الرئيسية / إضاءات / محمود درويش الطاغية… عقيدة التصنيم والتوثين العربيّة

محمود درويش الطاغية… عقيدة التصنيم والتوثين العربيّة


محمد صابر عبيد *

اشتغلت الرسالة الإسلاميّة في أولويّة مركزيّة من أولوياتها على دحض فكرة الصنميّة وعقيدة التوثين في العقل العربيّ، بعد أن هيمنت هذه العقليّة زمناً طويلاً على مقدّرات الفكر العربيّ والثقافة العربيّة والحياة العربيّة بأدقّ تفاصيلها، وحين دخل المسلمون مكّة وبدأوا بتحطيم أصنام قريش كان ذلك فاتحة عصر عربيّ جديد يتحوّل نحو الديمقراطية، غير أنّ رصدَ هذا التحوّل بمستواه الحضاريّ يكشف عن خيبة أمل وتوقّع كبيرة وساحقة، تذهب إلى أنّ العقل العربيّ بطبيعة تكوينه يعشق الصنميّة ويمجّد الوثنية، وليس أدلّ على ذلك من طبيعة الكثير من الأنظمة العربيّة على مرّ العصور التي تعيش على امتهان كرامة مواطنها وسحق كبريائه وإذلال إنسانيته حتى في طبقاتها الدنيا، وكأن العربيّ لا يمكنه العيش بلا طاغية يحميه من غدر الزمان ويسيّر أمره ويوفّر له قوت يومه.

يبدو أنّ قدرنا نحن العرب أن لا نعيش إلا في ظلّ الطغاة، وقد تدرّبنا بما يكفي لكُرهِ أوطاننا كما يجب، وتمنّي الهجرة منه حتى لو كانت إلى الجحيم، وحيث آمنّا بهذا القدر اللعين وأصبح أمراً واقعاً لا مناص منه فلم يكن أمامنا سوى أن نبحث عن ملاذات تقينا شرّ حرارة شمس الطغاة اللاهبة، وكان الشعر خياراً مثالياً بوصفنا ننتمي إلى أمّة مجيدة هي أمّة شعر، نغنّي فيه جروحنا، ونترنّم فيه بخيباتنا، ونختبىء خلف إيقاعه الهادر الجميل حين يداهمنا الخوف لنحفظ ما تبقّى من أسماعنا من ضجيج هائل يتقصّدنا.

غير أنّ هذا الشعر الأليف صار على يد بعضٍ من شعرائنا الكبار سلاحاً ثقيلاً لتدمير أحلامنا، وكبت تطلعاتنا، ومحو هوياتنا، نصفّق لهم ونرفعهم على أكتافنا ونمجدّهم ونؤلّههم، ونتبرع بدمنا حبراً يكتبون به، ونسخّر فحولتنا ليعتلوا أنوثة اللغة بها، فتحوّل كلّ كبير منهم إلى طاغية لا يختلف كثيراً عن ذلك الطاغية الذي يتسلّل بعيونه الشيطانية إلى أفرشة نومنا، ولا يمكننا أن نباشر عملنا المشروع إلا بإذن منه، صار هذا الشاعر الكبير طاغية يعيد إنتاج الصنم بثقافة وثنية منمّقة ومدبلجة ومقنّعة، وصار يفرض قوانينه ويفرش تعاليمه على بساط الأرض العربية من المحيط السادر إلى الخليج الهادر، ويؤسس له مافيات تسبّح بحمده، وتقتل باسمه، وتفرض الأتاوات المعنوية على أبناء الشعب بآيات بيّنات من شعره.

الشاعر العربيّ الفلسطينيّ الكبير محمود درويش أحد أبرز شعراء العربيّة المعاصرين، وأحد القلائل الذين أضافوا للقصيدة العربية بما لا يدع أيّ شكّ لإمكانية التقليل من شاعريته الفذّة، لكنه ليس نبيّاً شعرياً على أّية حال، وفي أكثر من حوار معه قرأتُهُ يذكر أنه لا يطّلع كثيراً على ما يكتبه الشعراء الفلسطينيون من الأجيال اللاحقة لجيله، وحين يضطرّ إلى ذكر قسم منهم يكتفي بشاعرين أو ثلاثة فقط من أولئك الذين يسبّحون بحمده بكرةً وأصيلا، لكنّه بالمقابل يطّلع ويقرأ ويلتقط بعض القيم الشعرية الخصبة والكثيفة التي لا يحسن بعض الشعراء استثمارها جيداً، فيعمل على الاشتغال عليه بخبرته العميقة فتظهر وكأنها له تماماً، على النحو الذي لا يمكن للشاعر المسكين أن يزعم نسبتها له حين تسجّل في طابو الشعر باسم درويش، فتبطل أيّة مطالبة (غير مشروعة) بمرجعيتها إلى آخر.

عمل درويش طيلة حياته الشعريّة على تسخير قضية فلسطين لقضيته الشعريّة، وحين أصبح أكبر من فلسطين نفسها وأهم منها لدى الكثيرين ارتفع إلى مقام الطاغية الشعريّة التي لا يُردّ لها طلب، شعره هو فلسطين وفلسطين هي شعره، لا يقرأ في محفل شعري إلا وحده لأنه لن يُبعث في قيامة الشعر العربيّ إلا وحده، يفرض الشروط على مشاركاته كما يشاء ويصطحب معه من حاشيته من يشاء، يأخذ من مضانٍ كثيرة ومنابع عديدة ما يشتهي ويصنع منها قصيدته المعصومة بحريّة لا يمسّها رصدٌ أو معاينة أو فحص، حتى أضحى شعره قرآناً لا يأتيه الباطل من أيّة جهة كانت، فبماذا يختلف إذن عن أيّة طاغية مما عرفنا من طغاة أفذاذ أجهزوا على بشريتنا وكسروا أنوفنا ومرّغوها في أوحال جبروتهم؟

سبق لي أن قلت في قراءة سابقة لي إنّ محمود درويش كائن شعري كبير مستلّ من الشاعر بدر شاكر السيّاب والشاعر أدونيس والشاعر نزار قبّاني، وسأعمل ضمن مشاريعي النقديّة القادمة بإذن الله على هذا الموضوع بتفصيل نقديّ كبير وواسع ودقيق، وكنت قد أكّدت في قرءات نقدية أخرى لي أنّ المتون الأصيلة في الشعريّة العربيّة الحديثة هي ثلاثة متون، المتن السيابيّ والمتن الأدونيسيّ والمتن النازكيّ، المتن السيابيّ في قصيدة التجربة التي هي سليل المدرسة البغداديّة، والمتن الأدونيسيّ في قصيدة الصنعة والمهارة والحذق الشعريّ التي هي سليل المدرسة الشاميّة، والمتن النازكيّ التي أنجزت فيه نازك الملائكة لأوّل مرّة في تاريخ الشعريّة العربيّة ((الشعريّة العربيّة الأنثويّة))، ولا متن أصيل آخر بعد هذه المتون، على الرغم من وجود شعراء كبار غيرهم (منهم درويش طبعا) لم تتمكّن تجاربهم من بلوغ مرحلة إضافة متن جديد للشعريّة العربيّة الحديثة، فدرويش إذن شاعر كبير لكنه ليس صاحب متن أصيل، ويبدو لنا أنّ درويش كان يعمل بكلّ جهد، مستخدماً كلّ ما تيسّر له من سبل مشروعة وغير مشروعه كي تتوافر له فرصة اعتلاء قمّة المتون الأصيلة لكنه لم يُفلح، وذلك لأنّ أصحاب المتون الأصيلة حلّوا في هذه القمّة التي لا تسع غيرهم (حتى الآن) من دون أن يتقصّدوا ذلك، ومن دون أن يتحوّلوا إلى طغاة يسخّرون الأرض والسماء والبشر كل يعتلوا عرش الشعر.

بعد أن رحل درويش الآن لم يبقَ سوى شعره، ومن حقه علينا أن نعيد قراءة شعره بعيداً عن ضغط الطاغية الذي كان مهيمناً على النقد العربيّ، وبعيداً عن عقدة التصنيم والتوثين التي تحدّ من جرأة العقل العربيّ وتبقيه في دائرة الاستسلام واليقين الخنوع، فدرويش الآن ليس سوى كلمات صالت وجالت في ميادين التلقي العربيّ والذائقة العربيّة ردحاً طويلاً من الزمن، وثمة من يستبسل في الدفاع عن درويش وهو لم يقرأه جيداً، فثقافة الشائعة أخذت مأخذها في الحياة العربية الثقافية وغير الثقافية، إذ الكثير منّا يطلق أحكامه جزافاً بلا بيّنة ولا دليل فيردّد ما يردّده الآخرون من عظمة فلان واستثنائية فلان، ولا وجود تقريباً لقراءة معمّقة تعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، فليس في صالح درويش قطعاً أن نغضّ الطرف عن مختبر اشتغاله الشعريّ ونغفل عن مرجعياته، ولاسيما أن ذلك في ظلّ نظريات التناص الحديثة لم يَعُد عيباً كما كان يتحدّث النقاد العرب القدامى عن السرقات الشعريّة، فلا بأس إذن في أن نعيد قراءة درويش استناداً إلى مرجعياته التراثيّة والأسطوريّة والتاريخيّة والثقافيّة والحضاريّة والأدبيّة، لنكشف عن طبيعة الإفادة منها، ما كان تناصاً مشروعاً منها، وما كان غير ذلك، وهذا بطبيعة الحال يمكن أن ينطبق على أيّ شاعر آخر مهما كانت درجته وحظوته في ذاكرة التلقي العربيّة.

لا سبيل إلى بلوغ الديمقراطية من دون أن نتحرّر أولاً من عُقَدِنا وأوهامنا وأصنامنا، واسمحوا لي أن أشكّ كثيراً في أنّ الدين الإسلامي نجح في محو أصنامنا الذهنية، وربما اكتفى بتحطيم أوثاننا القديمة التي هي من حجر وتمر وطين ورخام، لكنّ حلول هذه الأوثان في جوهر العقل العربيّ ظلّت قائمة وفاعلة وأصيلة حتى الآن، فلنجرّب تحطيمها فوراً في عقولنا بعد أن ابتعد العالم عنّا آلاف السنين الضوئية حتى بِتنا لا نرى سوى أنفسنا، ولتكن مراجعتنا للشاعر الكبير الذي نحب محمود درويش فاتحة للخلاص من الطاغية الشعريّة، أملاً في التحوّل إلى ديمقراطية الشعر الواسعة الجميلة التي يحمل هويتها كلّ شاعر حرّ وأصيل وجميل، بصرف النظر عن جنسيته وقضيته ولونه ومرجعيته وطائفته وحزبه وشعبيته وانتمائه، ونقبل وجهة النظر الأخرى حتى وإن كانت قاسية على ما ألفناه وتعوّدناه، فالكثير مما ألفناه وتعودّناه ليس سوى سقط متاع لا يغني من جوع ولا يحمي من خوف، ولنكن شجعاناً على الأقل في قول كلمة حقّ واحدة كل عام، ولن ننسى في كلّ ذلك شاعرَ (سجّل أنا عربيّ والجدارية ومديح الظلّ العالي ومن فضّة الموت الذي لا موت فيه ولا درج)، الشاعر الطاغية محمود درويش.

 

* ناقد وأكاديمي من العراق

( الدستور )

شاهد أيضاً

جائزة الرواية الإلكترونية تطرح سجالاً حول الكتاب الورقي

*خالد أبو الروس لا تُكافئ جائزة «منف»، المتخصصة باختيار أفضل عشر روايات عربية منشورة إلكترونياً، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *