الرئيسية / نصوص / ثلاث مرايا لوجه واحد

ثلاث مرايا لوجه واحد


ربيع محمود ربيع
  المرآة الأولى

تقفُ متوسطاً الشارع المزدحم، ومتوسطاً مثلثاً أنتَ أحد زواياه. على أحد الزوايا يقفُ الأب، تقابله البنت. يتقدم الأبُ، يتمايل في مشيته، يصفعها على خدها وينهال عليها ضرباً، تدفعه عنها وتواصل هربها. يختفي هو. البقال يقول إنه رآها تكلم ابنَ الجيران، يقول آخر: بل رآه وهو يحتضنها يريد تقبيلها. حارس العمارة المجاورة يحتج؛ فالقبلة والحضن والكلام مع ابن الجيران لا يدفعه لفقدان أعصابه وضربها أمام الناس، يقول ذلك ويضرب ضربته :(لا بد أنها حامل)، ويتقدم آخر، -تبدو عليه علامات الحزن-: (لا تظلموها..فهي لا ذنب لها ..خمسة شباب اقتادوها إلى مكان مظلم وفعلوا ما يندى له الجبين). يختلفون في سبب الصفعة. وتمضي أنت. تعلو الأصوات في داخلك. تستعيد صورة الأب وهو يترنح. تتوقف؛ تفكرُ بالاستدارة والعودة إليهم، لكنك تمضي في طريقك.

ما الفائدة؟ لن يصدقوا ..!.

المرآة الثانية

تصعدين في السيارة، يرحبُ بكِ. تغلقين خلفك الباب. يتحدث عن البرد الذي يصيب جسده. تسألينه عن نتائج الاختبار. يبدأ باختبار جسدك… تكررين السؤال بخجل شديد. يوقف السيارة. يحتضنك أكثر. تحاولين التملص منه. يخبرك عن إعجابه بكِ. تجتاحك رغبةٌ في البكاء. يشكو لكِ وحدة الستين وجسدَ زوجته الذي ترهل. يشغل السيارة ويستعد للانطلاق. تحاولين الانسحاب. يحاول استعادة وقاره. تصيبك الحنقة والغضب. تهمين بإخباره أنّ جسده ترهل أيضاً. تنسال على خدكِ دمعة. وينهارُ هو في البكاء..!

المرآة الثالثة

تحلمُ، لا بد أنك تحلم. تدخلُ السينما؛ الجمهور متحمس، البطل يمسك مسدسه، يوجهه نحو أخته، سيقتلها. السبب معروف ومكرر. البطل متردد ويده ترتجف. تمسك أنت بيد البطل وتأخذ المسدس منه. ترى البطل يبكي ويحتضنك. أنت تسير خارج المدينة، تمسك يدك بيد طفلتك الصغيرة. تحفر حفرة صغيرة. في المدينة تسير وحدك؛ امرأة عارية تنادي عليك، تتبعها وتدخل خلفها بيتاً قديما. في البيت لا تجد المرأة؛ أمك تنظر إليك بعتب. تذوب خجلاً وتنسحب هارباً. في وسط المدينة يخرج أبوك من المسجد يتوسطُ جماعة. يسيرون باتجاهك. يرتدي ثوباً ناصع البياض. يشير إلى نقطة سوداء في الثوب. تهرب. تشعر كأن جموعاً من الناس تلاحقك. تتعب من الجري؛ تبدأ أعصابك بالارتخاء وتشعر بالإغماء…تستيقظ في الصحراء على يد طفلتك وهي تنفض الغبار عن وجهك. تنظرُ إلى الحفرة الصغيرة. تلقيها. يظهر البطل ويحاول رد الجميل. تتذكر المسدس الذي أخذته منه وتفكر في إعادته. البطل يحتج عليك. ويطلب منك أن تكرر ما فعلته أمام الناس في السينما. تنصاع لأوامره مع بعض التعديلات ثم تعيد له مسدسه؛ تضعه في جيبه.

وتعود …وحدك!.

* قاص من الأردن

شاهد أيضاً

هل التاريخ لا نهايةٌ من الطّرائد؟

*أدونيس 1 – تعِبَ الأفقُ في عالمنا، من ثِقَل الأجنحة التي تحمل حقائب البريد، الآتية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *