الرئيسية / نصوص / القط الذي علمني الطيران

القط الذي علمني الطيران



هاشم غرايبة *

( ثقافات ) تنشر الفصل الأول من رواية الأديب الأردني هاشم غرايبة ” القط الذي علمني الطيران ”


كهف الغرباء

.. صباحاً؛ عندما رأى المساجين يتجمهرون على شبك الساحة الداخلي، فيما قلم السجن يقوم بإجراءات تسجيله نزيلاً موقوفاً على ذمة المخابرات؛ تذكّر السيرك الذي أقيمت خيمته على الملعب البلدي في إربد قبل سنوات، وألهمه رسوماً زاهية نالت إعجاب معلّميه..
باص قريته نهاري لا يعمل بعد المغرب. والسيرك ليلي! اختار عسّاف جحشاً سائباً على البيادر، وقال لاثغاً حرف الرّاء: (تعال نركبه، ونروح السيرك)..
يتذكر أنه تفرّج على السيرك مع عسّاف، لكنّه لا يتذكر كيف توصّل عسّاف إلى صفقة مع متعهد السيرك الذي اشترى الحمار طعاماً لنمور السيرك مقابل دخولهما الخيمة.. وعادا مشياً على الأقدام..
وذهبا مرّة مع أصحابهما إلى إربد لحضور فلم “سنجام” الهندي الذي استدرّ دموعهم لخمس ساعات متّصلة!.. وعادوا ليلاً على ظهور الدواب يغنّون: (ميري منكي جمنا، ميري منكي جمنا.. بور راسا بور سنجا، بوقا كي ناهي.)

– مرحبا ابن عمي!.. الحمد الله ع السلامة.
ميّز وجه عسّاف بين الوجوه المحتشدة على الشبك الداخلي للسجن، وهتف بفرح ملوحاً بيده: “ميغي منكي جمنا.. “
*
لما ترفّع إلى المدرسة الثانويّة في إربد.. صار يمرّ كلّ صباحٍ وهو يصعد التل إلى المدرسة من أمام السجن الرمادي العتيق الذي يطلّ على المدينة الخضراء متوعداً.. فيتخيّل كائنات متمردة خلف القضبان تزمجر محاولة أن تكسر أقفاصها، أو تقبع في الزوايا متظاهرة بالانصياع فيما تفكّر بالهرب!
الآن وقد دخل القفص تحضر ملهاة “النمور في اليوم العاشر” لزكريا تامر.. يتساءل بمرارة:
– هل أنا في اليوم الأول؟..
– لماذا تحمّلت ثلاثة شهور من العناء في زنازين المخابرات؟!
ابتلع مرارة السؤال، وتوقّف عند الخطّ الفاصل بين الظلّ وبين سطوع الشمس، واستدار يستمتع بالشمس الصّاعدة من الشّرق.. فالخروج من مبنى المخابرات إلى السجن يعدّ فرجاً بعد التحقيق، والشّبْح، والفلقة، والإضاءة الساطعة على مدار الساعة..
كأنما كان يمارس نوعاً من التنويم الذاتي لحواسّه: تحمّل الفلقة، و”الفروجة”، والضرب في ساحة التحقيق على أنحاء جسمه بعصي الخيزران.. وبعد كلّ جولة يُلقى به في الزنزانة مدمى وسعيدا!!.. فيوطّد العزم على تجاوز ساعات “الشّبح” بحزم؛ حيث كانوا يربطون يديه إلى قضبان الكوّة الكحليّة في أعلى الباب، ويبقى واقفاً زمناً رصاصياً لا يدري هل هو مقتطعٌ من الليل أو النهار.. يستعين بأحلام اليقظة لمواجهة الزمن، يستحلب رائحة الياسمين من ذاكرته، ويفكّر في لذّة التحدّي بصمت جريء منتظراً لحظة الفرح الخارقة حين يفكّون يديه!..
كان الضرب أهون من الشّبح، ربما لأن الخيبة كانت ترتسم على وجه الخصم بوضوحٍ أمام ناظريه!.. أما “الشّبح” فيضعه أمام جدار الزمن المصمت.. إلى أن يفكّ قيده حارسٌ لا يبدي شماتة، ولا يجرؤ على التعاطف..
وجاءت ساعة مختلفة عن كل الساعات التي واجهها بعنادٍ وثبات.. واجه خلالها وسيلة تعذيب مبتكرة لم تخطر على باله، ولم يقرأها في الأدبيات الحزبيّة التي تتحدث عن تجارب الآخرين: أخذوه إلى “الساحة”، كلبشوا يديه إلى الخلف. ربطوا إبهام رجله إلى تمرة عضوه بخيط نايلون قصير!!.. وقفوا يتفرجون عليه!
لم يفكّر بالياسمين، لأن جسده أُنهك خلال دقائق، وداهمه ألمٌ لا يطاق يشعّ من سلسلة الظهر، ويصعد إلى الرأس مثل كرة من لهب! حاول استحضار أحلام اليقظة التي برع بها ساعات “الشّبح” على باب الزنزانة فلم يفلح! وفي لحظةٍ بالغة القسوة شعر كأن مسنّنات دماغه تتفكك، وتدور عارضة صوراً وأفكاراً خارج السيطرة! فزع فزعاً شديداً، ورفرفت راية الاستسلام غائمة في خاطره..
لحظة قرر الانهيار، أغمي عليه!..
لما أفاق؛ تفقّد عضوه فوجده متورماً.. داعبه فتحرّك. اطمأن وعاود النوم.. نام نوماً عميقاً وبلا أحلام.. بعدها توقّف التعذيب!
هل حقاً توقف؟
وجد نفسه وحيداً في عتمة اللمبة المضاءة على مدار الساعة! يواجه الزمن بثقله وتوقفه وعناده.
الوحدة صحراء تزحف إلى لبّ الروح. في العزلة يطير الطائر ما بين المنكبين أربعين خريفاً لا يصل..
صار يتمنّى جولة من الجَلدِ تؤنس وحشته، وتعيد ذاكرة الياسمين إلى خياشيمه!
ليلة في العزلة كألف ليلة مما تعدّون.. ما أصعب أن يعاشر الزمن وجهاً لوجه بلا شريك.. يواجهه في توقفه وتخفّيه.. الزمن لا يُرى نهره في العتمة الساطعة، ولا تدرك ضفافه عبر التكرار الصارم لوجبات الطعام، ومواقيت الخروج إلى الحمّام!..
بعد زمنٍ لا يدري مداه، انضمّ إليه في الزنزانة زميلٌ من حزب التحرير الإسلامي آنس وحشته!.. فأينعت شجيرة الياسمين في روحه، واتسعت الزنزانة أضعافاً مضاعفة بوجود شريك يقص عليه حكاية “الأمير الصغير” التي يحبها، فصار المكان قاعة للمناظرات، وملعباً للشطرنج، والضّامة، والقطار، والغولف أيضاً، وساحة للرهان على عدد النملات في الغرفة، ومكونات فطور الغد، وشكل الخفير المناوب..
وصاروا يعاملونه معاملة حسنة حتى ظنّ أنه سيفرج عنه..
ذات مساء جاء المحقق المناوب لتفقد الزنازين..
قال للتحريري: انصحه لزميلك. شيوعي متيّس. بده نصير مثل روسيا.. الناس هناك يحلموا ببنطلون جينز ما يطولوه. الستات هناك يشرمطن مشان علكة. همبرغر ما عندهم.. هأ هأ هأ.. وبالصين الشيوعية ما يعرفوا الخبز!
ردّ التحريري بنجابة جاءت في غير وقتها: خذوا الجينز والعلكة والهمبرغر.. والخبز كمان. مقابل أنتمي لأمة عظيمة، ودولة صاحبة قرار!
– هلا هلا، هاي متفقين علينا.. فرقوهم!
فرّقوهما، وعاد الفتى بغط إصبعه بمرق البندورة، ويرسم على الجدار “أفعى تبلع فيلاً”، فيبدو الرسم مثل قبعة مبعوجة!!
في صباحٍ ما، سمحوا له بالاغتسال، وألبسوه ملابسه العاديّة! وسمحوا له بمقابلة والده..
*
في ساحة السجن، تزاحمت على لسانه استفسارات كثيرة لم يطرحها على ابن عمه عسّاف النصّاب الذي استقبله بحفاوة، وحمل “برشه” وبطانياته بمبادرة ودودة..
في زنازين المخابرات كان ينام على فرشة اسفنج تعدّ وثيرة بالقياس إلى هذا البرش المعفّر برائحة بودرة الـ “د.د.ت”، ويبدو مثل بساط صغير لحمته من بطانيات قديمة مسرّدة إلى قطع طويلة، وسداه خيطان قطنيّة غليظة!
عسّاف يكبره بسنتين، ولكن السنتين تعتبران فارقاً كبيراً لمن هم في مطلع العشرينات من أعمارهم، وتلزم عسّاف بواجبات ابن عمه الأصغر..
تجاوزا حوض ماء يسمّونه هنا “البركة”، وقطعا خط سير ثلة من الأفنديّة ببدلات وربطات عنق وأحذية لامعة.. وهم يذرعون الساحة ذهاباً وإياباً بخطى سريعة، وجديّة عالية، غير آبهين بالظلّ وبالشمس!.
علّق عسّاف: أفنديّة الدار البيضا..
تفاجأ الفتى أن هنا أفنديّة، ويقطنون داراً بيضاء!..
زغردت امرأة في مكان ما! ضحك عسّاف: يمكن واحدة منهن أجاها إفراج.. وأشار إلى الجهة الجنوبيّة الشرقيّة قائلاً بلا اكتراث:
سجن النسوان!
احتفظ الفتى بتعجبه لأن المشهد الذي أمامه صار أكثر غرابة: رأى ثلّة من الأولاد مشطّبي الوجوه، موشومي الأذرع، يغطسون في حوض ماء يتوسّط الساحة، ويتراشقون صاخبين.. نهرهم عسّاف مرغرغاً حرف الراء: لا تطغطشونا بالمي..
أول سؤال خطر على باله: لماذا يمشي المساجين بسرعة؟ إلى أين هم ذاهبون؟ لم يسأل.. فقد تعلّم في الزنزانة التعايش مع الغموض.
دخل عسّاف “ليوان” عميق يفصل بين بابين عريضين، واتجه يساراً إلى “القَاووشْ”• الجنوبي، فتبعه الفتى.. شعر كأنه يدخل “مغارة”. المكان معتم، وتفوح منه رائحة عطنٍ عتيق، وأمونيا حادّة مختلطة برائحة بصل مقلي!
القَاووشْ ليس فيه ميزات تذكر سوى باب حديد عريض، أما في الدّاخل فالأرضيّة كلّها مفروشة بالنزلاء.. ورأى خيطاً من البراغيث يتسلّق إطاراً خشبياً خرّمه التسوّس لنافذة نصف نافذة، يتدلّى عليها عنكبوت ترثو نسيجها بصبر وأناة..
*
عسّاف يتردد على السجن منذ نعومة أظفاره.. فقد بدأ حياته المهنيّة وهو في الصّف السادس عندما كان يبيع “سجائر فرط” للطلاب، واتضحت مواهبه يافعاً عندما استفاد من حقيقة الوزن النوعي للزيت.. فباع طناً من زيت الزيتون لتاجر في عمّان، واكتشف التاجر أن الصّفائح مليئة بالماء الذي يطفو على وجهه بعض الزيت..
صدق المثل القائل: النصّاب أكل مال الطماع!
جعبة عسّاف في النصب والاحتيال لا تنضب، لكن خبرته كسجين ساندت الفتى في سرعة الاستقرار في هذا المكان العجيب.
أفسح عسّاف مكاناً لابن عمه “الغر” إلى جانبه بلا اعتراض واضح ممن حوله.. وكان ثلّة من المساجين يتناجون في الركن الجنوبي الشرقي على مقربة من الفسحة الضيقة التي فرش فيها برشه.
ازدحام فظّ، لا يوجد مكان لشيء لا على الأرض، ولا على الجدران.. كلّ مساحة إصبع مستغلّة بطريقة ما..
السقف ينبعج إلى الأعلى، وحجارة قباب السقف الصّغيرة مكشوفة؛ ويتدلّى من بين مفاصلها جدائل أسلاك كهربائيّة عشوائيّة، وحزم أمتعة، ودلاء بلاستيكيّة، وملابس، وأدوات طبخ مشحبرة..
في الجدار الغربي كوّة سوداء عالية، تسمّى شباكاً، وإلى الشرق شباكان استعملا كخزائن لحاجيات المساجين، وما بينهما كتابات “مسماريّة” مخطوطة على سواد الجدار..
السجن للرجال..
كلّه من النسوان..
“خولقت” للعذاب..
(سيشاهد ذات العبارات مقترنة بخنجر أو قوس وسهم أو أفعى.. موشومة على سواعد وأكتافٍ وصدور كثيرة هنا..)
قال “ختيار” ذو أنف ضخم من الذين يتناجون في الركن:
– ظل حدا هناك؟
ردّ الفتى باستغراب: وين هناك؟ شو قصدك!
– في إربد.
– ناس؟
– ناس!
– طبعاً.. كثير.
– رح يظلّوا هناك مدة طويلة؟
– إيش مدة طويلة؟
– هاهاها
انفجر الجمع بالضحك.
قال الرجل الذي يتوسط الثلاثة: الأخ حرامي؟
ردّ عسّاف مرغرغاً حرف الراء:
– أبوك “حغامي”.
توجّه الرجل إلى الفتى:
– لا تزعل مني.. أنا “أبو حديد” شاويش السجن، طبعاً علي أن أعرف كل شي. شو قضيتك؟
رد عسّاف: سياسي.
– إيش سياسي؟
شعر الفتى بكلمة “سياسي” كبيرة عليه.. فسكت، ولم يجب..
الرجل الثالث ظلّ مطرقاً وصامتاً!.. لكن وجهه بدا مألوفاً للفتى.
تابع شاويش المهجع استجوابه: الأخ فدائي؟
رد عسّاف: حزبي.
قطع الاستجواب دخول شاويش حقيقي صغير الرأس، سمين الجذع، رفيع الساقين، يتهادى مثل بطّة، بيده ورقة وينادي..
– عماد الحوّاري..
وقف الفتى: نعم.
– تعال، المدير يطلبك.
خرج عماد مع شاويش الشرطة..
– أسرع.. يديك ورا ظهرك.
نفّذ.
اجتازا الساحة، ووقفا بين البوابتين..
كانوا يقتادون سجيناً جديداً..
– مرحبا حيدر.
– أهلاً يونس.
(ردّ الشاويش على شرطي آخر)
– هات سيجارة.
– “لولو”..
– إن شالله هيشي. محشش.
– لص؟
– لأ.. قاتل، وسجينك؟
– شيوعي.
– عوذا..
أشاح يونس جانباً، ومال بجذعه الطويل مثل صندوق العجب، وتفل في عبّه ثلاثاً!
غمز وكيل شرطة ذو سحنة مصفرّة الشاويش حيدر، وهزّ رأسه باتجاه درج داخلي يصعد إلى الإدارة، فأخذه حيدر إلى مدير السجن.
تكرّر الطلب، وصارت زياراته لمدير السجن منتظمة يومياً لأسبوعٍ قادم حتى صار الأمر لا يطاق لكليهما.. وصار عماد يعرف ماذا سيقول المدير، وماذا سيفعل. وإلى أين ينظر.
.. سيخرج قلم Bic من جيب سترته العلوي.. يخرجه.
سيدقّ الطاولة بأسفل القلم دقّات رتيبة.. يدق.
سيسحب غطاء القلم، ويثبته من الجهة الأخرى.. يثبته.
سينفخ في كفيه.. ينفخ.
سيقرأ الورقة التي أمامه.. يقرأ:
(أنا الموقع أدناه، أستنكر الحزب الشيوعي الهدام، وأعلن ولائي وإخلاصي لجلالة الملك المفدى، ولحكومته الرشيدة.)
سيقول: وقّع هنا.. يقول.
سيرمي المدير القلم على الدفتر بضجر.. يرميه.
سيلقي فروته عن كتفيه.. يلقيها.
سيقوم إلى المدفأة في وسط الغرفة.. يقوم.
سيرمي طاقيته على الطاولة.. يرميها.
سيمسح صلعته براحة كفه.. يمسحها.
سيعود للجلوس إلى الطاولة.. يجلس.
– يا إلهي ما أضيق عينيه!
الحاج “مُلقي” مدير السجن رجلٌ طيب، يعرف بحدسه أن انصياع سجينه للتوقيع سيكون خدمة لا تنسى “للباشا”.. لقد حوّلت دائرة المخابرات القضيّة إلى المحكمة، لماذا يُقحم نفسه في هذه المهمة؟ هل يُشفق على الولد؟.. ربما، لعلّ الدافع وراء هذه المناورة اليوميّة هو كسب رضا الباشا..
أثناء هذه المواجهات لم يكن يفكر بالدفاع عن أنبل وأصعب فكرة راجت في القرن العشرين، ولم تحضر مقولات ماركس ولينين، ولا كان يدافع عن برنامج الحزب الشيوعي الأردني.. كانت لعبة “مجاحرة” تنتهي بفعلي أمر متلازمين:
(اعترف!!!.. استنكر!!!)
فلم يجد غير غصن الياسمين يتمسك به، واسترجاع حكاية الأمير الصغير يتسلى بها، والعناد يستمتع بإشهاره سلاحاً يرسم الخيبة على وجوه خصومه!..
ظلّ وفياً لرائحة الياسمين، ويشعر بسعادة غامرة كلّما أمعن في العناد..
يعاود الحاج مُلقي الدقّ بالقلم على الطاولة بملل.
– إذن ستواجه المحكمة.

– إنها محكمة عسكريّة..

– لا تمييز ولا استئناف..

– عشر سنوات مقابل التوقيع على سطرين؟!
في البداية كان يقول كلّ جملة على حدة، وينتظر الرد. ثم صار يختصر فترات الصّمت بين الجمل؛ حتى وصل به المطاف إلى قولها سريعة متتابعة وكأنه يُسمع “محفوظة”: إذن ستواجه المحكمة، محكمة أمن الدولة، إنها محكمة عسكريّة، لا تمييز ولا استئناف، عشر سنوات مقابل التوقيع على سطرين.
لما سمحوا لأبيه بزيارته في مكتب مدير المخابرات، هتف به حانقاً: انت مجنون ولك، تقبل يحكموك عشر سنين بدل التوقيع على سطرين حكي، لا يزيدوا بملك سيدنا، ولا ينقصوا من طولك فتر!
ردّ مبدياً خفّة دمٍ راقت لوالده: يابه أنا واحد مجنون زي ما بتقول، لكن الحكومة مجنونة تسجن واحد عشر سنين مقابل سطرين حكي؟..
أطرق والده، ووجّه شتيمة دارجة للحكومة: (خرا على هيك حكومة)، وتظاهر المحقق بأنه لم يسمع.
*
خلال زمن قصير اكتشف عماد فوائد الهرولة في السجن!.. وتعوّد دقّات كنيسة الروم المجاورة أيام الآحاد. وتعرّف على أصوات الباعة غرب شباك المهجع الذين تتغير نداءاتهم وألحانهم حسب بضائعهم، وصار يصغي لنغمات الطبلة والزغاريد خلف الجدار الشرقي.. وتخيّل نساء مارقات شهيّات يرقصن شبه عاريات هناك..
صار له حيزٌ على الحائط بعرض تسعين سنتمتراً يعلّق عليه أشياءه. وله امتداد هذه التسعين سنتمتراً على الأرض مسافة متر ونصف، فعلى نزلاء السطر الذي ينام فيه أن يثنوا سيقانهم عند النوم ليلاً ليفسحوا المجال لمن ينامون في الممر النهاري المتاح بين السطرين الشرقي والغربي..
نزلاء الممر ليلاً هم “الزُّقْرُط”: عامّة المساجين الذين لا حول لهم ولا قوة، يقضون وقتهم في شكّ الخرز، ونسج جرزات الصّوف، وعمل مسابح طويلة من نوى الزيتون..
تعوّد عماد أن يسهر في الليل، وينام بعد أن يفرغ المَرْدَوَان من نزلائه كي يمدّد ساقيه بطولهما!.. فيرى العجب: الشخير والنخير. وذاك الذي يمشي وهو نائم. والذين يتبادلون المواقع لأسباب غامضة. والذي ينام جذعه على الأرض وساقاه مستندتان إلى عمود الوسط..
عند قدميه مباشرةً كان ينام لصّان “خلف خلاف”، أي رأس هذا عند قدمي ذاك.. استيقظ أبو زهرة على ارتعاشات جسد القط، ولهاثه المريب.. استند مستنكراً: شو فيه؟!
وضع القط قدمه في صدر أبي زهرة المشجر بالجروح الملتئمة، ودفعه: انطم ولك.. عيب تتجسس علي..
عش رجباً ترى عجبا!.. لولا عسّاف لكان مبيته بين هؤلاء في الممر.. لكنّه “محظوظ!” لأنه صُنّف مع عسّاف في الطبقة الثالثة من النزلاء.. فالسجناء هنا خمس طبقات حسب تصنيف الختيار:
1- العفش: لأن عفشهم؛ أي فراشهم وأغطيتهم وأوانيهم وطعامهم من خارج السجن، وهم سكان الدار البيضا.
2- النواطير: عرفاء المهاجع ومن وازاهم أو حاباهم أو رشاهم.. ويحتلّون زوايا المهاجع، ويتنافسون لاحتلال أحد الشباكين لاستعمالهما خزائن بالغة الأهميّة.
3- النزلاء: نزلاء السطور الأربعة المستندة إلى الجدران مثل أصحاب الدكاكين، والذين يتلقون دعماً مالياً من ذويهم مثل عماد..
4- الزقرط: ينامون متراصّين خلف خلاف؛ ويتكوّرون على أنفسهم في المساحات الميتة حول قواعد الأعمدة الضخمة.. هم أول من يستيقظون صباحاً، وينامون بعد تناول وجبة العشاء مباشرة..
5- السفراء، وهم شمّيمة الآغو، والسكرجيّة العابرون، وضرّيبة الشفرات، والنشّالين، ومن لا والي لهم ممن قُبض عليهم في “ظروف تجلب الشبهة”.. لا مكان محدداً لهم في السجن، ولا خارجه! لذا فهم “سفراء” رُحّل دائماً.. وفي سجن المحطة المركزي لهم مهجع خاص بهم يسمى السفارة!
.. قد يرتقي “النزيل” إلى مرتبة أعلى، وقد ينزل إلى منزلة أدنى. ولكن لا مناص من ذكر ملحق خاص بفئتي “التنابل” و”العصافير”: العصافير هم أعين الإدارة، وآذان الأجهزة الأمنيّة الكثيرة.. ويغضب واحدهم إذا نعتّه بالعصفور.. وهم مبثوثون على درجات السلم الخمس كلّها.. ومثلهم فئة التنابل الذين قرروا مواجهة الحبس بالتنبلة، والنوم، والتطنيش. موجودون في كلّ مهجع، وأشهرهم معالي الوزير، نزيل الدار البيضا.
*
يعدّ المساجين مرتين يومياً: العد النهاري؛ ويتم بعد الغداء بوقوف المساجين في الساحة طابور بخمسة مسارب. كل خمسة بجانب بعضهم بعضا.. والعدّ الليلي يتم بأن يقف المساجين كل واحد على برشه ومن يتم عدّه يجلس.. ويعاد العدّ إذا لم يتطابق مع الرقم الإجمالي المسجل عند قلم السجن.
جاء الشاويش حيدر بعد العدّ المسائي.. تخطّى أجساد النائمين في الممر بحرص، وجاء إلى حارة أبو حديد.. كان عماد مستمتعاً بالاستماع إلى المساجين، وهم يتبارون في تجويد حبكات قصصهم، ويضخّمون بطولاتهم..
المساجين صادقون وقساة، وإذا شاب قصصهم بعض المبالغات المكشوفة؛ فهي تخرج من باب الكذب وتدخل فضاء التهريج، أو متعة الحكاية!..
شاركهم الشاويش حيدر الحديث. وتدخل بين لاعبيْ شطرنج..
– انخش حصانك يا بو زهرة.
– لا.. يعقط يا شاويش.
ضحكوا..
أخرج شاويش الشرطة ورقة وقلماً، وتوجّه لشاويش المهجع:
– طلباتكم يا بو حديد. شو ناقص عندك؟
– خير يا طير؟
– خالتنا الحكومة صايرة حنونة هالايام، شو السيرة!
نهرهم حيدر: مِشْ عاجبتكم الحكومة يا همل؟
– حكومة روعة. هاهاهاا
– مين قدّنا؛ شرطة، وأجهزة أمنيّة، وقضاة، ومحاكم يسهروا ع راحتنا.. هاهاهاهاها
– خالتنا الحكومة تقدم لنا الطعام مجاناً..
– قصدك العلف. هاهاها
– والخدمة الصحيّة مجاناً..
– أسبرين لكلّ العلل..
وتداخلت الأصوات في هذر ساخر، فأخرج حيدر صفارته من جيبه، في إشارة تحذيريّة، وقال:
– كل واحد يضب على اللي عنده. أنا فعلا مكلّف بنقل طلباتكم للإدارة.
– شو؟ الصليب الأحمر جاي تفتيش بكرة؟.
تدخّل الشاويش أبو حديد: خالتكم حنونة، وتسأل عن طلباتكم ليش الزعل..
أشهر الشاويش حيدر ذيل قلمه، وأشار نحو عماد: نبدا من عند الضيف..
ردّ عماد بجديّة ندم عليها: هذا سجن هذا؟ هذا اصطبل. زريبة..
سارع عسّاف بامتصاص تقطيبة الحاجبين التي ألمّت بالشاويش:
– أنا عندي طلبات يا شاويش.
– هات يا عسّاف.
قال عسّاف بفصحى ساخرة: أنتم لا تنظمون لنا رحلات سياحيّة.
(ضحك حيدر)
كرّت سبحة السخرية من جديد:
– راتبي قليل..
– كندرتي ضيقة يا شاويش.
– مرتي تطلب الطلاق.
غضب الشاويش حيدر، وهتف:
– من العمود وجوا كلّكوا محرومين من “الفورة” بكرة.
ردّ صوت من المَرْدَوان بدا نائماً طيلة الوقت:
– يا لطيف. حرمتنا من نزهة على شواطئ الريفيرا..
قال حيدر بمزاج رائق: انت صاحي يا نص نصيص؟ قوم فرجينا تمثيليّة..
قام القط يؤدي مشهداً كوميدياً، ويستقطب هدوء المهجع:
(ها هو القط يتقدم. ها هو يتناول ربع الكونياك.. بوغوص لا يترك القنينة قبل أن يتناول ثمنها. يفلت القط يده عن “بريزة” بحالها. يلتقط بوغوص البريزة. يعيد له قرشين.
– ثلاثة يا بوغوص.
– لما ترجع القنينة توخذ القرش. (يقول بوغوص).
يقلب القط الربعيّة في فمه. يأخذ نفساً عميقاً. ينفض رأسه فتهتز شفتاه، وينفخ منتشياً..
– ديزل!.. خذ الزجاجة يا بوغوص. لا ترجع القرش. أعطني بالقرش مخلل..
يأكل القط المخلل. يشعر برغبة في جرعة أخرى، بوغوص يقول له الدفع أولا.. ماذا يفعل المسكين؟
– هه. يسرق!
– وماذا تفعل عين الحكومة الساهرة؟
– تحبس القط..
– يسهرون من أجلي! هههه..
كأنه لا يوجد لصوص في هذه البلدة غير القط!)
هذه أول مرة يضحك فيها عماد من قلبه.. لقد شخّص القط دور بوغوص بلكنته الأرمنية، وكرشه العريضة، ورموشه التي لا تكف عن الرفيف، وأدى دور الزبون الدايخ، وتقمّص عين الحكومة الساهرة.. لقد أدى المشهد بمهارة..
خرج حيدر وهو يضحك مردداً: مجانين. مجانين..
ونسي أن يخبر عماد بموعد محاكمته التي تقررت في 26/4/ 1977م!

شاهد أيضاً

هل التاريخ لا نهايةٌ من الطّرائد؟

*أدونيس 1 – تعِبَ الأفقُ في عالمنا، من ثِقَل الأجنحة التي تحمل حقائب البريد، الآتية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *