، فهنا بالذات حيث يكمن دهاؤه. ولهذا بالذات، خولت له حرية التفكير وقوتي: الترتيب والإنجاز، هذا الإنسان الشبيه بالآلهة. واللغة أيضا، هذه التي تمثل المصلحة الأكثر خطورة، قد أعطيت له من أجل فاعليته على الخلق والتدمير والفناء، والعودة الأبدية إلى أحضان العشيقة الحية، والأم الأبدية – ويشهد الشاعر بهذا الخصوص:” بأنه قد ورث من اللغة، وقد تعلم منها، ما هو إلهي فيها، أي ذاك الحب، الذي يحتفظ ببقاء هذا الكون”. إن اللغة كحقل ل” أكثر التداولات براءة” فهي ونقصد اللغة ” التي نعدها، من أكثر الممتلكات خطورة”. فكيف بإمكاننا إذن، والحالة هذه، مصالحة هاتين الفرضيتين المذكورتين؟”. فلنترك هذا المسألة الآن، ولنبدأ بطرح ثلاثة أسئلة مبدئية:

-1- وسؤالنا الأول هو، تساؤلنا عن، ممن اكتسبت اللغة، هذه المنفعة النافعة؟
-2- وسؤالنا الثاني، وهو كيف بإمكان هذه المنفعة الصالحة أن تصبح من أكثر المنافع خطورة؟
-3- وسؤالنا الثالث، وهو كيف بإمكان هذه المنفعة الصالحة أن تصبح بالنسبة لنا، وبشكل عام، ذات قيمة؟

فلنسجل أولا، وقبل كل شيء، ذاك “المقطع”، الذي يرد فيه هذا التساؤل عن اللغة. إنه بالنسبة للقصيدة، في “مخططه الإجمالي”، يشير إلى “عمن هو المخلوق البشري، في مقابل المخلوقات البشرية والطبيعية الأخرى. ولقد ذكرت بهذا الخصوص، أسماء عن الوردة والبجعة والأيّل في أجواء الغابة. وذكرت في السياق نفسه، النباتات بشكل محدد، وكذلك الحيوانات. وهذا لمقطع المذكور، الذي لمحت إليه، يبتدئ بهذه الكلمات التالية:” في تلك الأكواخ، حيث يسكن الإنسان”. فمن يكون هذا الإنسان إذن؟ هل هو هذا الذي يريد أن يشهد عما هو عليه؟ فالشهادة تعني من ناحية، الكشف والإعلان، وهذا، في الوقت نفسه، يعني من جهة أخرى، الجواب “بالإخبار عن” ما هو “مخبر عنه”.إن الإنسان، هو ما هو عليه، وبالتحديد، في شهادته هو، عن واقعه الإنساني الخاص به. ولكن هذه الشهادة، لا تعني هنا، بأن كينونة الإنسان، تأتي هكذا، لتفصح عن نفسها بعد لأي، وبأن هذا التعبير يأتي هو الآخر، لينضاف جاريا عند حدود إنسانه. كلا إنها تسعى فيما تسعى إليه، إلى تكوين الحقيقة الإنسانية، الواقعية، نفسها. ولكن ماذا بموجب الإنسان أن يشهد عليه؟ والجواب، هو انتماؤه إلى الأرض. وهذا الإنتماء، يعني فيما يعنيه، أن الإنسان هو الوارث والمبتدئ لكل شيء. ولكن الأشياء تتواجد في صراع، وما يفصل هذه الأشياء عن بعضها بعض، وما يجمعها في آن، هو ما يسميه (هولدرلين) ب”الألفة الأساسية”. إن شهادة الإنتماء إلى هذه “الألفة الأساسية” تحصل عبر خلق العالم وفجره، ولكن أيضا عبر دماره وغروبه. فمن هذه الشهادة على كينونة الإنسان، وعلى تسويته وتمامه الأصلي، تتولد لديه حرية القرار. وهذه الأخيرة تقبض على ما هو ضروري، وتنخرط في روابط، ذات قرار، آت هذه المرة من الأعلى. أن يكون هذا الكائن هو الشاهد على هذا الإنتماء المعطى وجودا في جملته، هو ذاك ما يحصل فعلا و”يتأرخن” مثل “تاريخ”. ولكن من أجل أن يصبح “التاريخ” شيئا ممكنا، يجب في المقابل، أن تعطى اللغة للإنسان، لأن اللغة هي ملكية الإنسان الخاصة به.
ولكن كيف تكون اللغة “المنفعة الأكثر خطورة؟” إنها خطورة كل المخاطر، لأنها هي أول من يبدأ بخلق، إمكانية خطر ما. إن الخطر، هو تهديد المخلوق، من قبل الوجود. ولكن الإنسان، ليس إلا “بفضيلة اللغة”، حيث يتواجد معرّضا، بشكل عام، لما هو موحى، هذا الذي يحاصره كموجود، ويضرم النيران في حقيقته الإنسانية. وهذا الذي أيضا، باعتباره كلا، موجود من يحتال عليه، ويحرره من الوهم في الوقت نفسه. إن اللغة تخلق أولا، المجال الموحى، حيث كلا، من الخطأ والتهديد، يضغطا بثقلهما على الكائن البشري. وهي أيضا من يخلق إمكانية ضياع الإنسان، ونعني الخطر. ولكن اللغة، ليست خطر الأخطار فقط، لأنها تخفي في نفسها، ومن أجل نفسها حتما، خطرا دائما. ومن مهام اللغة، أن تجعل من الكائن البشري، مخلوقا بالفعل، وضمانه كما هو. وعبر اللغة، كل ما هو، في منتهى الصفاء أو الاضطراب، بإمكانه أن يعبر عن نفسه. بل حتى ما هو مضطرب أو عام. ومن أجل أن يصبح الكلام الأساسي مفهوما، ومن أجل أن يصبح ملكا للعامة، عليه أن يكون، هو أيضا عاما، أو مشتملا على صفة العمومية. ونصادف هذا، في مقطع شعري آخر ل(هولدرلين)، حيث يقول:” كنت تتكلم مع الآلهة، ولكنكم نسيتم جميعا، بأن البشائر لم تكن قط ملكية للإنسان الفاني، وإنما هي ملكية للآلهة. يجب مبدئيا، أن تصبح الثمرة، أكثر فأكثر، ملكا جماعيا، وأن تتخذ طابعا أكثر يومية، حينها فقط، تصبح منفعة للإنسان الفاني.” إن الخاص كما العام، يشكل كليهما، ما حددناه بمعنى “قول”. فالكلام من حيث أنه كلام، لا يقدم نفسه مباشرة قط، بضمانة أنه كلام أساسي، أو بالعكس، فراغ مصوت. وفي المقابل، إن كلاما أساسيا، أحيانا ما يحمل في بساطته صفة، ما هو غير أساسي. ومن جهة أخرى، فإن الذي يمنح نفسه، من خلال مظهره، مظهرا أساسيا، ليس في غالب الأحيان، سوى ثرثرة ووشاية كاذبة. وكأن اللغة، على هذا المنوال، قد حكم عليها، وبصفة أبدية، أن تتلبس بالمظاهر التي تنجبها بنفسها، وأن تورط بهذا الفعل كل ما هو خاص لديها، ونقصد “القول” الأصيل.
وبأي معنى الآن، تصير هذه المنفعة الأكثر خطورة، من كل “المنافع”، مصلحة للإنسان؟ خصوصا وأن اللغة هي ملكيته الخاصة. وللإنسان في هذه اللغة صلاحية استغلال تجاربها، قراراتها، ونبراتها الحنونة. واللغة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، تفيد الفهم. وكأداة معمولة لهذه الوظيفة، فهي بهذا المعنى الآخر، “منفعة”. إلا أننا ننبه، بأن ماهية اللغة، لا تستنفذ كليا، من حيث أنها وسيلة للفهم. وبتحديدنا للغة على هذا الوجه، فأننا نستطيع، حتى الإمساك بماهيتها الخاصة بها. بل إننا لا ندعي إلا زعما، الوقوف على إحدى محصلات هذه الماهية. فاللغة ليست فقط، هذه “الأداة”، التي يمتلكها الإنسان، إلى جانب أدوات أخرى. بل إنها بشكل عام، وقبل كل شيء، ضمانة إمكانية التواجد في وسط كائن بشري، ونقصد كائن مُتَجَلّى. هنا فقط، حيث تتواجد اللغة، يتواجد العالم، أي بما معناه، هذه الدائرة المتغيرة من القرارات، والمبادرات، والأفعال، والمسؤوليات. ولكن أيضا، لما هو اعتباطي، ولاغط، وما هو ساقط وتائه. وهنا فقط، في هذا الذي ذكرناه، ثمة عالم، وثمة تاريخ. إن اللغة كمنفعة بالمعنى الأصيل للكلمة، أن تكون منفعة ضمان لهذا العالم، ولهذا التاريخ، فهذا يعني بأنها تضمن للإنسان، بأن يكون مخلوقا تاريخيا. إن اللغة ليست أداة جاهزة، بل إنها بشكل مضاد، هذا “المؤرخن”، الذي يتوفر بدوره، على الإمكانيات الكبرى، لما يمكن اعتباره، بخاصية الإنسان. إنها ماهية اللغة هذه، اتي يلزمنا مبدئيا، أن نضمنها لنا، من أجل أن ندرك، حقيقة إطار وهالة الفعل الشعري، والقبض على جوهره.
فكيف “تتأرخن اللغة” إذن؟ للجواب على هذا السؤال، لنتأمل مقولة هولدرلين الثالثة.

-3-

المقولة الثالثة:


حين تصبح المنفعة العامة ذات قيمة

إننا نصطدم بهذه المقولة، إبان اضطلاعنا على “مخطوطة”
طويلة ومعقدة، لقصيدة غير مكتملة، والتي تستهل هكذا:
” مُصالِحٌ أنت الذي لم يُؤْمَنْ به قط …”

لقَدْ جَرّبَ الإنسانُ كَثيرا
وسَماواتٍ كَثيرا ما سَمّى
من لَمّا كُنّا حِوارًا
وكانَ باستِطاعَتِنا
أن يَسْمَعَ أَحَدُنا الآخَر.

فلنُخرِج من هذه الأبيات أولا، ما يمكن أن نعتبره كمرجع لدراستنا. ” من لما كنا حوارا.” نحن -البشر- إذن حوارا. وكائن الإنسان، له جذور في اللغة، ولكن هذه الأخيرة، لا تتخذ طابعها التاريخي – الواقعي الأصيل، إلا في الحوار. مع أن الحوار، ليس مجرد طريقة تتحقق بها اللغة، ولكن لا تصبح كذلك، إلا من حيث أنها لغة أساسية. وماذا نفهم ونقصد بهذه اللغة، إن لم تكن عبارة عن منظومة قواعد وكلمات مركبة تركيبا نسقيا، من حيث مظهرها الخارجي. ولكن ماذا يعني “الحوار” بالضبط؟ بطبيعة الحال، إنه فعل الكلام مع بعضنا بعض، حول موضوع ما. فاللغة في هذا السياق إذن، كوسيط يأتي بنا، ويلاقينا مع بعضنا. غير أن هولدرلين من ناحيته، يقول هذا:” من لمّا كنا حوارا” أو “نحن في الحوار، ولم يعد في استطاعتنا سماع بعضنا”. إن سلطة السماع، هي أبعد من أن تكون، مجرد خلاصة لفعل الحوار فيما بيننا، بل هي بالعكس، ما يترتب على هذا الحوار. وسلطة السماع هذه، تتواجد مشيدة على إمكانية الكلام، وبحاجة ضرورية له.
إن قدرة الكلام، وقدرة السماع، تتواجدان معا، منذ البداية الأصلية “إننا حوار”، وهذا يعني:” بأنه بإمكاننا سماع بعضنا بعض. و”نحن حوار” يعني دائما، وفي الوقت نفسه، أننا “حوار”. ووحدة الحوار، تعني فيما تعني، بأن يكون الكلام الأساسي، في كل مرة، كلام يوحى فيه “الواحد” “ومثله”، اللذان، تتوحد حولهما، وتتحقق بهما وحدة الحوار. وهذا التوحد، الذي بسببه نكون “واحدا”، وعلى هذا الغرار، يكون كذلك الأصل المطابق “لأنفسنا”. إن الحوار ووحدته لهما السّنَد ” لواقعنا الإنساني”.
ولكن هولدرلين، لا يقول فقط إننا “للحوار” بل “من لما كنا حوارا”. فثمة حيث لها بقية، وحيث توضع كتمرين لموقف الإنسان من اللغة، وحيث هذا الأخير، لم يكن قد اتخذ له بعد، واقعه التاريخي الأساسي ونعني “الحوار”. فمنذ متى، نحن إذن حوارا؟ فثمة حيث يفترض أن يكون “حوار”، على اللغة الأساسية أن تظل نسبية، بالنسبة ل”الواحد” و “مثله”. وبدون هذه العلاقة، فإن كل حوار “مناظرة” يظل، في هذه الظروف، مستحيلا. لكن “الواحد” و “مثله”، لا يمكن أن يكشف عنهما، إلا على ضوء شيء باق، مستمر، ودائم. بقاء واستمرار، لا يمكن أن يتجليا والحالة هذه، إلا عندما يكون للحضور، استماع ثابت. وهذا لا يحدث، إلا في اللحظة التي يتفتح فيها الزمن، ويتجلى في أبهى صوره. فالإنسان، من لما بدأ بممارسة نزوله، في حاضر الأشياء، التي تفضل بحكم استمراريتها، فإنه منذ هذه اللحظة، بدأ يعرض نفسه لما هو متغير، لما هو آتي، ولما مضى. ولا يفضل من كل هذا، إلا ما هو عرضة للتغير. إن الزمن، هذا الذي “يقطع”، من لما أصبح هو الآخر، مقطعا إلى حاضر وماضي ومستقبل، أصبحت إمكانية التوحد، حول شيء دائم، شيئا ممكنا. فالحوار، بطبيعة الحال، هو من لما كان الزمن “زمنا”. من لما جيء بالزمن إلى الوجود، على شاكلة وجود، وديمومة، قد أصبح بإمكاننا، منذ هذه اللحظة، اعتبار أنفسنا كتاريخيين. أن نكون مرارا، وأن نكون تاريخيا: فهذين الشيئين المتوازيين في القدم، يشكلان وحدة متينة، باعتبارهما شيئا واحدا ومثله. “من لما نحن في حوار”، جرب الإنسان أشياء كثيرة، وسمى آلهة عديدة. من لما صارت اللغة “تتأرخن”، بصفة أصلية كحوار، أصبحت الآلهة تتكلم، وأصبح العالم متجليا. ولكن، مرة أخرى، فإنه من الأهمية بمكان، أن نرى بأن حضور الآلهة، وتجلي العالم، هما حدثين متزامنين، أبعد من أن يكونا، مجرد محصلة لمجيء اللغة. وهنا، في تسمية الآلهة، وفي العالم الذي يتحول إلى لغة، يكمن الحوار الأصلي، الذي يجعل منا، ما نحن عليه.
والآلهة من ناحيتها، ليس بإمكانها أن تحضر في الكلام، إلا إذا هي رغبت في استحضارنا، ووضعنا في حضرتها. والكلام الذي يسمي الآلهة، هو دائما جوابا لهذا الاستحضار. هذا الجواب الذي ينبثق دائما، عن مسؤولية قدر ما. ومن اللحظة التي تتكلم فيها الآلهة عن “واقعنا الإنساني”، انطلاقا من هذه اللحظة بالذات، ندخل في الميدان الذي نعد فيه أنفسنا للآلهة، أو بالعكس، نرفض أنفسنا لها. ومن هنا، يمكننا أن نقيس بكل اقتناع، ما معنى “من لما كنا حوارا”. من لما ساقتنا الآلهة للحوار – ومن لما كان هذا الوقت، كان الزمن، ومنذئذ صار المؤسس لحقيقتنا البشرية، هو الحوار. والأطروحة القائلة بان اللغة تشكل الحدث الأساسي والجوهري للواقع البشري للإنسان، تجد هنا ما يؤكد عليها ويثبتها ويبررها.
ولكن سرعان ما يتبادر لنا سؤال جديد” بأية طريقة يبتدأ هذا الحوار الذي يعنينا نحن؟ ومن ذا الذي إذن، يتمم هذه التسميات للآلهة؟ من ذا إذن، يمسك بشيء يظل، ويستمر بفعل اللغة، داخل هذا الزمن الذي يقطع؟ إن هولدرلين يقول لنا هذا، بتلك البساطة التي يمتلكها الشاعر. فلنستمع إلى مقولته الرابعة.

-4-
المقولة الرابعة:



ما يظل، يؤسسه الشعراء

إن هذه المقولة، التي تشكل الخلاصة لقصيدة “ميموريال” ممكن أن نسوقها على الوجه التالي: “ولكن الشيء الذي يظل، يؤسسه الشعراء”. هذه المقولة تسلط الضوء على سؤالنا المتعلق بماهية الشعر. إن الشعر، هو تشييد بالكلام، وعبر الكلام. وماذا نوعه هذا الذي يؤسَّس، ويُشَيّد؟ وماذا الذي يبقى ويظل؟ أليس هو هذا المتبقي، أي هذا المتواجد في الاستمرارية؟ كلا ! لأنه يجب تحديدا، على الذي يظل في الاستمرارية، أن يساق إلى البقاء والديمومة أمام هذا المد الذي يجرفه. وكذلك على ما هو بسيط، أن ينزع هو الآخر، مما هو معقد. وتفضيل ما له قيمة قياسية، على ما هو ضخم وشاسع. يجب أن يأتي إلى العراء، ما من شأنه، أن يتحمل، وأن يعيد تنظيم الموجود في كليته. يجب أن يعري الإنسان بدوره، من أجل أن يتجلى كيانه داخل الوجود. غير أن الذي يظل، وبشكل محدد، هو ما يمكن ان ننعته ب”الهارب، المتسرب”. وحسب هولدرلين:” هكذا يعتبر -سريعا- وعابرا، كل ما هو سماوي، ولكن كخسارة خالصة، فهذا لا..”. ولكن أن يظل له هذا، هذا الذي استؤمن عليه كقلق وخدمات، أولائك الذين يشتغلون كشعراء. فالشاعر يسمي الآلهة، ويسمي كل الأشياء كما هي. وهذه التسمية، لا تتوقف فقط على “إسم” ما كان عليه الشيء من قبل، ولكن الشاعر، بتكلمه بكلام الأشياء، يجعل من الشيء الموجود، عبر هذه التسمية، مُسمّى على ما هو عليه، فيصبح على هذا النحو، معروفا كموجود. إن الشعر هو تأسيس لإنسان عبر الكلام. والذي يفضل ويظل، لم يكن قط، مخلوقا مما هو مؤقت. والشيء البسيط لا يستخرج من المركب، بهذا الشكل المباشر، وكذلك القياس، فإنه لا يوجد في الشيء الهائل والشاسع. ونحن لا نجد أبدا، هذه الأسس في الأعماق. والإنسان ليس أبدا، الشيء في ذاته، من حيث هو مخلوق. ولكن لأن الإنسان وماهية الأشياء، لا يمكن أن يكونا قط، نتيجة حسابية، ولا أن يكونا قط، تجنيا على موجود معطى. يجب أن يكونا قد خلقا بحرية، وكذلك الأمر في معطيا تهما. وهذا العطاء الحر، هو تأسيس، أي بما معناه، تشييد. وفي الوقت نفسه الذي تسمّى فيه الآلهة بشكل أصيل، وفي الوقت نفسه، الذي تعبر فيه ماهية الأشياء إلى الكلام، كيما تبدأ الأشياء باللمعان، يتهيأ لها أن “تتأورخ” ويصبح بإمكان الحقيقة الإنسانية، أن تنفذ إلى علاقة ثابتة ومتينة القاعدة. ف”مقول” الشاعر، هو تشييد، ليس بمعنى، منحة حرة وحسب، بل في الوقت نفسه، تقعيد وتأمين للواقع الإنساني.
إذا ما نحن استطعنا القبض على ماهية الشعر، هذه التي تجعل من نفسها، الأساس الفعلي لتشييد الإنسان عبر الكلام. وهكذا يمكننا تحسس هذه الحقيقة، التي أعلن عنها هولدرلين، وذلك منذ ان اختطفه ليل الجنون بين أحضانه وتحت وقايته ورعايته


-5-

هذه المقولة الخامسة نجدها في مستهل


هذه القصيدة الخارقة:


يُزْهِرُ بِالزُّرْقَة الباهِيَة
هذا النّاقوسُ ذا السّقَفِ المَعْدِنِيّ.

وهنا يصرح هولدرلين قائلا:

غَنِيٌّ باسْتِحْقاقاتِه،
ولكن وبِالرّغْم من شاعِرِيّتِه،
أَصْبَحَ بإمكانِ الإنْسان،
أن يَسْكُنَ على هذه الأَرْض.

إن ما يسعى إليه هولدرلين، ويقتفي آثاره، ممكن اعتباره كشيء مكتسب لديه بفضل استحقاقاته وجهوده الخاصة. ومع ذلك يقول هولدرلين، مسجلا بشدة هذا التضاد، “وبالرغم من”. وكأنه يقول لنا، بالرغم من كل هذا، فهذا لا يعني “ماهية” سكونه على هذه الأرض، بأنه قد وصل إلى الاستمساك، بعمق الكائن البشري. فهذا التعبير الأخير يدل على عمقه “الشاعري”، ولكن عبر “الاستشعار”. وهذا ما يجعلنا نفهم الآن، بأن التّسمية، هي المؤسس الفعلي للآلهة، وماهية الأشياء. “أن تسكن بصفة شعرية”، هذا يعني، أن تسكن قريبا من الآلهة، وأن تكون عرضة، لتعرض الأشياء لك. أن تكون “شعرنة”، في عمقها، هذا يعني في الوقت نفسه، بأن الحقيقة الإنسانية كواقع بشري، هي في أساسها، هبة وعطاءً، وليست استحقاقا.
والشعر، ليس تجميلا بسيطا، يصاحب الواقع البشري، ولا طموح عابر، بل ليس بتاتا، لا تمرير وقت، ولا حماسة عابرة. إن الشعر، هو الأساس الذي يتحمل التاريخ، ولكن في الوقت نفسه، ليس سوى ظاهرة ثقافية، بل وبتعبير أدق، “التعبير عن روح الثقافة”. فأن يكون واقعنا البشري” شاعريا”، في عمقه، فهذا يعني بأنه لا يمكن أن تكون في نهاية المطاف سوى لعبة لا معادية. ومع ذلك فإن هولدرلين في المقولة التي ذكرناها، والتي اعتبرناها، مجرد تذكير، أليس يشير إلى الشعر، وكأنه الاشتغال، الأكثر براءة، من كل اشتغال آخر؟ فكيف يصبح بإمكاننا، والحالة هذه، أن نربط هذا بماهية الشعر؟ وكيف يتناسق هذا مع الشعر، مثلما نراه الآن في كل استشراقاته؟ وهكذا نعود على السؤال الأول الذي تركناه جانبا. وبجوابنا عليه الآن، سنحاول في الوقت نفسه، تجميع في رؤية داخلية موحدة، كلا من ماهية الشعر والشاعر.
ولقد استخرجنا نتيجة أولية، تتمثل فيما يلي:” إن الميدان الذي يشتغل فيه الشعر، هو اللغة. وماهية الشعر، يجب أن ينظر إليها، عبر ماهية اللغة. ولقد بيّنا بعدئذ، كيف أن الشعر، هو التسمية التي، هي التأسيس للكائن البشري، وماهية لكل الأشياء. بمعنى، ليس مجرد “قول” ما، ولكن القول الذي من خلاله، تتجلى عبره مبدئيا، كل الأشياء، وكل ما نتناوله بالمناظرة في لغتنا اليومية. وفي المقابل، فإن الشعر، لا يتلقى اللغة أبدا، كمادة مسبقة للاشتغال، ولكن بالعكس، فإن الشعر، هو الذي يبدأ، بجعل اللغة ممكنة. إن الشعر هو لغة الشعوب البدائية. فيجب إذن عكسيا، أن تكون ماهية اللغة، متضمنة ومفهومة، من قبل ماهية الشعر.
إن أساس الواقع البشري، هو الحوار، الشيء الذي يعطي للغة، خصوصية واقعها التاريخي. ولكن اللغة البدائية، هي الشعر، من حيث أنه تشييد للإنسان، بينما تظل اللغة، من “أخطر المصالح”. فالشعر إذن، هو العمل الأكثر خطورة، وفي الوقت نفسه، “الأكثر براءة، من كل اشتغال”. بطبيعة الحال، ليس ثمة من شروط، سوى شرط واحد، من أجل تصور وإدراك، الماهية الكلية للشعر، ألا وهو نجاحنا في احتضان دفعة واحدة، ومعا، هذين التحديدين.
ولكن في الحقيقة، هل يمكن اعتبار الشعر، كونه العمل الأكثر خطورة؟ في إحدى الرسائل التي بعثها إلى أحد أصدقائه، وذلك مباشرة، قبل رحيله الأخير إلى فرنسا، كتب هولدرلين هذا:” آه يا صديقي ! ها هو ذا العالم، أمامي هنا، أكثر صفاءً من كل ما مضى، وأكثر ثقلا ! إنني مسرور، بكل هذا الذي يحدث. إنني مسرور، مثله في فصل الصيف، حين ينفض الأب العتيق والمقدس، بيد هادئة، ومن خلال السحب المحمرة، البروق التي تباركنا. لأني من كل ما رأيته منه إلهي، هذه العلامة، التي أصبحت من علاماتي المصطفاة. من قبل، في ماضي الزمان، كان بإمكاني، أن أنفرج بالابتهاج، لدى تلقي لحقيقة جديدة، من أجل رؤيا أفضل، لما هو فوقنا ويحيط بنا. ولكني الآن، قد عدلت من أمري، حتى لا يحدث لي، مثلما حدث ل”التنطال العجوز”، الذي تلقى من الآلهة، أكثر مما يتحمل استساغته، أو هضمه”.
إن الشاعر معرض لصواعق الإله. الشيء الذي تتحدث عنه هذه القصيدة، التي علينا باعتبارها، كأخلص وأطهر شعر، لماهية الشعر، والتي تستهل هكذا:

وكَأَيّامِ العيدِ حينَ،
صَباحًا يَخْرُجُ الفَلاّح،
لِرُؤيَة البادِيَة …

وهنا، في هذه المقطوعة الأخيرة، حيث يقال:

ومَعَ ذلكَ إنّهُ يليقُ بنا،
تَحتَ عَواصِفِ الإله،
أَنْتُم الشُّعَراء،
أن تَظَلّوا وُقوفًا،
عُراةَ الرّأْس.
ومن يَدِنا الخاصّة بِنا،
القبضُ على بَرْقِ الأب،
الأب نَفسه هو،
ومَدُّه إلى الشّعْب،
هذا العَطاء السّماوي،
مَلْفوفًا في نَشيد.

وبعد مرور سنة، في حين كان هولدرلين قد أصيب بالجنون، عاد عند أمه وكتب من جديد، للصديق نفسه، مستوحيا من ذكريات يومياته الفرنسية: ” إن العنصر العنيف، نار السماء وصمت الناس، ومعيشتهم في الطبيعة، وحدودهم، وقناعاتهم، كل هذا قد حاصرني بلا انقطاع، ومثلما يطيب لنا أن نكرر قائلين “إنهم أبطال”، يطيب لي أنا أيضا أن أقول بأن “أبولون” قد صعقني”. إن هذا الوضوح المدهش قد رمى بالشاعر في الظلمات. فهل من ضرورة لسياق تصريحات أخرى، للشهادة على هذا الخطر الأكبر “لاهتماماته”؟ إن القدر الذي كان قدره بكل شدته، يخبرنا بكل شيء. وهذه الكلمة التي نجدها في “إمبدوكل” هولدرلين، تطلع علينا وترن في مسامعنا كبشرى:
… يَجِبُ عليه
الرّحيلَ في وَقْتِه، ذاكَ الذي تَكَلّمَ الرّوحُ باسْمِه.
ومع ذلك: إن الشعر يفضل ” الأكثر براءة من كل الإهتمامات”. هذا ما كتبه “هولدرلين” في رسالته. ولم تكن الجدوى من هذا ان يطمئن أمه، بل لأنه كان يعلم بأن هذا الجانب الخارجي الغير مؤذي ينتمي إلى ماهية الشعر، تماما كما ينتمي السهل إلى الجبل. ومن ثم، كيف بإمكان هذا الصنف، الأكثر خطورة من كل الأصناف الأدبية، أن يوظف فعاليته ويحتفظ لنفسه باهتماماته في آن، لو لم يكن الشاعر “مرميا به خارج العادة اليومية ومصانا من هذا الإعتياد بالمظهر اللا مؤذي، الذي تمثله اهتماماته، قادرا على ذلك” ( إمبدوكل، III، 191 ).
إن للشعر طابع اللعب ومع ذلك فهو ليس بذلك. إن اللعب من شأنه أن يجمع الناس من حوله، ولكن بطريقة تجعل كل واحد من هؤلاء يتناسى نفسه بشكل خاص. أما فيما يتعلق بالشعر، فإن الإنسان بالعكس، يجد نفسه مركزا على عمق حقيقته البشرية. ومن هنا يصبح بإمكانه بلوغ الطمأنينة، ولكن، إذا صح القول، ليس إلى الطمأنينة الوهمية للفكر الفارغ واللّا مُجدي. ولكن لهذه الطمأنينة اللّا متناهية التي تجد فيها حيوية كل الطاقات والعلاقات. ( رسالة هولدرلين لأخيه 1. I. 1799).
إن الشعر يوقظ تجلي اللّامعقول والحلم في مقابل واقع صاخب وملموس نعتقد فيه بأننا عندنا. ومع ذلك فإن عكس كل هذا ما يقوله الشاعر وما يعتبره واقعه. وهذا ما تعترف به “بانطييا” ” إمبدوكل” في رؤيتها الشفافة:

…أن يكونَ نَفْسه، هو هذا
الحياةُ ونحنُ، لَسنا سوى حُلُمًا

على هذا النحو، يبدو بأن ماهية الشعر تترنح في التجلي الخاص لمظهره الخارجي، ومع ذلك فإنها تفضل صلبة وثابتة. أي أن تكون الماهية حجر الأساس، فهذا يعني: موقف قاعدة متماسكة وثابتة.
بطبيعة الحال، إن كل أساس يظل منحة حرة، وهولدرلين من جهته قد تناهت لمسمعه هذه المقولة:” فلتكونوا أحرارا، أنتم الشعراء، مثل الخطاطيف”. ولكن هذه الحرية لا تعني اختيارا تعسفيا لا قيود له ولا رغبة عابرة، بل إنها تعني الضرورة العليا.
إن الشعر باعتباره كأساس للذات يصبح بهذا المعنى ذا رباطين. وليس إلا بالنظر إلى هذا القانون الذاتي الخاص به، حيث يصبح بإمكاننا الإمساك وبصفة مطلقة، بماهيته.
“فالشعرنة” إذن وبهذا المعنى، هي التسمية البدئية للآلهة. ولكن الكلمة “المشعرنة” لا تمتلك قوتها الإسمية إلا إذا كانت الآلهة نفسها هي من تدفع بنا للكلام. وكيف تتكلم الآلهة؟

…والعَلاماتُ هي
مُنذُ أَبعادِ الزّمَنِ، لُغَةً لِلآلِهَة.

إن “مقول” الشاعر، هو في اعتباره، يتمثل في أن يفاجئ هذه العلامات من أجل ان يحولها بدوره إلى علامة لبني جنسه. إن هذه المفاجأة للعلامات هي تَلقّي، بل وفي الوقت نفسه منحة جديدة، لأن الشاعر في “العلامة الأولى” يدرك بوضوح ما هو تام، ثم يضع ما ارتآه، في كلامه بجسارة، من أجل التنبؤ بما لم يتم بعد.

…إنّ الروحَ الجَريء يَتّخِذُ طَيرانَهُ مِثلَ نَسْر
نَحوَ العَواصِفِ مُتَنَبّأ
وماشِيًا قُدّامَ هذه الآلهةَ القادِمَة فيما بَعْد.

إن أساس “الأنا” مرتبط بعلامات الآلهة. والكلام الشعري، ليس في الوقت نفسه، سوى ترجمة “لأصوات الشعب” التي يسميها بالخرافات. هذه الأصوات التي يسميها هولدرلين “بالإملاءات” هي التي يضع فيها شعب ما، انتماء ذاكرته للوجود برمته. وهذه الأصوات أحيانا ما تصمت وتنمحي من تلقاء نفسها. إنها بصفة عامة، غير قادرة على أن تقول من تلقاء نفسها ما هو أصيل، بل هي في حاجة إلى من يترجمها. ولنا بهذا الشأن نص أصيل لقصيدة “أصوات الشعب” التي حررت مرتين بطريقة مختلفة ومع ذلك جات كل منهما مكملة للأخرى، وهذا بالرغم من اختلاف القافية في كلتا هما. وهذا ملخص التحرير الأول:

ولأَنّها وَرٍعَة، مِن أَجلِ حُبّ ما هو سَماوي
أَعْبُدُ صَوتَ الشّعبِ، الصّوتَ المُريح.
ومَع ذلكَ، من أَجْلِ حُبِّ الآلِهةَ والبَشَر
إنّ هذا الصّوت لا يُجامِلُ نَفْسَه قَطّ في اسْتِراحَته.

وهذا ملخص التحرير الثاني لنفس القصيدة:

…وبالتّأكيد
طَيِّبَةٌ هي الخُرافاتُ، لأَنّها نُصُبٌ تِذْكاري
لَهُ تَعالى، ومع ذلكَ ثَمّة حاجَةٌ
لِمَنْ هو أَعلى، لِتَرْجَمَة الخُرافاتِ المُقَدّسَة.

هكذا إذن، تتواجد ماهية الشعر مبثوثة في قوانين ترجع قواها إلى حركتي الإتلاف والإختلاف، هذه التي تقنن علامات الآلهة كما صوت الشعب. أما فيما يخص الشاعر، فإنه يظل عالقا بين الحركتين: بين تلك التي تتعلق بالآلهة وهذه التي تتعلق بالشعب. وهو بهذه المناسبة من ننعته ب”المرمي به خارجا” أي المرمي به بين هذين الطرفين: بين الآلهة والبشر. وهكذا يتحدد وبالدرجة الأولى، بين هذين الطرفين، من هو الإنسان وأين تكمن حقيقته البشرية. وكما ورد على لسان هولدرلين: ” … ولأن الإنسان لا يقيم على هذه الأرض إلا بصفة شاعرية”.
وفي هذا السياق الشاعري، وبلا انقطاع، وبضمانة وبساطة دائمة النمو، نجد الشاعر هولدرلين غارفا كلام “شعرنته”، من كنز زاخم بالصور، في هذه المنطقة المتوسطة بين الطرفين المذكورين. وهذه “الشعرنة” بالذات، هي من تضطرنا أن ننعته بشاعر الشاعر.
ولنعتبر أيضا ولغاية الآن فصاعدا، بأن الشاعر هولدرلين، هو ذاك من يظل أسير تأملاته الخاصة به. أسير انبهار مرغم وفارغ يتمرى في نفسه، لأنه ربما قد يكون مكبوتا بهذا الملأ العالمي؟. ( الكلام يعود فيما يتعلق بيتمرى وما بعده، بالإنبهار). أفلا ندرك بالعكس، بأن الفكر “الشّعْرني” لهذا الشاعر يندرج تحت دفعات طافحة تسوقه لغاية أسس وقلب الكائن البشري؟ وتلك المقولة التي ينطق بها هولدرلين بخصوص “أوديب” من قصيدته الأخيرة ” وبالأزرق اللطيف يورق … ” تنطبق عليه هو، في الواقع.:

ولِلْمَلِك “أوديب” رُبّما
لَهُ عَيْنٌ زائِدَة.

إن هولدرلين قد “شعرن” ماهية الشعر، ولكن ليس في اتجاه مفهوم قد يتخذ له قيمة لازمنية. إن ماهية الشعر هذه، تنتمي عنده إلى زمن محدد. وليس لأن هذه الماهية تتطابق مع هذا الزمن كما كان من قبلها، ولكن بتأسيس هولدرلين لها من جديد، يكون قد بدأ فعلا بتحديد زمن جديد لها. إنه زمن الآلهة المطمور وزمن الإله القادم. إنه زمن الشدة والضيق، لأن هذا الزمن موسوم بنفي مزدوج، وبنقصان مزدوج: نفي ” لن … قط ” للآلهة المطمورة، ونقصان ” ليس بعد ” للإله القادم.
إن ماهية الشعر، تلك التي يؤسسها هولدرلين، تاريخية لأقصى درجة، لأنها تستبق مبشرة بزمن تاريخي. ولكنها، باعتبارها كماهية تاريخية، تفضل الماهية الرئيسية الوحيدة.
زمن الشدة، هذا ما يفسر الغناء الأقصى الذي بلغه شاعرنا. غناء حاول شاعرنا من خلاله أن ينفذ إلى أفكار أولئك الذين كانوا وللذي هو قادم، مستريحا كالنائم في هذا الخلاء الظاهر. ولكنه يتماسك بشدة في هذا “العدم” الليلي. يتماسك ثابتا في نفسه كمثل أعلى للمعزول الذي ينفرد بقدره الخاص به. ويدون بعمله في هذه الأثناء، الحقيقة لشعبه. الحقيقة التي تمثل هذا الأخير في عمله. وهذا بالذات ما يعلنه المقطع السابع من قصيدته “إليجي” “خبز وخمر”:

ولكِن يا صديقي ! إنّنا نَقْدِمُ بَعدَ فَواتِ الأَوان. بِالطّبع إنّ الآلِهةَ تَعيش
ولكنْ مِن فَوْقِ رُؤوسِنا، في عالَمٍ آخَر.
وهي تُؤَثّرُ عَلينا بدونِ انقِطاع، وتَبدو وكَأَنّها غَير مُكْتَرِثَة.
كَأَنْ نَعيشَ بِالفِعْل، طالَما تَتلَطّفُ بِنا هذه السّماوات،
لأنّ مِزْهَرِيّة هَشّة لَيسَ بِإمْكانِها أنْ تَحْتَويها كُلّها.
ولكن لَيسَ إلا في أَوْقاتٍ مَحْدودَة، يَتَحَمّل فيها الإنسانُ المَلأَ الإلهي
حُلُمًا بهذه الأَوْقات، هي ذي الحَياةُ إذن. ولكنّ الخَطَأ،
ومِثلَما هي الغَفْوَةُ مُعاوَنَة، إنّها الشّدّةُ واللّيْلُ مَن يَمْنَحاها القُوّة
لغايَة ما أبْطالٌ نَشأوا في مَهْدِ البُرُنْز،
يكونوا قُلوبًا، مِثلما في الماضي السّحيق، أَشْباهًا بالقُوّة للسّماوِيّين.
وعلى وَقْعِ الرّعودِ يَتَمَكّنون من ذلكَ. وبانتِظار، كَثيرًا ما يَبدو لي
بأنّ النّومَ هو خَيْرٌ لي منَ البقاءِ هكذا بِلا صاحِب.
وأنْ أَحْتَفِظ هكذا. وما العمل في الإنتظار وما القَوْل؟
لَستُ أَدري، ولا لماذا الشُّعَراء في زَمَنِ الشّدّة؟
ولكنهم، قَد تَقول، مِثلَ رُهْبانِ ديونيسوس المُقَدّسين
يَهيمون على أَوْجُهِهِم، مِن بَلدٍ لآخَرَ، في اللّيْلَة المُقَدّسَة.



 كلمة حول هذه الترجمة: هذه الدراسة – ونقصد نص الفيلسوف هايدڭر- التي قمنا بنقلها إلى اللغة العربية، أو بالأحرى، إعادة صياغتها، ما أمكننا ذلك، قد وردت بقلم (هايدڭر) تحت عنوان “هولدرلين وماهية الشعر” في الجزئ الأخير من مؤلفه “ما هي الميتافزيقا؟” وهي دراسة في غاية الأهمية والتعقيد اللغوي، الشيء الذي جعلنا نستحضر، تلك المقولة التي صدرت عن الكاتب (بورخيس) بخصوص (هايدڭر)، حيث قال عنه، بأنه بالرغم من عبقريته الفكرية، فإنه قد أفسد اللغة الألمانية بأسلوبه المعقد. ومن جهتنا، لقد حاولنا أن نخرج هذه الترجمة، في صياغة سليمة وشفافة، بالرغم من المشقات الكبرى التي لاقيناها وعانينا منها.

– لقد وضعنا من أجل ضبط دقة اللفظ للأحرف اللاتينية، مقابل لها في اللغة العربية،ويتعلق الاصطلاح بثلاثة أحرف: ( ڭ = g / ﭬ = v / ﭖ = p)

– مصطلح “شَعْرَنَة أو الشّعرنة” وضعناه كترجمة، للمصطلح الذي اقترحه الكاتب « dichtung/dichten »والذي يعني، بالإضافة إلى تأليف وتركيب الأبيات الشعرية، معنى “أنطولوجي / وجودي ” أي المتعلق بالوجود من حيث هو موجود، وبالخلق والإبداع.

المصادر والمراجع

• [PDF]
« Qu’est-ce que la métaphysique ? »
www.pileface.com/sollers/IMG/pdf/heidegger_metaphysique.pdfPages similaires
Format de fichier: PDF/Adobe Acrobat – Afficher
de M Heidegger – Cité 29 fois – Autres articles
Qu’est-ce que la métaphysique ? » Martin Heidegger. Conférence de 1929. « Qu’est-ce que la métaphysique ? » — La question donne à penser qu’on va parler …

Martin HEIDEGGER, Qu’est-ce que la métaphysique ? Traduit de l’allemand avec avant-propos et notes par H. CORBIN. Un vol. 19×12 de 254 pp. Paris …

1-Friedrich Hölderlin – Wikipédia
Aller à Hölderlin et Heidegger‎: Les essais d’Heidegger sur Hölderlin (1936) sont traduits dans Existence et Étant par W. Brock (1949).

-2-HEIDEGGER ET LES POÈTES
De la poésie de Hölderlin à celle de Paul Celan et René Char, Heidegger n´a cessé de rencontrer les poètes et d´articuler sa propre réflexion philosophique

-3-Livre : Heidegger et Hölderlin., Le Quadriparti. Jean-François …
Découvrez Heidegger et Hölderlin. Le Quadriparti, le livre de Jean-François Mattéi. 9782130501138. Heidegger a voulu ranimer la question du sens de l’être …
]

-1- هايدغر واللغة التي تتكلم من خلال الإنسان
ما هو متفق عليه اليوم، أن فلسفة الألماني مارتن هايدغر تستجلب يوما بعد …. الشعر من خلال الشعراء، وركز فكره على شاعرين هما ريلكه وهولدرلين. …


-2- من شعر هولدرلين (1770-1843)..الوطن..ترجمة
14 آذار (مارس) 2006 … أيّها الشّعراءُ ، أيقِظوهـمْ أيضاً من النَّوم ،إنّهم لا يزالون نياماً الآن ، أعطـُوا القـوانينَ ، أعطونا الحياةَ ، أعلنوا

-3- هولدرلين.. الغريب في عصره]
متى اكتشف الفرنسيون هولدرلين؟، سؤال مطروح بشكل سيئ، كان ينبغي أن نتساءل أولا: متى اكتشف الألمان هولدرلين؟، ففي أرضه وموطنه ظل هولدرلين مجهولا حتى بدايات …


-4- هولدرلين والمانيفست الأول للفلسفة المثالية الألمانية – هاشم صالح]
كانوا يدعون هيغل، هولدرلين، شيلنغ. وكانوا يشعرون بأن كلية اللاهوت المسيحي عبارة عن سجن أو قبر، فهي تدرّس المواد بطريقة عتيقة، بالية، عفى عليها الزمن. …


* شاعر وناقد من المغرب يعيش في بروكسيل








شاهد أيضاً

الاضطهاد الديني يحاصر المبدعين العرب

*خلود الفلاح في ليبيا اتهم خطيب جامع من على المنبر الكاتب وعازف العود الليبي خليل …

2 تعليقان

  1. نشكر الكاتب على هذا الموضوع الشيق الذي جمع بين شاعر الشعراء وفيلسوف الفلاسفة في آن واحد ورغم عدم إطلاعي الجيد على حيثيات وخلفيات اللغة الألمانية وأسفي لجهلي بمقوماتها وأسسها إلا أنني استطعت إدراك ضعف كان ضروريا وحتميا بالنسبة لنقل الفكرة إلى اللغة العربية التي هي أصلا ضعيفة وغير قادرة على استيعاب أمهات الأفكار للغات القوية والكبرى كاللغة الآرية وهناك أيضا ضعف واضح في ترجمة أشعار هولدرلن وارتباك في نقل المعنى . فقد سبق لي أن قرأت ترجمة مختلفة كانت أقرب ربما إلى المعنى الصحيح للشاعر منه مما قرأته في هذا الموضوع . ولا زلت أتذكر الترجمة التي أراها صحيحة وهي لمترجم آخر ربما كان عبد الرحمان بدوي وهي كالتالي /

    لقد خبر الإنسان الكثير من الأمور
    ومن السماويات
    منذ أن كنا حوارا
    واستطاع بعضنا أن يسمع
    من البعض الآخر .

    وكذلك هذه الفقرة الرائعة /

    ماذا يفيذ الشعر في الزمن الحقير
    لكأنما الشعراء كهان لباخوس العظيم
    يتنقلون من البلاد إلى البلاد
    خلال ليل أقدس .

    إنها مجرد ملاحظة وهي قابلة للخطأ لكن هذا رأيي . وأشكر الكاتب على مجهوده الجبار .

  2. لا أدري ياوطني كيف أتركك الآن
    وحيدا بلا نجوم تنوب عني
    في صلاة ليس لها إله

    عدت إليك من غربتي
    فقط لأموت بين أحضانك بعينين
    ليس لها دموع
    وما أن خاطبني الموت
    واستدعائي للحضور
    حتى وجدتني أشعر برغبة الفرار
    منك
    لألقى حلم الموت بعيدا عنك في الهضاب
    المتلئلئة
    ولأتشدق بالحكمة الوحيدة التي لدي
    فقط لأقول لك فقط
    لن تنال عظامي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *