(ثقافات)
معارك نزار قباني والإسلاميين
زياد أحمد سلامة
فاجأنا الكاتب والباحث الشرعي الأستاذ مجد مكي الحلبي بنشر رسالة موجهة من الشاعر نزار قباني للأستاذ مصطفى الزرقاء، يشكر فيها قباني أستاذه الزرقاء بمناسبة إهدائه ديوانه “قوس قزح”، وهي رسالة رقيقة، يذكِّر فيها قباني الشيخَ الزرقاء بأنه قد درَّسه في كلية الحقوق خلال عامي 1944/1945 وكانت هذه مفاجأة بالنسبة لي على الأقل، لأنني قرأت لنزار قباني موقفاً حصل بينه وبين الشيخ الزرقاء عندما كتب نزار قباني قصيدته المشهورة “خبز وحشيش وقمر”، فتقدم الزرقاء باستجواب نيابي لوزير الخارجية طالباً منه إحالة قباني للتحقيق كونه كان موظفاً في وزارة الخارجية، وطالب بطرده من وزارة الخارجية وذلك على خلفية نشر قباني تلك القصيدة.
أعادتني رسالة قباني للشيخ الزرقاء إلى استعراض علاقة قباني ببعض المفكرين والعلماء الإسلاميين: الشيخ علي الطنطاوي والأستاذ سيد قطب ثم الشيخ الزرقاء، بالإضافة إلى بعض القصائد القبَّانيَّة التي يُعرِّض فيها بالإسلام نفسه، فما قصة الشاعر السوري نزار قباني وهؤلاء؟!!
نزار قباني والشيخ الطنطاوي
عام 1944 كان نزار قباني طالباً في كلية الحقوق في الجامعة السورية التي صارت تُعرف بجامعة دمشق، وكان في التاسعة عشرة من عمره، عندما أصدر ديوانه الأول “قالت لي السمراء” في العاصمة السورية دمشق عن دار الأحد. وقد طبعه الشاعر الشاب حينها على نفقته الخاصة، وفي ذلك الوقت كان الشيخ علي الطنطاوي (1909–1999) الفقيه، والأديب، والقاضي السوري، يكتب في مجلة الرسالة المصرية الشهيرة، فاطلع الشيخ الطنطاوي على الديوان، وبطبيعة الحال لم يعجب الشيخ المحافظ هذا الديوان المتحرر بسبب جرأته في وصف الجسد والحب، فما كان منه إلا أن كتب تعليقاً لاذعاَ ساخراً كعادته في الكتابة، جاء فيه:”
“طُبع في دمشق منذ سنة كتاب صغير، زاهي الغلاف ناعم ملفوف بالورق الشفاف الذي تُلَفُّ به علبه (الشكولاته) في الأعراس، معقود عليه شريط أحمر كالذي أوجب الفرنسيون أول العهد باحتلالهم الشام وضعه في خصور (بعضهن) ليعرفنَ به، فيه كلام مطبوع على صفة الشعر فيه أشطار طولها واحد، إذا قستها بالسنتمترات. . يشتمل على وصف ما يكون بين الفاسق القارح، والبغي المتمرسة المتوقحة وصفا واقعيا لا خيال فيه، لأن صاحبه ليس بالأديب الواسع الخيال، بل هو مدلل، غني، عزيز علي أبويه وهو طالب في مدرسة. . وقد قرا كتابه الطلاب في مدارسهم، والطالبات.[1]
واستمر الشيخ الطنطاوي في سرد انطباعه عن الديوان الذي سماه كما نلاحظ (كتاب صغير) دون أن يسمِّه أو يُسمِّ صاحبه، ورأى فيه خروجاً على بحور الشعر وتفعيلاته، وأنه مجرد كلام لا يرتقي لتسميته شعراً، فقال: “وفي الكتاب مع ذلك تجديد في بحور العروض، يختلط فيه البحر البسيط بالبحر الأبيض المتوسط، وتجديد في قواعد النحو لأن الناس قد ملوا رفع الفاعل، ونصب المفعول، ومضى عليهم ثلاثة آلاف سنة وهم مقيمون عليه فلم يكن بدُّ من هذا التجديد. ومع ذلك فقد قرأنا في الجرائد من نحو شهر، أن صاحب هذا الكتاب قد دُعي إلى محطة الإذاعة في القاهرة، ليذيع منها شعره، رغبة منهم بنشر الأدب السوري، وتوثيقا للتعاون الثقافي بين الأقطار العربية!![2]
الحق أن الديوان ملتزم بعمود الشعر العربي التقليدي، باستثناء قصيدة نادرة تُعد من بواكير شعر التفعيلة (الشعر الحر) وهي قصيدة “اندفاع”. وكان الشعر الحر آنذاك في بداياته، وتعتمد القصيدة على تفعيلة بحر المتقارب (فَعُولُنْ)، فمن الطبيعي أن أديباً كالشيخ الطنطاوي لا يعتبر هذا النوع من الشعر شعراً أساساً. وكذلك لا يحتوي الديوان على “أخطاء نحوية أو عروضية” فقد عُرف نزار بتدقيقه اللغوي الصارم وتتلمذه على يد شعراء كبار مثل أستاذه خليل مردم بك الذي علَّمه أصولَ النحو والصرف والبلاغة وتذوق الشعر.
من الواضح أن الشيخ الطنطاوي لم يكتب كلمة نقدية بالمعنى الدقيق للديوان، بل كانت مقالته أسطراً حول انطباعه عن الديوان، ولذلك وكما قال الناقد صبحي الحديدي:” لكنّ الشيخ لم يتوقف عند المحتوى، بل شملت غضبته البحور والنحو”[3] وفعلاً اقتصرت قصائد الديوان على الحب والهُيام والغرام في حين كانت الأمة تعاني من الاستعمار والصراع مع الصهاينة الذين كانوا يحشدون قواهم للانقضاض كلياً على فلسطين. فالقصائد تتراوح في خطابها بين العاشق والعاشقة، بين البَغِيِّ والفتاة الضحية، بين متسول المتعة العابرة والواقع الهش الذي قد يفضي لاستجداء العاطفة.
بعد حين من الدهر حاول نزار قباني صد الهجوم الطنطاوي، فكتب فصلا هجوميا على الشيخ علي الطّنطاوي في سيرته الذّاتية المسماة (قصّتي مع الشّعر) عنونَ له بــ (قالت لي السّمراء) ص:87 فما بعدها وكتب: وفي جوّ هذه الإنكشارية الشّعرية نشرتُ مجموعتي الشّعرية الأولى (قالت لي السمراء) في أيلول سبتمبر سنة 1944 م نشرتُها من مصروف جيبي، وكانت الطبعة الأولى منها 300 نسخة فقط.. لأن ميزانيّتي كطالب لم تكُن تسمح بأكثر. وبلحظة تحرَّك التاريخ ضدّي.. وتحرَّك التاريخيون. رفضوا الكتاب جملةً وتفصيلًا. رفضوا عنوانه، ورفضوا مضمونَهُ، ورفضوا حتى لون ورقه.. وصورة غلافه.. هاجموني بشراسَة وحشٍ مطعون.. كان لحمي يومئذ طريًّا.. وسكاكينُهم حادّة.. وابتدَأت حفلة الرجم.. ففي عدد شهر مارس 1946 من مجلة (الرّسالة) المصرية كتب الشيخ علي الطنطاوي عنّي وعن كتابي الكلام الدمويّ التالي: (وذكر قباني مقاطع من مقال الشيخ الطنطاوي التي أوردناها قبل قليل) ثمّ قال: هذا نموذج مُصغّر لواحد من الخَناجر التي اُستعمِلت لقتلي.. وصوتٌ واحدٌ من أصوات القبيلة التي تحلّقت حولي، ترقصُ رقصةَ الموت، وتقرع الطبول، وتتلذذ بأكل لحمي نيّئًا. وأضاف قائلاً: وإذا كنتُ قد نجوت من هذا الاحتفال البربريّ بقدرة قادر، فإنّ الحروق، والرضوض، والكَدَمات، جعلتني أكثر تمسّكًا بخشبة صليبي، وأكثر إدراكًا للعلاقة العضوية التي تربطُ الإبداع بالموت.. والكتابة بالاستشهاد”. [4]
وبالعودة إلى صبحي حديدي؛ فقد نَقل عن نزار قوله:” قد كان (قالت لي السمراء) في الأربعينات زهرة من (أزهار الشر). وإذا كانت باريس قد تسامحت مع بودلير حين أهداها أزهاره السوداء، وسلط الضوء على المغائر السفلية، والدهاليز الفرويدية في داخل الإنسان، فإنّ دمشق الأربعينات لم تكن مستعدة أن تتخلى عن حبّة واحدة من مسبحتها لأحد. لذلك جاءت ردود الفعل جارحة… وذابحة. وكلام الشيخ علي الطنطاوي، عن شعري، لم يكن نقدا بالمعنى الحضاري للنقد، وإنما صراخ رجل اشتعلت في ثيابه النار»![5]
نزار قباني وسيد قطب
سنة 1948 كان نزار قباني في القاهرة دبلوماسياً في السفارة السورية في القاهرة، وكان سيد قطب ناقداً أدبياً بارزاً يُشار إليه بالبنان، وهو الذي تنبأ بمستقبل عظيم متميز للروائي الكبير نجيب محفوظ، ومن الطبيعي أن يسعى نزار قباني إلى أن يكتب سيد قطب رأياً أدبياً فيه، وفي هذه الأثناء كان نزار قباني قد نشر ديوانه الثاني “طفولة نهد”، الذي صدرت الطبعة الأولى منه عام 1948 عن دار “فن الطباعة للنشر” في القاهرة، بمصر. وكان مطبوعاً طباعة فاخرة، واللوحات من رسم الفنان (بيكار) وبالألوان، وتميز بأن عناوين قصائده خُطت بيد خطاط بلاد الشام الشهير بدوي الديراني. ولنترك الحديث للأستاذ وديع فلسطين (1923- 2022) الذي كان صديقاً لنزار قباني آنذاك، ففي حديث له لمجلة ” نصف الدنيا” الأسبوعية المصرية عقب رحيل نزار قباني، ونشرت تحت عنوان: “وديع فلسطين أنا أول من كتب عن نزار في مصر”، وهي حافلة بمعلومات تفصيلية هامة عن نشاط نزار الديبلوماسي المبكر، ثم عن لقائه المثير بسيد قطب بعد زيارته له في بيته بضاحية حلوان، ولعل أهميتها تكمن أيضا في أنها تعرفنا بسلوك نزار في الأوساط الأدبية وسعيه للتعريف بنفسه وبشعره، قبل أن يغدو ملء الأسماع والأبصار.[6] وقال فلسطين عن نزار: وسألني: ما السبيل لإهداء هذا الديوان للشعراء والنقاد المصريين؟ وكنت بحكم عملي الصحفي في ذلك الوقت، أعرف عدداً كبيراً منهم، ودعوته إلى “دار المقتطف” وجريدة “المقطّم” التي كنت أعمل فيها، لأننا في كل يوم جمعة كنا نقيم ندوة أدبية يتردد عليها الكثير من الأدباء والشعراء من المصريين والعرب، وفي هذه الزيارة أهدى نزار ديوانه للعديد منهم.
وأضاف “فلسطين”: وكان سيد قطب يُعتبر من أكبر النقاد في مصر آنذاك، وكان يشار إليه بأنه ناقد مجلة (الرسالة). فرغب نزار أن نزوره لنقدم إليه الديوان، وزرناه فعلا في بيته بحلوان، وعرَّفته على نزار، وأهدى إليه الديوان، ولكن سيد قطب لم يكتب عنه شيئاً! وفي ظني لأنه كان محافظاً وشعرُ نزار كان جريئا جداً، وترد به كلمات لم يعتد عليها المجتمع وقتئذ، ولم تستسغها بعد عينُ الناقد، ولا أُُذُنُ القارئ”. انتهى الخبر الوحيد الخاص بعلاقة سيد قطب بنزار قباني؛ هذه العلاقة الذي ظلت مهملة حتى كشفها الأستاذ فلسطين بعد وفاة قباني عام 1998. وقيل بأن سيد قطب، أعرب لوديع فلسطين فيما بعد عن رأيه في شعر نزار قباني بأن نزار قباني نقل الشعر إلى المخادع، فتحرَّج قطب من إدارة أي مقال نقدي حوله ترفقًا به.
نزار والشيخ مصطفى الزرقا

ذات ليلة من ليالي عام 1954كان نزار قباني يجلس مع صديقة له في إحدى الحدائق العامة في لندن، وفي تلك الجلسة رأى القمر بازغاً، وبإحساس الشاعر لفت نظرها إلى جمال القمر، ولكن المفاجأة أن صديقته أبدت تذمراً من هذه الملاحظة وقالت له: أنتم هكذا في الشرق تهتمون بالخيال والقمر وتتركون الواقع، فكتب قصيدته (خبز وحشيش وقمر) والتي فيها يبين ـ من وجهة نظره طبعاً ـ أسباب تخلف العرب والمسلمين، وفيها يقول:
“عندما يولد في الشرق القمر..
فالسطوح البيض تغفو
تحت أكداس الزهر..
يترك الناس الحوانيت ويمضون زمر
لملاقاة القمر..
يحملون الخبز.. والحاكي.. إلى رأس الجبال
ومعدات الخدر..
ويبيعون.. ويشرون.. خيال
وصور..
ويموتون إذا عاش القمر..

ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!
