الرئيسية / إضاءات / حوار مع يمنى عيد حول كتابها ” أرق الروح “

حوار مع يمنى عيد حول كتابها ” أرق الروح “



سارة ضاهر

” أرق الروح”، كتاب يمنى العيد، الصادر حديثاً عن “دار الآداب”، سيرة ذاتية “تخون” فيه الكاتبة ذاكرتها، وتبوح بكل ما انطوت عليه مراحل حياتها السابقة في الطفولة والمراهقة من معاناة، بأسلوب سلِس ومحبّب.

لا تحضر الناقدة بشكل واضح في هذا الكتاب، بل تمزج بين الواقع السردي والمتخيّل الفني، من حيث إعادة صوغ الحدث والواقع بأحاسيس طفلة عابثة. فبالإضافة إلى تسجيل تاريخي للثورة ضدّ الانتداب الفرنسي، كما لدخول الانكليز، وملامح صيدا القديمة، زواريبها، وشخصياتها، تصوّر الكثير من المعالم ممزوجة بمشاعر عاشتها، ورسخت ببالها.
“وُلدتُ مقنّعة، يلفّ وجهي الغشاء الذي تكوّنت ونَمَوت فيه داخل رحم أمي!”. اختارت اسم حكمت الذي يوهِم قارئه بأنه اسم رجل، وتحدثت عن موت أمين الذي شكّل اختفاؤه صدمة في نفسها، فراحت تجول في المابعد الزماني والمكاني، محاولة فكّ رموزه وكشف جوانب من أسراره. تروي قصّة حمام السوق، ثم شخصيّة وليّة، والتداخل بينها وبين شخصيّة الوالدة، وانتحار الجدة. يستمتع القارئ بأسلوب أدبي مليء بالصور الجميلة، وبمناجاة الذات ومساءلتها، وبالمشهديّة السينمائية، كتصوير يوم دفن أمين، الأعمى وعصاه، البئر، عطر الياسمين، حيّ رجال الأربعين، دخول السوريين إلى صيدا، والجامعة في بيروت. من أجملها صورة بساتين الليمون: “نأسى ونحن نرى الأشجار تغادرنا وتمضي، ولا ندري أنّنا نحن الذين كنا نغادرها ونمضي…”. تقابلها صورة وقوع الكاتبة يوم الاستقلال: “أمدّ يدي أحاول أن أمسك بسيقان البناطلين الراكضة… هذه المرّة لم أكن في عربة، لم أكن أنا التي تركض بي العربة وأتوهّم أنّ ما أراه على جانبَي الطريق هو الذي يركض… بل كان ما أراه، وأنا ساكنة فوق إسفلت الساحة، هو الذي يركض”.



يطغى التشويق، ويبتعد الكتاب عن مجرّد سرد المذكرات وتدوين المعلومات، ليمتلك قوّة حقيقيّة تحوّل الذهنيّة إلى مشهديّة، وتؤسّس لذاكرة متينة ينتصر فيها الزمان على الأمكنة.
يحمل العنوان الذي تختاره الكاتبة لسيرتها، ظاهراً روحيّاً بحتاً، في حين ينطوي على الكثير من الأرق الحقيقي، الذي عاشته طفلة أصيبت برصاص الانتداب الفرنسي، خلال تظاهرة للاستقلال، إلى إصرارها على متابعة تعليمها، وإدارتها لثانوية صيدا، وسفرها إلى فرنسا.
تبدأ الحكاية بكلمتين “مَن أنا؟” لتقرأ الكاتبة نفسها، بل ذكرياتها التي لا تزال تحيا بداخلها، بأسلوب روائي، يستند إلى واقع، لكنها تعيد صوغ الحدث. تستحضر أسئلة : مَن، كيف، ماذا، ولماذا، تلك الأسئلة التي أرّقت روحها زمناً، فقصدناها، وكان لنا معها هذا الحوار.



¶ تبدئين بـ “مَن أنا؟”، لماذا؟



– كنت أبحث عن معنى لذاتي التي افتقدتها باكراً. لم تكن لي طفولة تتدرّب وتتدرّج على امتلاك ذاتها. كنت أعيش طفولتي في صورة مَن يموتون حولي، وفي حُجب غلّفتني باكراً. الموت الذي أخذ الحياة. الموت الذي عنى لي الغياب. الموت هو المنفى.



¶ هل هذا هو سبب “أرق الروح” بداخلك؟


– الأرق لأنني كنت أودّ أن أبدع حياةً لي. ليس السفر ولا الدكتوراه، ولا الحبّ، ولا الزواج والأولاد سوى شكل من أشكال إبداع الحياة، مدهش وجميل أودّ أن أعيشه. غير أنّ رغبة الكتابة هي ما بقي يُهوّم داخلي ويُقلِق روحي. الكتابة هي حياة ترنو إلى المجهول. والمجهول يوهم بالحياة. الوهم “انتصار” على الموت.



¶ هل ارتاحت روحك الآن؟



– كلا، ليس بعد. هناك صور لا تزال تستقرّ في ذاكرتي؛ عشرات السنين وهي قابعة هناك. تراودني. تراود كلاماً يغفو ويستيقظ. صور تشبه ما نراه في مناماتنا. ننسى المنامات وهي تعاودني فأراها تشبه ما حدث. يخاف الكلام قول ما حدث فيلوذ بالصمت. غير أنّ الصور المستقرّة في الذاكرة تؤجّج الصمت. والصمت يتجمّر. يؤرّقني. يحرقني. يحرقني جمر الصمت مثل تلك الرصاصات. مثل تلك الثقوب في قدميّ الصغيرتين. ثقوب يتفجّر منها دم غزير له لسعة الجمر على البدن ولونه في العينين الغاربتين.


¶ إلى أي مدى لا تزالين تتذكّرين تلك الحادثة التي تعرّضت لها، في سنّ الثامنة، برصاص الانتداب الفرنسي، أثناء تظاهرة الاستقلال؟



– ثمّة ما لا نستطيع نسيانه. ثمّة براءة لا ندري متى نستيقظ على مرارتها وندرك أنّها راكدة هنا، داخلنا، في نسغ جسدنا، في خلايا جسدنا، وأنّ كلّ ما نستطيعه ليس تغييرها، بل العمل كي لا تتكرّر الحكاية، حكاية الدم النازف من جسد الأطفال. لكن الحكاية لا تزال تتكرّر، في دم الأطفال اللبنانيين، السوريين، الفلسطينيين… ولم يعطف الراوي ويضع خاتمة لحكايته المرعِبة.



¶ كانت لك مواقف وطنيّة وجريئة عندما كنت مديرة ثانوية صيدا. ألا يزال مفهوم “المدرسة الوطنية” قائماً؟



– هدفي في التغيير الاجتماعي لم يكن ينحصر في الثانويّة وإن كان قد انطلق منها. كنتُ أدرك أنّ المدرسة هي العامل الأساسي في التغيير الاجتماعي، وأنّ التعليم الرسمي – الوطني بإمكانه أن ينتج وعياً يجمع على حدّ الهويّة الوطنيّة ولا يفرّق على حدّ الانتماء الطائفي. ربّما لهذا حرصت المؤسّسات الدينيّة على أن تكون لها مدارسها الخاصّة، وطالبت الدولة، يومها، بدعم مدارسها المجانيّة ماديّاً، معارضةً، بذلك أن تحلّ الدولة محلّها. وربّما لهذا تناسل عدد المدارس الخاصّة أثناء الحرب الأهلية، وصارت الجامعة اللبنانيّة جامعات تتحدّد أمكنتها وفق الانتماءات الطائفيّة لطلابها، ما جعل غالبيّة المؤسّسات التربويّة في لبنان أمكنةً لإعداد أتباع الطوائف. يبدأ هذا الإعداد من دور الحضانة ويشمل ثقافة السلوك الاجتماعي، الأخلاقي والديني والسياسي. ويركّز، بشكل أساسي، على ما هو خاصّ بالطائفة هذه أو تلك، وليس على القيم الإنسانيّة المشتركة بين الأديان، أو على معاني الإيمان العميقة وتنوّع طرائق فهمها واختلاف الفرائض والسنن في أدائها. عملت على تحييد الثانوية عن السياسة الحزبية أو الطائفيّة. رفضت كل ما يوقظ هذا الانتماء ويُفضي إلى العصبيّة والتفرقة. فقد كان جميلاً أن تلتقي التلميذات في الاختلاف. وكان ضروريّاً أن تُعَدّ التلميذات للوطن لا للطوائف.



¶ توجّهت إلى المكان كثيراً في سيرتك الذاتية. تارةً وجدت نفسك، وطوراً تهتِ فيه، وخصوصاً بعدما هدموا الحارة، حيث منزل العائلة في صيدا. كيف تعود بك الذاكرة إلى ذلك المكان الأول؟



– ترتجّ ذاكرتي كأنّ زلزال الزمان أصابها. أين أنا، أتساءل. وفي أيّ اتجاه عليّ أن أسير؟ كنت أشعر أنّه لم يعد بإمكاني أن أعود إلى الوراء. إلى معلَم يعود بي من حيث أتيت. إلى خارج هذه المدينة. إلى خارج متاهاتها. وقتذاك، كنت أفكّر بدكّان أبي الذي مررت به منذ قليل. ولكن! لقد مات أبي، أقول. وأجد نفسي أردّد : مَن يرشدني إلى طريقي؟ إلى طريق خارج زمنٍ مضى، وخارج مدينة هي متاهتي. كنت أشعر أنّ المتاهة تقودني، أمشي وصورة أبي تتأرجح في مخيّلتي. أكاد أسمع صوته يناديني. يعود بي إليه، إلى زمن لا يزال يحفر في قلبي.



¶ المكان مرتبط بوالدك، والوالد ارتبط بالذكورة، وبتلك العلاقة الغامضة بين الأب والابنة إذا جاز التعبير. هل يعود السبب إلى مفهوم سلطة الأب وسطوته؟



– نعم. فالرجولة كما عاينتها، هي رجولة لا تطلُب. تأمُر أو تُعطى قبل أن تطلب ويكون فعل الأمر مضمراً، نهابه، نخافه، نحن الإناث، ونبقى نعطي بلا حساب ومن دون أن نُسأل.


¶¶¶

تقفل يمنى العيد هذا الجزء من حكايتها، ومن ذاكرتها، لتودّع الزمان والمكان والأب الذي مات، والمدينة القديمة، والبيت القديم. تودّع الاسم الذي اخترعته لنفسها: حكمت. وتودّع كلّ ما شكّل ذاكرة لهذه الطفولة التي أرّقتها. لكنها تعود إليها بالكتابة، فتقول: “سأفتح النوافذ وأكتب في ضوء نورها”.


 


( النهار البيروتية ) 

شاهد أيضاً

الاضطهاد الديني يحاصر المبدعين العرب

*خلود الفلاح في ليبيا اتهم خطيب جامع من على المنبر الكاتب وعازف العود الليبي خليل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *