الرئيسية / قراءات / “الوجود و الحداثة” : هيدغر في مناظرة العقل الحديث

“الوجود و الحداثة” : هيدغر في مناظرة العقل الحديث


مديحة دبّابي

 (ثقافات)


 


 


((إن ديني لهايدغر هو من الكبر، بحيث إنه سيصعب أن نقوم هنا بجرده والتحدث عنه بمفردات تقييمية أو كمية، أوجز المسألة بالقول إنه هو من قرع نواقيس نهاية الميتافيزيقا، وعلمنا أن نسلك معها سلوكا “استراتيجيا ” يقوم على التموضع داخل الظاهرة، وتوجيه ضربات متوالية لها من الداخل، أي أن نقطع شوطا مع الميتافيزيقا، وأن نطرح عليها أسئلة، تظهر أمامها من تلقاء نفسها عجزها عن الإجابة وتفصح عن تناقضها الجواني)) دريدا : الكتابة و الاختلاف ، ص47
((يجب القول إن اللاوجود يوجد بشكل ما وبأن الوجود بشكل ما ليس هو.)) platon.sophiste عن الوجود و الحداثة ،ص 223
تقديم:
على تلك الأرض ( Heide)، تدور حرب”استنزاف”، وحرب “وقائية” (guerre) في تقويض الميتافيزيقا الغربية، وتفكيك مسلمات الفلسفة، هنا نتورط مع مفكر الكينونة فلاح Missikriche (1976-1889) Heidegger ومريديه ومراوديه، أقصد تلك المصاحبات للفكر الهيدغري أو أجيال الهيدغرية، باعتبارها نوابت تلك الأرض، في تقويض الميتافيزيقا الغربية وإزاحة التمركز حول الذات في كفاح تأويلي لتحرير الوجود من النسيان، واستعادة حقيقته باعتباره لا مفكر الميتافيزقا الغربية، على أن نفهم الميتافيزيقا كما هي عند هيدغر ((الطريقة التي فكر بها الوجود ككل من أفلاطون إلى نيتشه.)) .
و للاسم قوة وطاقة تضمن لنا نوعا من شحن بعض الدلالات في الدخول إلى النص، والتفسح في أرجاء الكينونة، وإرجاء كل دلالة جاهزة بل كل جاهزية تتفسخ في حضرة مفكر الكينونة ،ولعل رجاء هاته القراءة هو الوقوف على التقويض الهيدغري الذي آل إلى تفكيك ميتافيزقا الحضور مع دريدا والغوص في أعماق اهتمامات فلاح مسكريش.
ستكون هاته الأرض( Heide) حرب استنزاف (guerre) – والتي تعني في المعاجم العربية: استنفاد قدرات العدو وإمكاناته، كما تتميز بطول المدة ، واختلاف نوعية الأسلحة المستخدمة وتكتيكات القتال وتوفير ظروف طبيعية ملائمة وقدرة البلد على الصمود السياسي والاقتصادي والعسكري لفترة من الزمن. ونتورط أكثر شيء مع نص “الوجود الوحداثة” في محاولة اكتشاف الهائل الذي ترقد عليه هاته الأرض((لقد كانت استراتيجية هيدغر دوما هي الدفع بمشروع الحداثة نحو تحقيق إمكاناته القصوى، أي نحو نهايته الحتمية)) دروب الفكر السؤول المفكر لمصير الغرب، والتي سلكها الفكر بين الغابة السوداء وأرخبيلات اليونان ، في تقويض الميتافيزيقا التي سجنت الوجود في الحضور وأحالت إلى النسيان حقيقته كانتشار وانسحاب، وذاكرة ونسيان وكلام وصمت في آن معا.
وحيث أن هذا التقويض لمجاوزة الميتافيزيقا يكشف عن وقاية والعلاج ( guerre )/حرب وقائية وهو ما يدخلنا رأسا في مفهوم التجاوز verwindung كما فكره “فاتيمو” بهدي من هيدغر ونيتشه، بما هو شفاء ونقاهة وابلال من المرض ، فتجاوز الميتافيزيقا هو علاج وشفاء من أوهام العقل الغربي والخروج من الأزمة وكل ما تم تأليهه وأسطرته، وهو موضوع نصنا “الوجود و الحداثة ” ((إن الكشف عن ماهية الحداثة في أفق تاريخ الوجود وحده، يقود إلى استنفاد كل إمكاناتها باعتبارها حقبة حاسمة من تاريخ الميتافيزيقا، فترة التهيؤ لتجاوز الميتافيزيقا فترة الابلال والنقاهة من عوارض الميتافيزيقا)) وحتى وقاية الدازين من السقوط في الوجود الزائف ومكر الإيديولوجيا ((يريد هيدغر أن يرسي فكرا لليقظة يقي الدازاين خطر السقوط في الإيديولوجيا الإنسانية التي عادة ما تنتهي إلى صلف الشمولية )) . فالتقويض يكشف عن مهمة علاجية /أخلاقية للإنسان والعقل الغربي مع أنها تبدو جرحا و هدما للعقل الغربي على غرار الجرح الذي سببه ثلاثي الشك. يتحدث فوكو في مقدمة كتاب الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي: عن الجرح النرجسي الفرويدي ، وولادة المأساة عند نيتشه ورأس المال عند ماركس يقول فوكو إنها نصوص تسبب صدمة وجرحا للفكر الغربي ( ) فلابد من مراجعة ومواجهة و تفكير جذري لهذا التراث الغربي.
الفكر الهيدغري فكر يغذيه التساؤل، لغته المنحوتة الآسرة تؤكد على العلاقة الحميمية بين الفكر والشعر، وهو كما يسميه صاحب ”الوجود والحداثة” الفكر السؤول، فكره عبارة عن دروب wegs على الفكر السؤول أن يشقها إلى أن يستنفذ كل إمكاناتها، إذ يفكك المفاهيم الكبرى التي شكلت الخطاب الفلسفي للغرب، ويكشف المستتر للحداثة الغربية منذ ديكارت والعودة بها إلى أصولها اليونانية. هو هكذا فكر الدروب يعلم على الانفتاح والتفكير الجذري ،وتصويب التساؤل كضربات للمشروع الحضاري: فالسؤال عن الوجود والحقيقة ومصير الغرب خاصة بعد ارتداد العقل إلى ضده وبروز التشيئة والأداتية خاصة مع انتشار التقنية . حيث تكتمل الميتافيزيقا في ماهية التقنية وهو ((ما يعني بالضبط عدمية المشروع الثقافي الغربي.)) يكشف عن بعد استراتيجي، أو آلة حربية هيدغرية لتقويض براديغم الميتافيزيقا الأفلاطونية. نحاول فيه هنا الوقوف بالقرب من تلك الحركة والآلة الحربية وقربى الفكر السؤول التي استعان بها هيدغر لتقويض الأنطولوجيا التقليدية.
إلى حد مثير نلتقي في نص ”الوجود و الحداثة ” بدرس التقويض الهيدغري للمشروع الحضاري الغربي، نلتقي بفكر جريء، بمساءلة فينومينولوجية لماهية الحداثة من خلال تحليلية الدازاين حيث يحاول هيدغر تأويل الوجود تأويلا فينومينولوجيا وإخراجه من دائرة الميتافيزيقا باعتبارها تاريخ نسيان الكينونة، نلتقي بذلك الاجتهاد الهيدغري في مواجهة الميتافيزيقا في محاولة لاستعادة الوجود الذي انسحب، أمام انتشار نسق الحداثة خاصة مع الحلف بين التقنية والعدمية والرأسمالية، الذي اجتث الوجود الإنساني، في مناظرة صامتة داخل نصوص هيدغر للفهم الميتافيزيقي للوجود ذلك ((أن تاريخ الميتافيزيقا هو مرحلة التأويل الأحادي لسؤال الوجود، بينما كان برنامج هيدغر منذ المقدمة الشهيرة ”للوجود والزمان ” هو إعادة قول الوجود بمعان متعددة. ))
تهاوت الضربات على المشروع الحضاري الغربي ،لفضح إيديولوجيته والمآزق الإكراهات التي انتهى إليها، خاصة من الناحية الأنطولوجية: التأزم والتيه والاغتراب والضيق من العالم(( الأفق الحداثي لنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ؛أي ذلك الشعور العميق بالزيف والاغتراب واللاجدوى الذي كان يطغى على جل مفكري تلك الحقبة من عمر الحداثة )). ، فانكشفت أوهام الحداثة التي دشن نيتشه الهجوم عليها ، وهدم الحضارة الغربية التي انبت على التمركز حول الذات، وفضح الصور الماكرة لإرادة القوة ،وتفكير لامفكر الحداثة في ضربات داخلية لهذا المشروع المتصدع حتى الانهيار، وهناك حيث ينبثق صباح بعد الليل الديجوري الذي انتهى إليها المشروع الحداثي.
يحاول النص انطلاقا من اهتمامه الخاص بمناظرة هيدغر مع المحدثين، وضع فكر هيدغر وفكر محاوريه على محك الوصف الفينومينولوجي والمعقولية الهيرمينوطيقية. وهو ما يكشف عن وجود ”صراع خفي” بين هيدغر والمحدثين ينتشر في كتابات هيدغر، ويجعل الدخول في ذلك الصراع الخفي نصَ “الوجود الحداثة” يمر بالدروب التي خطها هيدغر خاصة مبحث تجاوز الميتافيزيقا، من خلال كشف الماهية الميتافيزيقية للحداثة الغربية، وتقويض براديغم الأفلاطونية الذي يأسر الإنسانية الغربية.
قبل التطرق للإضاءة التي كشفها النص، نلمح وميضا داخل نص “الوجود والحداثة” عن ازدواجية تتخلل النص أو النص يشتغل بطريقة مزدوجة- نرجئ دلالات هاته الازدواجية إلى حين- :
فداخل الانشغال الرئيسي للبحث وهو هنا المناظرة الهيدغرية للمحدثين مساءلة وتقويضا ورصدا لتحولات العقل الغربي حيث يستفز”الوجود الحداثة” المدونة الهيدغرية، في محاوراتها الضمنية لفلسفة الذات، أو بالأحرى ذلك ((مناظرة هيدغر للعقل الحديث )) كاشتغال مركزي وأساسي لهذا النص ، حيث تلاحق يد انتشار الميتايفيزقا، وسحقها الاختلاف الأنطولوجي وانسحاب الوجود، يكتب بجواره نص آخر ويد أخرى تلاحق صيرورة الفكر الهيدغري وانحباساته وتجاوزاته ، ولعبة الهدم والبناء داخل هذا الفكر، ومختلف القطائع التي صاحبت المشروع، والتي من خلالها جدد هذا الفكر أدواته وإجراءاته، أي رصد المنعطفات داخل الفكر الهيدغري. (( نتابع في هذا البحث الارتدادات المنبثقة عن هذه ”الواقعة الخطابية ”الأساسية واقعة المنعرج اللغوي الناتج عن انحباس قول الوجود والزمان.)) حيث ينتقل فكر هيدغر إلى فكر تاريخ الوجود ،حيث يكتشف أن لغة الفينومينولوجيا ميتافيزيقية وانصرف إلى قراءة التجربة النتشوية بعد أزمة العمادة 1933 (( إنها السنوات التي تطور إثرها فكر المنعطف وفكر العهد وهي مرحلة نيتشه بامتياز، إنها السنوات التي كتب فيها “أصل العمل افني”حيث يدخل الفن إلى قلب الانطولوجيا وكتب كذلك رائعة إسهامات في الفلسفة الذي عده جل الهيدغريين أهم عمل كتبه هيدغر على الإطلاق حيث يكشف عن جذرية فكر العهد )) وفي تلك الصيرورة يقفز هيدغر منفتحا ومتخارجا بفكره وبفلسفته إلى غيرها في حال اشتغال دينامي ،وفكر متوقد ومعاناة تأويلية، أو “وجود الفكر المفكر” ((لقد بدأت فلسفة هيدغر مغرقة في الأكاديمية والصرامة المنهجية وانتهت إلى الشعرية وحتى الصوفية ،وعلى مدار ستين عاما من التأويل المتواصل كابد خلالها كل أشكال الفكر الممكنة وانتهت إلى مشهد غروب قرمزي اللون متسائلا عن مصدر النور وسر اليكنونة ومستسلما لسكينة المشهد ))
هاته الازدواجية تحيل إلى ازدواجية أخرى ، نجد هيدغر مزدوجا، هيدغر طبيب الحضارة الغرببة الذي يبحث عن شفاء الميتافيزيقا وأعراض وعلاج /تجاوز لاستيهاماتها والمرور بجسر النقاهة، فالفكر الهيدغري ترياق للعقل الغربي الذي سحق الاختلاف الأنطولوجي(( يعتبر هيدغر نفسه نقاهة الفكر الغربي من العدمية الأفلاطونية، يعتبر فكره جسر الإنسانية الغربية نحو شفائها التاريخي من الميتافيزيقا وهي المهمة التي عجز نيتشه عن إتمامها، فاضطلع هيدغر بذلك )) ومن ثمة يشتغل هيدغر على تشخيص داء الأفلاطونية”يمثل أفلاطون ظهور العدمية” حيث إن الأفلاطونية ليس نصوص أفلاطون فالحضور الأفلاطوني ينتشر في تاريخ الميتافيزيقا، وينشتر في نصوص من جاؤوا بعده.
وهيدغر المريض الذي نسي طبيب الحضارة أن يعالجه في غمرة انشغاله بالاختلاف الأنطولوجي وتقويض نسيان الوجود، مع أنه ينتبه أحيانا لعوارض أفلاطونية تنتشر على جلده فبقي ملوثا بالميتافيزيقا فهي قدر الوجود ،ولا فكاك منها، فتبدو عليه أعراض الأفلاطونية (( إن هيدغر بقي يحس أن عارض syndrome الأفلاطونية يطال نصوصه ذاتها إن ما سميناه “بانحباس القول” في “الوجود والزمان” هو أحد أعراض الأفلاطونية وقد أتى على لغة “الوجود والزمان”)) فالاشتغال الهيدغري على نسق الفكر الغربي يكتشف في كل شوط يقطعه مع الميتافيزيقا تلوث لغته بالميتافيزيقا فبقدر ما يلاحق انتشار الميتافيزيقا تنتشر الميتافيزيقا في لغته، ما يضطره إلى التوقف واليقظة والانتباه إلى ما تخطه اللغة، ولهذا نلمس اشتغالا نشطا على هامش تقويض الحداثة والكشف عن ماهيتها الميتافيزيقية، نصا آخر يشتغل فيه على فكر هيدغر،و لعل العلاج من هذا يكون في صيدلية أفلاطون لدريدا
الآن نذهب إلى الإضاءات الأساسية في نص الوجود و الحداثة
تجاوز الميتافيزيقا : تقويض البنية – الأنطو-تيولوجية لنسق الفكر الغربي
كل تجاوز للحداثة لابد أن يواجه الحداثة داخل تحولات الفكر الغربي.وهنا يتعين أن نفهم دلالات: التخطي والتجاوز والاكتمال والنهاية ،كما فكرها “الوجود الحداثة ” في تقريب دلالاتها مما فكره هيدغر في تخطي وتجاوز الميتافيزيقا وإعلانه اكتمالها ونهايتها، خاصة أمام هيمنة العقل الأداتي(( إن تخطي/تجاوز الميتافيزيقا يقتضي إعادة طرح أسئلتها-المشروعة جدا– وإقامة الحوار والمناظرة مع كل فلاسفة الغرب)) فتخطي أو تجاوز الميتافيزيقا، هو الحوار معها، إذا لابد من مواجهة تاريخ الميتافيزيقا، وسيكون تخطي/ تجاوزها هو تخطي براديغم الأفلاطونية والشفاء من كل ماتمت أسطرته وتأليهه (العقل) وهو جوهر الحداثة ومرضها (الذاتية) التي يتعين قص جذورها حتى يشفى الفكر الغربي.(( إن تجاوز الميتافيزيقا هو تخطي باراديغم الأفلاطونية، الذي يشكل حضوره راهنية عالمية مطلقة إن التجاوز هو مرحلة نقاهة نتشوية على الإنسانية قطعها لبلوغ حداثة -ما بعد-أفلاطونية.إن كلمة التجاوزÜberwindung تأخذ في الألمانية معنى الشفاء والابلال من المرض، إن اكتمال الميتافيزيقا لا يعني نهايتها.))
مايهم الآن هو دلالة التجاوز بماهي شفاء لا كما هي عند هيغل،إلا أني هنا أجدني أرجع إلى فاتيمو في مصطلح آخر يرى فاتيمو أن (( كلمة verwindung التي أدخلها هيدجر … يشير إلى شيء ما يكون في آن معا مماثل لكلمة Überwindung التي تعني التجاوز والانتقال إلى وضع آخر، إلا أنه يختلف عنها لانقطاع صلتها مع Aufhebung الديالكتيكي أو مع ”تركه وراءه” الذي يصف الصلة بماض لم يسبق لديه مايقوله لنا.)) فكلمة التجاوز فيما يذهب إليه فاتيمو بهدي من هيدغر:يمكن ترجمتها بشفيverwindung – من مرض، نقاهة بعد شفاء، أي تجاوز الحداثة يكون بفتح حوار وتفكيرها ومواجهة أزماتها وليس التجاوز الهيجلي الخطي الزمني الذي لايقوم في نهاية الأمر إلا على استمرارها .فلا بد من اللجوء إلى المفهوم الهيدجري Verwindung .
ومن دلالات Verwindung حسب مايذكر فاتيمو ( ) :
– تجاوز يُبقي في ذاته سمات القبول والتعمق
– الشفاء : الابلال من المرض
– الالتواء :بمعنى تغيير منحرف يوجد في المقطع الأول Ver
– الاستسلام مرتبط بفكرة الشفاء أي القبول بالألم أو بفقدان شيء ما
في هاته الدلالات المتعددة للتجاوز Verwindung بما هو شفاء والتواء وقبولا بالألم ، الذي يتم من خلال التذكر الذي سيكون مهمة الفكر، حتى الكلمة An-denken في الألماني تتتضمن كلمة الفكر denken ((إن الأهمية التي يكتسبها مفهوم التذكر An-denken في كتابات هيدغر الأخير، يتحدد الفكر بعد الميتافيزيقي بوصفه تذكرا استعادة استئناف فكر )) أي أن التجاوز هو النهوض بالتفكر أو وجود الفكر المفكر لميتافيزيقا الحداثة وأساسها المتعال على الزمان ((إن الوجود هو قبل كل شيء وجود الفكر المفكر لكل أساس ممكن فالفكر يجب أن يكون موجودا حتى يتمكن من التفكير، تلك مسلمة الحداثة التي لا يطالها الشك ))
ينخرط نص “الوجود و الحداثة” في الطرح الهيدغري لمسألة الحداثة ) (modernité في أفق تاريخ الوجود (( نفكر مسألة الحداثة في أفق الأنطولوجيا الهيدغرية أو مناظرة هيدغر مع المحدثين)) حيث يحاول هيدغر تجاوز تفسير الوجود كما فهمته الميتافيزيقا الغربية و الذي انتشر في نسق الحداثة الغربية.
أزاح المشروع الحداثي سلطة الكنيسة وأحل العلم محل ترّهاتها، و استبدل الإله بالعقل، في شكل قطيعة مع الماضي والتراث باسم التقدم. حيث تمت إزاحة سلطة الكنيسة وتحرير الإنسان من الأوهام ، فاتسمت بنزعة إنسانية ، و عقلانية وعلمية ، وغدا الإنسان مركز الكون، فحاولت الذات السيطرة على الطبيعة خاصة مع النزعة العلمية، ثم غدت الحداثة قضية فلسفية مع هيغل تحديدا حيث تعتبر الحداثة إشكالية فلسفية ، وعي الذات بذاتها، فاتسمت بالنزعة الذاتية .
لكن كشفت مساءلات “هيدغر” للعقل الحديث عن الأصل الأنطولوجي – التاريخي للحداثة ، يورطنا ”الوجود والحداثة” في فكر المنعطف kehre denken )) عند هيدغر (وهو الذي يعلن نهاية الفلسفة الهيجلية واكتمال الميتافيزيقا مع نيتشه) في تقويض destruction تاريخ الأنطولوجيا التقليدية، يفكر الحداثة ويناظر أهم أقطابها ويفتح أسئلة مع المؤسسين لها منذ ديكارت بل يحفر إلى أصولها اليونانية فضمن فكر المنعطف يعتبر كانط وديكارت، هم استئناف البدء الأول مع أفلاطون وأرسطو إلى اكتمال نسق الحداثة مع نيتشه -بالنسبة لهيدغر – (( إن ترقب الجديد الآتي، لا يتم إلا من خلال تذكر ماض قد قمع أي استعادة العقل الحديث لمغامراته الإغريقية التي قمعت طوال القرون الوسطى، فالحداثة ليست بالضرورة فلسفة للتقدم، ولكنها ربما بالعكس فلسفة نظام يجمع الفكر اليوناني القديم بالفكر المسيحي، يمكننا أن نلمح فيها قطيعة مع التراث وفكرا للعلمنة ولتدمير العالم المقدس، ولكن ينبغي أن نرى فيها بصورة أكثر عمقا محاولة جديدة وقوية للحفاظ على اتحاد الإنسان بالكون في ثقافة قد تمت بالفعل علمنتها. )) فالحداثة التي تدعي القطيعة مع الماضي، لها ماض أو تاريخ ينبغي تذكره وهو ما يُلقى على عاتق هيدغر تفكيره /استذكاره انطلاقا من علاقته بالوجود ، والكشف عن الأساس الميتافيزيقي للحداثة. ولذا سيرى أسئلة القرن السابع عشر هي أسئلة أفلاطونية مع بعض التحولات، وبالنسبة لهيدغر فإن أفلاطون قد أحدث منعرجا في تاريخ الوجود حين قلب وحول الحقيقة أو الألثيا aléthia بما هي انكشاف وتحجب معا إلى سداد النظر وصوابية الرؤية recktung
يشخص هيدغر أعراض الأزمة الإنسانية الأوربية والإحراجات النقدية التي تخترق نسق الحداثة،من خلال تقصّي تكوّنها إلى تجلياتها في سمات وأعراض أزمة تهدد وجود الغرب.
لكن قبل الحديث عن الحداثة ككينونة ميتافيزيقية، نلاحظ اللعبة الهيرقليطية داخل النص الهيدغري فيما هو يهدم الأنطولوجيا التقليدية يبني أنطولوجيا أساسية داخل صيرورة فكره. ويكشف “الوجود والحداثة” عن عمل النص الهيدغري حيث تتواشج تحليلية الدازاين مع التقويض الأنطولوجيا التقليدية.
ايجابيا نحو بناء أنطولوجيا أساسية تقود إلى الهرمينوطيقا
سلبيا نحو تقويض destruktion الأنطولوجيا التقليدية
للفلسفة الحديثة إرث ثقيل وما الذاتية المتعالية إلا استجابة لهذا الإرث، وليس يرجع التقويض الهيدغري إلى الانطولوجيا اليونانية على أساس أن مشكلة الوجود مطروقة عند اليونان حيث الوجود هو الحضور، إنما حاول هيدغر إقامة علاقة بين اليونان واللاهوت المسيحي، حيث تخترق البنية الثيولوجية نسق الفلسفة الحديثة، يقف هيدغر عند الأصل الأنطو – ثيو-لوجي للميتافيزقا الغربية، فإضافة إلى الكشف الأوغسطيني عن البنية الزمانية للنفس، يفكر هيدغر الأنطولوجيا التقليدية في ضوء الحقيقة المسيحية حيث يلتفت الى أن الاله المسيحي تكوّن في أفق الفكر الأفلاطوني لينكشف في مجمل أبعاده في الميتافيزيقا الأرسطية، لذا سيكون أرسطو حلقة وصل بين اليونان والمسيحية، خاصة أنه يحضر بصفة قوية في القرون الوسطى، وفي محاضرة حول “فيزياء أرسطو” يعيد هيدغر تخريج مفهوم الطبيعة باعتباره مفهوما ميتافيزيقا حيث يعزو إليه اليونان الأوائل نفس الخصائص التي يعزوها اللاهوت المسيحي للإله : فيزوسPHISUS الفيزوس هي العلة التي تتحرك نحوها بقية العلل لكن علة العلل لا يسري عليها مبدأ العلة .وهنا انسداد الفكر اليوناني
تعتبر الحداثة فلسفة الذات المتعالية ،حيث تمسك الذات بالحقيقة بل هي أساس الحقيقة، إذ قامت بقطيعة مع القرون الوسطى حيث الحقيقة قابعة في العالم المفارق،و إذا كانت القرون الوسطى تعتبر العالم مخلوقا ، فإنه في العصر الحديث أصبح العالم هو ما تتصوره الذات ومن ثمة يكون إدراك العالم كما يظهر في الوعي، وأصبح العالم موضوعا لذات تبسط سيطوتها عليه، فالذات أساس العالم ، ولذا تعتبر الذات الحامل الميتافيزيقي للحداثة » تستمد الحداثة كل ضمانتها المعرفية والأخلاقية والجمالية، من مفهوم “الذاتية المتعالية ” كما اكتشفها ديكارت وعرضها في “التأملات الميتافيزيقية” ويمثل هذا النص المستند الأساسي لكل القول الفلسفي اللاحق تقريبا. «( ).وكل القول الفلسفي بعد ديكارت سيكرس هاته الذاتية مع كانط الذات المتعالية إلى هيغل والروح المطلق و الوعي الخالص مع هوسرل وإرادة القوة مع نيتشه هناك تنبثق ميتافيزيقا الإرادة من الفلسفة الحديثة التي تفترض واقعا يوجد خارجا ،عليها امتلاكه و السيطرة عليه ، وهو ما يكشف نسق الذاتية المتعالية الذي يخترق الحداثة.
فمع الكوجيطو ومنهج الشك الديكارتي الذي لم يشك في ”أنا أفكر” لم يكن الكوجيطو إلا وعي الذات بذاتها و أصبح العالم صورة مدركة ، عبر الإدراك تحضر صورة العالم في الذهن، فوجود الموجود يتحدد بالإدراك، باعتباره وحدة أصلية بين الذات والموضوع، وستصبح هي الأساس الذي يتموضع منه شيء آخر، وتصبح جوهرا سمته الثبات، فمعنى أن يكون الشيء حاضرا أي ماثلا في الذهن، فحضور الشيء متعلق بحضور صورته، فالحاضر بالنسبة للذات هو الماثل في فكرها، فالتمثل يعني الجمع بين المتمثِل و المتمَثل، وهذا الجمع متضمن في واحدة من دلالات اللوغوس وهو الجمع الضم ويصبح الوجود هو ما أتمثله، وستصبح ماهية الحقيقة هي اليقين .
أفرز التمركز حول الذات سحق الاختلاف بين الوجود والموجود لذا سيشتغل هذا النص على اعادة مساءلة الحداثة في أفق الاختلاف الانطولوجي، الذي لم تفكره الحداثة ((فكر الحداثة لم يفكر هذا الاختلاف عندما يتخارج – نحو – الآخر لهذا يجب مساءلة الحداثة في أفق الاختلاف الأنطولوجي)) ثم وضع الوجود في علاقته بالزمان أي خارج ما فهمته الميتافيزيقا
كما أن اعتماد العلم معيارا أساسيا للحداثة، باعتباره يقود إلى التقدم وإزالة وهم القرون الوسطى. قلص دوائر المعرفة في العلم وحده، وتصبح المعرفة مساوية للعلم وهي المعرفة الصحيحة المطلقة، وجر هذا الاستسلام للنزعة العلمية إفراغ الفلسفة من التأمل وهي ((شهادة أخرى على اتنمائها إلى مرحلة نسيان الوجود )) ومع تطور العلم هيمنت التقنية وسحقت الوجود الإنساني الفريد، ومنعت حقيقة الوجود من الظهور» التقنية باعتبارها الهالة العليا لتحقق ميتافيزيقا الذاتية واختفاء حقيقة الوجود. باعتباره الصيغة القصوى للاغتراب أي نسيان الوجود بلغة هيدغر يجد الاغتراب والنسيان اكتماله الظافر في سيطرة التقنية «( ) وحيث أن حقيقة الوجود لا يمكنها الظهور بالنسبة لهيدغر إلا في أفق الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود ، لكن بات الوجود – في العالم- وجودا تقنيا منمطا، جعل كل شيء متشابها متطابقا . وأفرز هذا المبدأ السيطرة والهيمنة على العالم . وهنا يجدر الانتباه إلا أن ماهية التقنية عند هيدغر ليست شيئا تقنيا إن ماهية التقنية هي حدوثها (( إن العلم الحديث لم يعد يكتف باكتشاف قوانين الطبيعة بل أصبح بفعل التقنية يكشف عن الإمكانات القصوى للطبيعة إلى أن تصادر ماهيتها كطبيعة، وهكذا تكون المصادرة هي ماهية التقنية )) الماهية هنا هي إرادة القوة المتخفية وراء انتشار التقنية التي تصادر الوجود الإنساني .
أفرز المشروع الحداثي الكثير من الأزمات التي نتجت من أسسه بالذات فاهتز ذلك المشروع لاهتزاز أساساته وأصبح نسقا متصدعا اخترقته المآزق على أكثر من جبهة نتيجة الإحراجات التي نخرت أساسه ،فظهرت أزمة وجودية، وايكولوجية، سحق الاختلاف، إلغاء الآخر، تحجيم المعرفة في العلم وحده… خاصة وقد صبغ هذا المشروع الحضاري بصبغة عدمية تجلت أعراضها في الحربين العالميتين ((إن العصر الحديثة من تاريخ الوجود الغربي هي حقبة تجلي السمات الأساسية للعدمية : اختفاء القيم بوصفه قيمة، الهيمنة التقنية على الأرض وتحول الفن إلى ثقافة استهلاكية)) فالعدمية منتشرة في نسيج الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون وما العصور الحديثة إلا تجل لسماتها .وهو ماجعل هيدغر يقرع ناقوس الخطر و”يحكم على الخطاب الفلسفي للحداثة بالانغلاق والتناهي” ومن ثم يعلن ”نهاية الحداثة والتفكير فيما بعد الحداثة”
يقتحم التقويض الهيدغري صروح الأنساق الكبرى لكشف ما انتهت إليه من انسداد وانغلاق، وهنا يجب التنبه ((لا يعني قول هيدغر أن الفلسفة الهيجلية هي نهاية الفلسفة واكتمال الميتافيزيقا الغربية تخطي هذه الفلسفة بجرة قلم وإنما عكس ذلك فتح الحوار الذي لم يبدأ بعد معها )) فالمساءلة الهيدغرية للنصوص وإستراتيجيته في تقويض الأنساق الفلسفية الكبرى قراءته التشخيصية للحداثة الغربية هو فتح الحوار معها و يأخذ تقويض الميراث الحداثي آلية التناظر والإحالة كما لو أنها لعبة المرايا: المناظرة مع ديكارت ضد هوسرل باعتبار هوسرل امتدادا لكوجيتو ديكارت، و مع كانط ضد كاسيرر لأنه امتدد للكانطية ونيتشه ضد الأفلاطونية (لأن فلسفة نيتشه أفلاطونية مقلوبة) داخل المناظرة يتم تقويض المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا الحديثة في أفق الأنطولوجيا الأساسية.
لهذا تشتغل تحليلية الدازاين في مواجهة الكوجيتو أو بنية التعالي في مناهضة للأنطولوجيا التقليدية وتقويض ضماناتها، وضرب أساس الحداثة بالانتقال من تفكير ماهية الإنسان إلى تفكير حقيقة وجوده في علاقته بالزمان(تزمن الدازاين ) باعتبار الزمان هو الآخر لا مفكر الميتافيزيقا الغربية، أي تقويض فلسفة الحضور ،وذلك برفع الأنا موجود ضد أنا أفكر ((يبدو أن الدازين نتيجة هيرمينوطيقية لعملية “نقض ” للأنا الحديث وليس اختراعا من لا شيء)) فوجود الانسان هو ماهيته،وهو مشغول بسؤال حقيقة وجوده وبتحقيق امكانياته،مقذوف في هذا العالم وهو في حالة تخارج وانبثاق الى المستقبل فهو يتزمن و يولّد كينونته عبر صيرورة الزمان وهو على ألفة من العالم وبالقرب من الاشياء ويتركها توجد وهو ما يوحي بوجدانية وحميمية، فهو “وجود- في – العالم” و طريقة وجود الكائن هي الفهم ((“الفهم” ” يحدث ” لنا Ereignis (لنا) بحكم وجود (نا) –في- العالم”)) وهو صائر الى الموت وجود- نحو – الموت ، فعدم وجوده نابع من طبيعة وجوده .
فهدم الأنطولوجيا التقليدية، يهدف إلى هدم النزعة الإنسانية إذا تحليلية الدازاين ليست أنتربولوجيا ، فالدازاين يفكك مفهوم الإنسان بما هو الحيوان العاقل الأرسطي، وإذا كان السؤال الكانطي ماهو الإنسان ؟ فإن السؤال الهيدغري سيكون من هو الإنسان ؟ أي السؤال عن وجود الكائن الذي يسأل، فهيدغر يطرح سؤال الإنسان في أفق سؤال الوجود ((أن يكون الإنسان هو الرهان الاول والأخير للفكر، وهذا لا يقدم أي مسوغ للتقهقر نحو النزعات الإنسانية، بل يتوجب الانفتاح على ماهية الفكر بما هو فكر دون إحالته إلى الإنسان ))
هنا نصل إلى الإستراتيجية الهيدغرية في تقويض هذا النسيان وتفكيك العدمية وتفكير ماهية التقنية ،لكن قبل الحديث عن هذه الإستراتيجية الهيدغري يستوقفنا قول مهم داخل “الوجود والحداثة ” ((يبدو أن ما يأخذه هيدغر على هذه الإقامة ليس التقنية في ذاتها، بل الاستسلام الأعمى لماهيتها أي غياب الوعي بهذه الماهية ،إن موقف هيدغر لا يعني البتة التخلص من التقنية الذي أضحى مستحيلا بل الانفتاح بوعي على ماهيتها)) وهو عمى تفكير ماهية التقنية والسقوط في الوجود الزائف، نتيجة العقل الأداتي الذي جر التيه للغرب ، فلا منجى من التيه إلا بالاختلاف بدل التأويل الأحادي وإلحاق الكثرة بالواحد. وإزاحة سياسة التشابه.
تتكشف داخل النص طريقة التفكير الهيدغرية حيث يجعلها تفجر ذاتها بذاتها ،وهنا ربما نتحسس هنا دلالة التجاوز كليّ أو لوي، بدل صراع الثنائيات، أي يحارب العدمية بالعدمية حيث تكشف عن عجزها بإرجاعها ضد ذاتها، وتدمر منطقها الداخلي، إن جاز التعبير: التفكير مع العدمية ضد العدمية يقول إسماعيل :
فإذا كانت التقنية تنشر قيم الاستهلاك، فإن تنشيطا للعدمية يكون مقاومة وتحررا من هيمنة التقنية، إن العدمية هي كذلك تحرر من الانصياع الأعمى للسلطة التي تفرضها التقنية على إقامة الدازاين في –العالم ، إن التقنية تنتشر عبر ثقافة الاستهلاك الرأسمالية التي أضحت عقيدة إن الثقافة تنشر “قيم” الاستهلاك، وحيث العدمية هي حالة من انتفاء كل قيمة وعدم الاعتقاد في شيء يمكن أن تشكل نوع المقاومة ضد عقيدة الاستهلاك الرأسمالية هكذا فإن البعد العدمي الذي هو بعد أساسي في ماهية التقنية ينطوي على منافذ الخلاص منها……. ليس الخلاص من ماهية التقنية إذن بتجاهلها أو العزوف عن المكننة بل بالدفع بكل الأسئلة االتي تنطوي عليها هذه الماهية إلى قول مقولها))
في هذا النص منفد مهم إلى الفكر الهيدغري فإذا كانت البعد العدمي وهو بعد أساس في ماهية التقنية، ينطوي على منفد خلاص منها ومن عدميتها، ليس بتجاهلها وإنما بالدفع بكل الأسئلة التي تنطوي عليها هذه الماهية إلى قول لا لمفكرها، فالتقنية تسحق الاختلاف وتنشر التشابه و تسعى نحو التطابق .
وبوصف التقنية نشاطا إنسانيا ، تسخر الأدوات لاخراج هائل الطبيعة باعتبارها احتياطي طاقة من حالة السكون/ الموت إلى التجسد أو التحقيق العيني فالتقينة ((تستفز الطبيعة وتضعها في حالة قصوى من التأهب والاستعداد، تجبرها على وضع كل عناصرها كموارد للطاقة تحت التصرف … إن استفزاز الطبيعة يحرضها للكشف عن كل قواها الهائلة التي قد يصعب التنبؤ بها كما هو الحال في الطاقة الذرية إن ماهية التقنية الحديثة هي الكشف عن الهائلle gigantesque الكامن هي ماهية الطبيعة )) من خلال هذا العمل للتقنية على الأرض ألا نجد تشابها بين عملها وعمل النص الهيدغري في التقويض و في استدعاء اللامفكر، من حيث قدرتها على استنفاذ طاقة الطبيعة/نصوص الميتافيزيقا واستفزازها حتى يخرج أقصى ممكناته، وكشف كل طاقته وما يرقد عليه أو يصمت عنه حتى يكشف المستتتر وتقول مقولها. (( يعلمنا هيدغر أمام كل هذا فضيلة الدفع بمساءلة النصوص وتأويلها إلى أقصى حدودها ، جعلها على ألفة وحميمية بأسئلة عصرنا وإلى أن يستنفذ السؤال كل إمكانياته ، نكون قد انحرفنا بالتأويل شيئا فشيئا، وقد اكتسب أبعادا جديدة، حيث تنفتح أمامنا نصوصا جديدة وغريبة ؛كانت إلى ذلك الحين طي النسيان.))
وهو ما نجده حتى في الاقتصاد النصي حيث يستفز الشعر اللغة ليكشف عن طاقاتها الإبداعية وتخرج لنا تجربة جمالية.وهما نجده في الاقتصاد الليبيدي للكائن الذي يكشف عن طاقات خلاقة للاشعور/المكبوت، وتحويله عبر عمليات أولية هي في الأخير بلاغية وتخرج فيها التجربة الباطنية للكائن(الهائل).مخرجا جماليا محررا الكائن من غريزة العدوان والعنف التي تعمل بصمت، ربما هنا نلمس الإلحاح النتشوي والهيدغري ومابعد الحداثي على الفن.
وهنا تبدو رابطة تلقي ببعض الإشعاع : بين هاته النقطة و مسألة الوجود – نحو – الموت ، الدازاين مقذوفا إلى العالم ويسعى إلى فهم حقيقة وجوده حيث يعي موته ، يعني استنفاد طاقة الإنسان في فهم وجوده من حيث هو ليس هو والاتحاد بكينونته لذا يقفز في المستقبل/الموت ويتخارج على ذاته داخل العالم في هذا الانقذاف الى الخارج يتشكل عالم الدازاين الخاص، ليصطدم بحقيقة وجوده هي حقيقة موته وفقدان كينونته يعني خروجا من العالم ، فلما يهدد الموت الوجود بعدم الوجود وهو من طبيعته، تنبثق الأسئلة الوجودية في مواجهة الموت، وصوت الكينونة مع أنها صامتة هي الإيماءة التي تتكلم من وراء حجاب، يماثل هنا صوت المحبوب في تجربة العشق صوفيا (سكينة وسكون ورجوع إلى حالة وحدة الوجود) أو حتى في التجربة الجنس وعلاقتها بالموت /اقتصاد اللذة -باطاي – لكن تجربة الجنس يتم فيها اختبار الموت/كسكينة وسكون واستنفاد طاقة الجسد في علاقته بالآخر، والرجوع إلى حالة ما قبل الانفصال بتخارجه إلى ما ليس هو أو آخره ، وهنا تطرح مسألة الهوية ومسألة الاختلاف والتكرار كما يطرحها فيما بعد دولوز بعد فرويد .إن المسألة هنا هي قضية انفتاح العقل على اللاعقل أو ما أقصاه العقل في تاريخه عليه أن ينفتح على لا مفكره (( إن ما حدث أثناء التجربة التاريخية للغرب وخاصة في منعرجها الأفلاطوني –الأرسطي هو الاختزال التدريجي لكل أبعاد الفكر الثرية في بعد واحد هو العقلانية، فقد أهملت الأبعاد الأخرى ،والتي ربما احتفظ بها بعض الشعراء – ممن طرد من جمهورية أفلاطون – وهنا يكون على الفكر المتذكر أن يستعيد تتبع دروب العقل أو “نسيج “العنكبوت الذي أحكم قبضته على كل مصير الثقافة الغربية))


[1] – إسماعيل مهنانة : الوجود و الحداثة ، هيدغر في  مناظرة العقل الحديث ،الدار العربية للعلوم /بيروت ، دار الأمان /الرباط ، منشورات الاختلاف/الجزائر ،ط1 ، ،2012، ص 22


[1] – المرجع نفسه ، ص102 


[1] – المرجع نفسه ، ص247


[1] – المرجع نفسه ، ص229


[1]  -ينظر  مقدمة  فريدريك نيتشه : الفلسفة في العصر الاغريقي، تعريب سهيل القش ، ط2، المؤسسة الجامعية  للدراسات و النشر  لبنان، ص 8   


[1] الوجود و الحداثة ، ص 120


[1] – المرجع نفسه ، ص248


[1] المرجع نفسه ، صص139 


[1] المرجع نفسه ، ص10


[1] المرجع نفسه ، ص 11


[1] المرجع نفسه ، ص ص124ن 125


[1] المرجع نفسه ، ص 246


[1] المرجع نفسه ، ص 217


[1] المرجع نفسه ، ص 217


[1] – المرجع نفسه ، ص 217


[1] – المرجع نفسه ، ص26


[1] المرجع نفسه ، ص27


[1] جيان  فاتيمو : نهاية الحداثة، الفلسفات العدمية والتفسيرية في ثقافة مابعد الحداثة( 1987)،  تر فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق سوريا ، 1998 ، ص183


[1] المرجع نفسه ،ص192


[1] المرجع نفسه ،ص 193-194


[1] -إسماعيل  مهنانة ، الوجود و الحداثة ،ص 9


[1] المرجع نفسه ، ص9


[1] – المرجع نفسه ،  ص ص 36،37 


[1] -ينظر المرجع نفسه ، ص64


[1] -ينظر المرجع نفسه ، ص ص19-20


[1] – ينظر المرجع نفسه ، ص238


[1] -المرجع نفسه ، ص 79


[1] ينظر المرجع نفسه ،  ص ص 83-85  


[1] المرجع نفسه ، ص 10


[1] المرجع نفسه ، ص 111


[1]   المرجع نفسه ،ص   146


[1] المرجع نفسه ، ص 114


[1] المرجع نفسه ، ص 118


[1] -ينظر المرجع نفسه ، ص ص 37،38 ،83


[1] المرجع نفسه ، ص 62


[1] – ينظر المرجع نفسه ، ص49


[1] المرجع نفسه ، ص 75


[1] المرجع نفسه ، ص 70


[1] المرجع نفسه ، ص 246   


[1] المرجع نفسه ، ص 121


[1] المرجع نفسه ، ص 121


[1] المرجع نفسه ، ص 113


[1] المرجع نفسه ، ص 51


[1] المرجع نفسه ، ص 153

شاهد أيضاً

العواطف وسطوتها على الإنسان

*عاطف محمد عبد المجيد في كتابه «سطوة العواطف» (صدر في القاهرة عن دار «رؤية» بترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *