الرئيسية / قراءات / قراءة في كتاب نقد السرد

قراءة في كتاب نقد السرد


فيصل خرتش

يتناول كتاب “نقد السرد”، لمؤلفه، الدكتور أحمد زياد محبّك، مفهوم ورؤى الأدب
كركيزة فكرية حيوية في حياة الإنسان، تتطلب توافر الحرية وفضاءات التعبير غير
المقيد.


ويدرس الدكتور محبّك، في هذا السياق، مجموعة نماذج، من بينها: قصة قصيرة، تحت
عنوان ” البريّة “، من نتاج عبد الله أبو هيف، اختيرت من غير قصد ولا تخطيط، على
سبيل العينة.. وهي من مجموعة تم نشرها في اتحاد الكتاب العرب عام 1984، بعنوان “ذلك
النداء البعيد ” .


ويبين المؤلف كيف ان القصة تصوّر واقع الحياة في مدينة ذات سور تتسرب إليها
حاملة الرمال، والناس يشكون الجفاف، يرتحل بعضهم إلى البرية، فتظهر البرية أكثر
جفافاً. وتنتهي القصة بخروج أحد الرجال من خيمته، حاملاً بندقية، ومتوجهاً إلى
البرية الواسعة.


إنّ قصة ” البريّة ” هي قصة بيئية، يقوم المكان فيها بطلاً، وهي أشبه بلوحة فنية
قاحلة، يغلب عليها اللون الأصفر، وتظهر فيها البيوت الشاحبة والوجوه الباهتة. ووحّد
بين عناصرها المكان، وجعل منها قصة فراتية بامتياز، وليس من السهل كتابة قصة من هذا
النوع.


وأما القصة الثانية التي يختارها محبّك، فهي لمحمد جبريل، من مجموعة “الوقائع
القديمة “، بعنوان : ” انكسار الرؤى المستحيلة “، صادرة عن هيئة قصور الثقافة في
القاهرة عام 2008 . والقصة هادئة، لا صخب فيها ولا عنف ولا حوادث ولا أفعال، وتدور
حول شخصية مدانة وتحكي عن موقف من الحياة، غير شريف، ومع ذلك فالقصة مشوقة، لأنها
قصة بوح شخصي. وهي متماسكة، يشد بعضها البعض الآخر، بقوة الفن وبسلاسة التعبير
وشعرية الموقف.


كما يتطرق المؤلف إلى عينة أدبية اخرى تتمثل بمجموعة ” رحلة خيال ” القصصية
للكاتب زياد السراج، التي نشرت عام 2010 في دار عبد المنعم بحلب، موضحا انها تنتمي
إلى الخمسينيات من القرن العشرين، في لغتها وأسلوبها وموضوعاتها، وتعد نزعة
رومانتيكية قوامها الحب والحرمان، وثنائية الحبيبة والزوجة.


أنه يتحقق حضور المستعمر في رواية ” اللاز ” ( ط ثالثة، الشركة الوطنية، الجزائر
1981 )، لمؤلفها الطاهر وطار، بظهور ثلاث شخصيات أساسية، وهي : الضابط، مساعده
الملازم استيفان، الحارس بول. والضابط فيها، حاضر في معظم صفحات الرواية، وشخصيته
كثيفة مثيرة، تملك خصوصيتها، وإن كانت منفرة وليست جاذبة، كما تثير الحقد عليها
لتكوينها الجسدي والاجتماعي والخلقي .


وليس للضابط في الرواية اسم يحدّد هويته وكأنه محض جسد، وهو يحكم قرية من غير
اسم أيضاً. ولعلها تصلح لأن تكون أي مكان في العالم، يحتله أي مستعمر كان، في أي
زمان كان، والضابط مجرّد جسد يأكل ويشرب وينفعل ويتوتر ويغضب، ولا يقدر على فعل أي
شيء مع الآخرين.


ولا يتوقف المؤلف عند تلك النماذج فقط، إذ يسلط أضواء بحثه وتنقيبه على أعماق
مضامين أعمال عديدة. فنجد معه جماليات وندرة ماهية تصوير شخصية ” غالب ” بطل رواية
“السفر إلى حيث يبكي القمر” للكاتبة سها جودت ( منشورات اتحاد الكتاب العرب في دمشق
2004 ). فهي لفتى مغامر ، حياته حافلة بكل ما هو مدهش وغريب عن المجتمع.. إنه ينتمي
إلى قاع المجتمع، وبعض مغامراته تقع في السجن، وفيه تنتهي حياته، وأيضاً
الرواية.


وفي ختام الكتاب، يقدم لنا محبّك، بحثاً موسعاً في متعة الرواية، فيقدم رأيه في
قراءة الرواية وفي كتابتها وإبداعها، مشيراً إلى ان الكاتب عندما يبدع رواية ما،
يحسّ بالحرية الكبيرة في التعامل مع الحياة، ذلك لأنّه يصنعها بنفسه، فيبني
الشخصيات ويركب الحوادث، ويقدم ويؤخر، ويشعر بأنه قادر على فعل شيء، وهو يتحرك وفق
رغبته، فالزمان ملكه، وبمقدوره أن ينتقل في المكان كما يريد، ويزداد إحساسه قوّة
عندما يجد نفسه في لحظة انطلقت فيها الشخصيات بنفسها، وأفلتت من يديه وأخذت تصنع
وجودها بنفسها، والحوادث في طرق لم يتوقعها من قبل، كما تزداد نشوته عندما يجد
تفاصيل جديدة، لم يفكر فيها من قبل، بدأت تتضح أمامه، وتنداح وتتوالد أمامه مثل
فراشات تسبح في النور .


وعندما ينتهي من كتابتها، يشعر بمتعة متميّزة، كونه أنجز شيئاً ما. ويشدد المؤلف
في هذا الصدد، على حقيقة مفادها أنه، وفي كلّ الحالات، يبقى الميل إلى السرد قراءة
وإبداعاً، وحاجة إنسانية لا بدّ أن يلبيها كل فرد، حتى وإن اختلفت أشكال التحقيق
والتلبية، بين حدّ أدنى في الحكي والاستمتاع، وآخر أقصى في النقد والإبداع .


ولا ننسى أنّ كلاً من القصة والرواية والشعر هي أجناس أدبية، تصنع الأدب الذي
تسمو به النفس وتصفو به الروح، ويرقى العقل، ويقوى الوعي، وينمو الشعور، وازدهار
الأدب إنما هو دليل صحة وسلامة في المجتمع . وازدهار الأدب يعني أنّ الناس لم
يغرقوا في طغيان الحياة المادية والمعيشية، وأنهم ما زالوا يبحثون عن السمو والرقي
من خلال الأدب الذي يؤكد إنسانية الإنسان .



متعة وقيم



تنبني دراسات الكتاب، على مفهوم الحرية في الأدب، ذلك كونها قيمة، بحدّ ذاتها،
وكذا الحاملة لقيم الجمال والحقّ والخير، والتي لا يمكن أن تتحقق من غير توافر
الحرية . فهذه هي – حسب مؤلف الكتاب- متعة الحياة، وهي نفسها متعة الأدب، فقوامها
التجديد والإبداع والتعدد والتنوع، بل الاختلاف .



المؤلف في سطور



الدكتور أحمد زياد محبك، كاتب وناقد سوري. نال شهادة الدكتوراه في الأدب العربي
من جامعة حلب، وهو يدرّس فيها. لديه كتب عديدة، أهمها : حركة التأليف المسرحي في
سورية، متعة الرواية، اللغة العربية وثقافة القرن الحادي والعشرين.



الكتاب: نقد السرد


«دراسات


في الرواية


والقصة


القصيرة»


تأليف: د. أحمد زياد


محبّك


الناشر : دار الفرقان


للغات


حلب 2012


الصفحات: 144 صفحة


القطع: الكبير

 

– عن البيان

شاهد أيضاً

«ذاكرة المقاعد الخالية».. كما يرسمها المطرفي

يقول الروائي الشاب محمد المطرفي «أن تكتب، معناه أنك ستعيش دائما تحت المقصلة، ستكون نصوصك …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *