الرئيسية / إضاءات / مقال أجاثا كريستي المفقود …!

مقال أجاثا كريستي المفقود …!


ترجمة : أحمد فاضل *

( ثقافات )

كان لابد لهذا المقال أن يظهر بعد 82 عاما من كتابته واختفاءه في ظروف غامضة ، مع أن كاتبته الإنكليزية الشهيرة أجاثا كريستي ( 1890 – 1976 ) كان معروفا عنها العناية الشديدة بأرشفة كتاباتها والحفاظ على أعمالها ، لكنه ولأسباب مجهولة فقد اختفى منذ عام 1930 حتى ظهر على صفحات صحيفة الغارديان اللندنية في عددها الصادر يوم الجمعة 28 سبتمبر / أيلول 2012 ، دون أن تعطي الصحيفة أي تفاصيل عن كيفية العثور عليه سوى الإشارة على أنه المقال المفقود منذ زمن طويل يعود للعام المذكور .
أجاثا كريستي في هذا المقال تكتب عن ملاحظاتها في معاصريها من كتاب الأدب البوليسي وكأنها تمارس دور الناقد في تلك الفترة الخصبة من حياتها وحياة كتاب الرواية البوليسية التي كانت تلقى رواجا كبيرا من القراء آنذاك ، وهي بنفس الوقت تعرض تجربتها في الكتابة البوليسية وتقدم نصائحها للكتاب الشباب ، كما أن الأسماء التي تناولتها لها مكانتها الأدبية في هذا المجال ولم يقترب منها أي ناقد في ذلك الوقت وهذا ما يميز مقالها محاولين قراءته والتمعن فيه بعد كل تلك السنوات . (المترجم ) .

لماذا يقرأ الناس القصص البوليسبة بالذات ودائما ؟ ربما لأن قصة المحقق يجدون فيها الإسترخاء الكامل والهروب من الحياة اليومية الرتيبة ، ومع أن الناس بجميع مستوياتهم مشغولة دائما في أعمالها خاصة منهم الرجال رفيعوا المستوى أو ممن يحملون الدرجات العلمية الكبيرة ، لكنهم يبدو أن لديهم الوقت الكافي لقرائتها وقياس درجة الذكاء الخاصة بهم وهم يقفون أمام لغز محير يتحدى فيه كاتبه براعتهم في التحليل ويجعلهم متيقظين ذهنيا لمتابعة أحداث ذلك اللغز الذي يحتاج الى تركيز وفطنة ولربما يكون القارئ على اطلاع في المسائل الجنائية ، هنا يتحقق الرهان الكبير الذي هو أقل بكثير من الرهان على الخيول أو القمار لأنه من النادر جدا أن تجد القارئ وهو يتابع أحد المجرمين من خلال قرائته للقصة البوليسية وقد حرك يديه وقدميه كما يفعل في تلك النوادي ، أو يحرك كرسيه المريح بعد أن تكون متعة المطاردة قد أوشكت على النهاية .
قبل الحديث عن تلك الروايات لابد لي أولا أن أشيد بآرثر كونان دويل رائد الكتابة البوليسية مع بطليه العظيمين شارلوك هولمز والدكتورواتسون ولعل أكبر خلق من الاثنين هي تلك الخصائص التي منحها لكليهما وأقصد بها تلك التقنيات التي ميزت عملهما في الكشف عن الجريمة مع إيمانهما المطلق بمبدأ أن تكون دائما على خطأ حتى لايركبك الإعجاب بنفسك ، وعلى غرار ذلك الخط من الكتابة ومنذ ذلك الحين تقريبا صارت الشخصية المركزية هو ” المحقق الخاص ” وهو جوهر القصة البوليسية ، من هنا جاءت شخصية المحقق هركيول بوارو لتشكل في كثير من الأحيان نوعا من الإحراج لي ليس في شخصيته ولكن في طريقة عمله بسبب ما يمتلكه من خبرة كبيرة في الحياة تمخضت عنها سنوات من الخبرة للطبيعة البشرية كذلك .
وينبغي أن أعطي كلمتي كذلك للكاتبة مارجيري Allingham الموجودة بيننا حاليا ، فهي واحدة من الكتاب المولعين بالخيال البوليسي وما يميز كتاباتها ليس فقط لغتها الإنكليزية المحببة ، ولكن رسمها المتقن للشخصية ، ولها قوة رائعة في خلق أجوائها السحرية التي يمكنك أن تشعربتأثيراتها من وراء الكواليس كما يقال ، وشخصياتها تعيش في ذاكرتك لفترة طويلة حتى بعد تركك لقرائتها فهي غير عادية ومنهم من عايشتهم الكاتبة فالسيدة فاراداي في قصتها ” الجنازة ” تبدو قاتمة ومستبدة ، أما جيمي في قصتها ” الحسناء ” فقد أحب راقصة يعتريها حزن غريب ، ميتة الروح كما تصفها ، لكنها مثيرة ما ، والشيئ الوحيد الذي يجمع بين أبطال قصصها هي الجريمة التي دائما ما تسند الكشف عنها الى رجال الكامبيون أو ما يسمون بالتحقيقات الخاصة (S I B ) حيث تتصاعد الأحداث بشكل دراماتيكي وحتى الخوف نجده يتصاعد حتى يبلغ ذروته مشعرا القارئ أن الجريمة آتية لامفر منها ، أو كقنبلة لاندري متى تنفجر ؟
أما دوروثي سايرز فقد أنهكتها القصة البوليسية على ما يبدو وهذا شيئ يبعث على الأسف بتحول اهتمامها الى مواضيع قصصية أخرى ، سايرز كانت تكتب بشكل جيد واستثنائي وتعتبر أحدى البارعات في ذلك الحقل حيث أنتجت عدة روايات مهمة أشاعت البهجة بين القراء منها ” جثته ” و ” وفاة غير طبيعية ” و ” هذه الأحداث غير السارة في نادي بيلونا ” هذه الرواية بالذات هي بالتأكيد من أفضل ما كتبت .
ومع ديكسون كار أو كما أطلق إسما آخرا على نفسه هو ديكسون كارتر فقد جاءتنا رواياته من أمريكا بسحر آخاذ واعتقد أن كتاب الرواية البوليسية وحدهم يمكن أن يقدروا خفة يده فيما سرده من أحداث ، وقد أكون محقة أو لا أكون حينما أسميه بالمشعوذ الكبير وملك فن التضليل ، كل كتبه كانت رائعة رائعة ، لكن أحداثها مستحيلة تماما كخدعة تحضير الأرواح ، وهو لديه موهبة سردية لا حدود لها ، فبمجرد أن تبدأ بقراءة قصة له لايمكنك تركها بسهولة ، حيث أن كل فصل قبل أن يشارف على نهايته يضع له تفسيرا معقولا ، وما بين مارجيري وسايرز وكارتر تقف بينهن Ngaio مارش بأسلوبها الطريف مع مايكل اينيس الكاتب البارع وغلاديس ميتشل ، هؤلاء جميعا نستطيع أن نقول عنهم أنهم وضعوا أساليب جديدة لقصص الجريمة امتازت بالعلمية ، اخترتهم بسبب إعجابي الكبير بهم ، والآن اسمحوا لي أن أتكلم بضع كلمات عن نفسي ، فمنذ ربع قرن مذ بدأت كتابة الروايات والقصص البوليسية لم انحاز الى شريحة معينة من المجتمع ، فقد كتبت عن الجريمة وسط الطبقات الكادحة والأرستقراطية ، لكنهم في أمريكا يطلقون عليّ إسم ” دوقة الموت ” ، وهو إسم لا أحبذه كثيرا ، ومع أنني استمتعت بكتابة تلك القصص وحاولت أن أكون أكثر انضباطا وتقشفا وهو أمر جيد يخدم عملية التفكير في هكذا نوع من الكتابة التي لاتسمح أن تكون فضفاضة أو مبتذلة لتتناسب كليا مع ما تضعه من برامج أولية لعملك هذا الذي يحتاج منك بناءا فكريا لجعل وظيفة الكتابة البوليسية مقنعة حقا .
لقد حاولت تغيير أسلوب كتابتي للرواية أو القصة البوليسية مرارا وأصبحت أكثر اهتماما على مر السنين بالوقوف في مواجهتها حرفا بحرف وقد أستاء من بعض مواقفها وتحدوني الرغبة بعدم الرضا عنها ، لكن عنفها سرعان ما يتفجر بسبب رعونة قاتل أو خطة لجريمة خطيرة كما في روايتي ” عشرة زنوج صغار ” ، أو ” جريمة قتل على النيل ” ، كان هيركول بوارو كثيرا ما يحجز لنفسه تذكرة داخل أحد القطارات كما في روايتي ” جريمة في قطار الشرق السريع ” ، أو طائرة ، أو قارب كبير ، عابرا فيها أوربا ليكون وجها لوجه أمام أناس غرباء ، أعطيت فيها واحدة من المشورات المجانية للكتاب الشباب عن كيفية عمل رجل التحري محذرة بالوقت نفسه أن يتم إنشاء هذه الشخصية المحورية بعناية ودقة فقد تمكث معك فترة طويلة جدا .




كتابة / أجاثا كريستي عن / صحيفة الغارديان اللندنية


* ناقد ومترجم من العراق

شاهد أيضاً

الكتابة في رمال الحرب المُتحرِّكة

خاص- ثقافات *د. مازن أكثم سليمان ليستِ الكتابةُ سوى فعل تحايُل! هكذا ببساطة هيَ التفاف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *