الرئيسية / مقالات / بين رسالتي المرشد والرئيس

بين رسالتي المرشد والرئيس


عزت القمحاوي *


دعوة للجهاد في فلسطين أطلقها مرشد الإخوان في مصر عبر رسالته في خطبة الجمعة الماضية، وفي التوقيت ذاته كان السفير المصري الجديد في تل أبيب يسلم شيمون بيريز رسالة ملؤها الود من الرئيس مرسي، تصفه بالصديق والعظيم !
المسافة بين مضموني الرسالتين المتزامنتين تفتح بابًا للجنون، وربما بابًا لمقبرة تبتلع فكرة الحكومات الدينية من أساسها، ليعبر العرب أخيرًا بوابة العالم الحديث . ولعلها مصادفة حسنة، وإن بدت سيئة حتى اليوم، أن تضافرت الأسباب التي أوصلتهم إلى الحكم، بعد أن جعلهم العزل السياسي وعدًا مؤجلاً بلا اختبار .
لا يمكن أن يصل الخلاف في الرأي بين المرشد والرئيس ابن الجماعة إلى حد رفع أحدهما راية الجهاد ورفع الآخر لواء الصداقة، لكن المسافة كانت موجودة دائمًا وستبقى بين السري والمعلن لدى هذه الجماعة السنية المتطابقة في باطنيتها مع جماعات الشيعة .
المسافة بين الباطن والظاهر لدى الإخوان ، هي المسافة بين الشعار والعمل . ولم تكن هذه المسافة لتبدو بهذا الافتضاح، لولا فخ السلطة، التي ابتلعتها الجماعة دون أن تكون مؤهلة لحمل مسئوليتها .
المرشد الذي يحكم من وراء حجاب، لم يزل يعمل بمنطق فترة العزل السياسي التي صنعت أسطورة الجماعة، إذ كان من السهل عليه أن يستيقظ ليجد الجو متربًا فيطالب بطرد السفير الأمريكي، وفي أربعة أشهر من الحكم بات واضحًا أن السفير الأمريكي ذات لا تمس، ولا بأس من اتهام الخصوم بالعمالة لأمريكا .
ولم يكن على الجماعة حرج في أن تطلق دعوة الجهاد ولا تفي بها بحجة أن نظامًا عميلًا يلتزم بحماية أمن إسرائيل يمنعها من ذلك . الآن هم يحكمون وليس بينهم وبين الحدود حجاب، ولديهم الأوتوبيسات التي تحمل الميليشيات، لكنها لا تحملهم إلى فلسطين بل إلى ميدان التحرير للبلطجة على المحتجين المطالبين بكشف حساب مرسي في المائة يوم الأولى حسب الموعد الذي قطعه بنفسه على نفسه .
وليست الميلشيات الإعلامية بأقل ضراوة، لكنها لا تعمل ضد الصديق العظيم بيريز بل تتخصص في التعليق على مقالات الخصوم وإرسال الرسائل النصية إلى الفضائيات، وهذه الميلشيات وسيلة استخدمها نظام مبارك على نطاق ضيق، بمبادرة من فاروق حسني تحديدًا، وقد اضطررت شخصيًا إلى طلب إغلاق التعليقات على مقالي في القدس ولم تزل، وقد استجابت هيئة تحرير القدس على مضضلرغبتي منذ سنوات، لكن هذا الميلاد المحدود في عصر مبارك لن يبخس الجماعة حقها في الاعتراف بأنها صاحبة الفضل في استخدام البلطجة الإعلامية على نطاق واسع، وإن أكد السبق المباركي على أنها جماعة اتباع لا ابتداع !
والاتباع لسياسات مبارك واضح في كل ما يصنع الرئيس مرسي، بما يضعه في تناقض مع نفسه، وليس فقط مع مرشد جماعته . الرسالة الودية من مرسي إلى بيريز، التي كشفت عنها إسرائيل لم تجد من يرد عليها أو يبررها في القاهرة سوى وكيل سابق لوزارة الخارجية، صرح لبوابة الأهرام الإلكترونية بأن الخطاب روتيني، بصيغة ثابتة لكل رؤساء الدول، تكتبه الخارجية، لكنه عاد ليؤكد أنه لا يكون مقبولاً من الطرف الآخر دون توقيع الرئيس !
الجهاد دعوة روتينية من الجماعة بلا تبعات، والصداقة رسالة روتينية من الرئيس بلا التزامات، وليس العيب في أي منهما وإنما العيب في اجتماع الاثنين؛ لأن تضارب الرسالتين سيشوش المجاهدين الأغيارر، أما كوادر الإخوان، فلا تشوشهم مثل هذه التناقضات الصغيرة ، ولا يحول عقل بينهم وبين طاعة القيادة حتى لو غيرت قبلتها بين المغرب والعشاء .
لم يبتدع الإخوان في الحكم سنة لم يأت بها مبارك من قبل في تقنية إرهاب الخصوم في الشارع، باستخدام آلة الدولة التي يدفع المقموعون تكلفتها، واستخدام البلطجة الخاصة، لكن هذه الأخيرة انتهى بها مبارك، بينما يبدأ بها الإخوان حكمهم، فهل هي نهاية في صورة بدء؟
في الإعلام كما في الميدان، لم يتعلموا درس مبارك، حيث البلاغة المعلقة في الهواء لا تقنع جائعًا ولا تصلح أوضاع عامل مظلوم . كان مبارك يفاخر بأحد حفاري قبره من الصحافيين المنافقين : ( ميزته أنه بيشوفني أتخانق ينزل الخناقة وبعيدين لما نخلص يسألني إحنا كنا نبتخانق ليه يا ريس؟ ) وعلى الطريقة نفسها يخوض الإخوان معاركهم مع الخصوم، ولا يستقر رئيسهم في مكتب ليبتدع حلاً لمشكلة، بل يتنقل من مكان إلى مكان مثل مبارك الذي حط من شأن منصب الرئيس ليجعل من نفسه ملاحظ أنفار يتابع سير العمل في كوبري أو نفق .
وجه التجديد أن مرسي بين الجماهير في مسجد، ليستمد من حرمة المكان المقدس صمت الجماهير . صلى الجمعة في مرسى مطروح مفتتحًا مسجدًا بمئذنة هي الأطول في المدينة . الأرقام القياسية عديمة النفع هي نفسها، لكن طول النفق أو الكوبري في عهد محمد كوبري مبارك، أصبح طول المئذنة في عهد محمد مرسى .
يفتتح الرئيس المسجد وكان أجدر به أن يكون في مكان آخر، في المكتب يمثلاً، يبحث عن أساليب لحل مشاكل البلاد، أو حتى مشكلته الشخصية المتمثلة في التطابق مع مبارك والتناقض مع المرشد .
وإن كان لا بد من التواجد بين الجماهير، فلديه التحرير بدلاً من مرسى مطروح، وإن كانت قوى التحرير معادية ومطالبها معقدة، فلديه عمال معتصمون في ميناء العين السخنة، لأن هيئة موانئ دبي التي اشترت الميناء المصري أنهت عقود العمال بطريقة تعسفيه، وإن أراد مستوى تعليميًا أرفع، فلديه أطباء مضربون عن الطعام منذ أسابيع، من دون أن يسمعوا منه أو من ميلشيات جماعته جوابًا على سؤالهم المشروع : هل من العدل والإيمان أن يظل راتب الطبيب في المستشفى الحكومي خمسين دولارًا بالشهر؟ !
هي عقيدة نظام مبارك الاقتصـــــادية، مستمرة : تـــــرك العمال تحت رحمة المستثمرين، وتجاهل الاحتجاجات المشـــــروعة التي تتطلب حلولاً منطقية . وفي ظل عقيدة فاسدة كهذه لا جهاد في فلسطين ضد الصديق الغالي بيريز يمكن أن يثمر . مثلما لا يمكن للتحديق في مئذنة بمطروح أن يخفي الخوازيق التي يتجاهلها الرئيس الحائر بين مجانية شعارات جماعة سرية وبين ثمن المسؤولية الذي يتوجب دفعه .



* روائي وصحفي من مصر


( القدس العربي )

شاهد أيضاً

في مديح القراء الرائعين

*إبراهيم نصر الله يفرح القارئ حين يعثر على كاتب يفاجئه، ويفرح الكاتب حين يعثر على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *