(ثقافات)
“قشر البرتقال” لمرام رحمون: قصص غنية بالدلالات من وحي إربد وتراثها الشعبي
يحيى القيسي*
هذه مجموعة قصصية صدرت عن وزارة الثقافة الأردنية في العام 2022 حينما كانت مدينة إربد عاصمة للثقافة العربية، وإربد لمن لا يعرفها مدينة ذات طابع ريفي تقع شمال الأردن، وتتميز بسهول حوران الشاسعة حولها، ونحو 450 قرية تتبع لها، وهذا الأمر ربما أدخلها كتاب غينيس للأرقام القياسية في أكبر عدد قرى متجاورة حول مدينة من جهاتها الأربعة، لذلك كان يؤمها أبناء القرى يومياً للتجارة نهاراً في السابق، ويعودون في المساء، أما اليوم فقد سكنوها أيضاً للعمل والخدمات المتوفرة فيها، لهذا لم تتخل أيضاً عن طابعها الريفي رغم حداثتها العمرانية، وتنوع مشاربها، ومقدمتي هذه ليست نافلة بل في صميم القصص التي أتناولها والتي جلها تجري في هذه المدينة خلال الثمانينيات من القرن الماضي والسبعينيات على الأغلب.
ما الذي يمكن أن يوحيه عنوان مثل “قشر البرتقال” للمتلقي أول الأمر؟ وهل في الأمر رمزية ما؟ أم تقصد الكاتبة مرام رحمون في إصدارها القصصي الأول هذا “القشر” تماماً دون تورية؟. هذا أمر يكتشفه القارىء للمجموعة في القصة التي تحمل العنوان نفسه.
من الملاحظ في البداية أنّ هناك تقسيماً لهذه المجموعة إلى قسمين إذ وضعت مجموعة من القصص تحت عنوان “الأدب الموروث – الشعبي” وأخرى “الأدب الاجتماعي”، ولا أدري من أشار عليها بهذا الاجتهاد غير المبرر، فالإبداع واحد من الكاتبة نفسها سواء تناولت موضوعات من التراث الشعبي أو ذات الطابع الرومانسي.
تجتهد القاصة رحمون في صياغة قصص من وحي الحياة اليومية في مجتمعها، وخصوصاً ما يتعلق بالجوانب الغامضة أو الانشغالات التي لا يجد لها الأهالي تفسيراً غير وضعها في خانة الغريب والعجيب وغير القابل للتفسير، خصوصاً لمن يمتلك قدرات خاصة أو ربّما خارقة في هذا المجتمع، ومن ذلك قصة “عين حمد” حيث تذكر حكاية شخص اسمه حمد اليعقوبي كان معروفاً بأنّ لديه عيناً تفلق الصخر أو توقع الجمل في القدر كما يقال، أي أنه عُرف بطاقة “الحسد” التي تبدو مؤثرة من بعض الأشخاص السلبيين، وفي قصة “الألفية” ترصد ظاهرة حيّة معمّرة وكيف استطاع “أبو الحيايا” اخراجها من بيت دخلته دون أن يتم قتلها، وأنّ هذا الشخص استطاع التعامل معها بسهولة، ومن المعروف أن بعض الأشخاص لهم قدرات في التعامل مع الأفاعي دون أن تستطيع لدغهم، وهذا أمر لا مجال هنا لسرد تفاصيله، المهم في الأمر أنّ القاصة نجحت في رصد هذه الظاهرة من ناحية فنية عبر الامساك بتفاصيل القصة وشخصياتها ومكانها والحوارات بين هذه الشخصيات دون خلل.

في قصة “قشر البرتقال” نكتشف شخصية امرأة تتعاطى مع السحر أو تقوم بتسخير الجان لأعمالها الشريرة وهي “سعيّدة” التي تزوجت من أجمل الشباب بسبب من هذه الأعمال، وهذا ما يسمى بـ “الجلب” حيث تقوم بالتمويه على عقل الشاب أو توظيف قدراتها الشريرة في “سحر التخييل” فيراها زينة البنات ويهيم في حبها، ما دام السحر قائما بالطبع. وهنا تم استخدام قشور البرتقال الحلزونية وتعليقها على شجرة زنزلخت كنوع من التمائم.
في قصة “الأمل الدفين” تتناول رحمون شخصية من فقراء المدينة الذي يعمل نبّاشاً للنفايات حيث يقوم بالتعاون مع متسوّل آخر للحفر في بيت قديم بحثاً عن كنز ما، وهذه الظاهرة أي البحث عن الدفائن من أجل الكنوز تكاد تكون عامة في إربد وقراها المليئة بالآثار، والتي تحتمل دفائن كنزية قد تكون ذات قيمة مالية ضخمة. ومع قصة “فتحي الأخرس” صبي الفران نكتشف سبب تحوله إلى هذه الحالة من عدم الكلام لرؤيته في طفولته كيانات غير بشرية من “الجن”، أما الفصل الثاني من المجموعة أو ما أطلقت عليه القاصّة “الأدب الاجتماعي” فثمة انشغالات مغايرة تتعلق بالفتاة التي تبحث عن فارس أحلامها، وتحبّ الكعب العالي، وتزرع النعنع تيمناً بقدومه، وتلبس الفستان الأبيض على سبيل الأمل، قبل أن تداهمها سيارة وتنقلها إلى العالم الآخر، ومع قصص مثل “مدخّن بالكراميل” وهي أربع قصص نكتشف هذا التزواج الغريب بين أن يكون الطعام مدخناً وبالكراميل معا حيث تقول:
“تتخيل لقاء مرتبا بمكان تشدو فيه فيروز تغمره رائحة القهوة، يكسوه دفء شتوي محبب. فتكتب له نصا محشوا بالكراميل، ويكتب لها نصا فاخرا مثل مكسرات مدخنة ويتواعدا على لقاء قريب”. ص 67
الرومانسية في قصص رحمون نهايتها فجائعية، إذ لا تتحقق الأحلام، بل تنكسر الآمال الوردية على أقرب واقع صلد، وذلك حين تكتشف هذه الشخصيات الحالمة أنها تعيش الوهم والحب من طرف واحد.
تتقن القاصة الغوص في النفس البشرية للأنثى تحديداً لتعبر عن رغباتها الحارقة وآمالها العظيمة وخيباتها المحطمة، وتوظف لذلك تقنيات “الحلم” و”الاسترجاع” فيما توظف ببراعة أيضاً الحوار الخارجي بين الشخصيات، وأحياناً الحوار الداخلي “المونولوج” عند الحاجة لذلك حسب طبيعة الشخصية وانشغالاتها.
إضافة إلى معرفتها بالمصطلحات الشعبية والأمثال الدارجة، وتوظيفها للحوار باللهجة الحورانية، المطعّمة أحياناً باللهجة الشامية، فالكاتبة تشير في إحدى القصص إلى الهجرة الطبيعية التي قادت والدها من سوريا إلى إربد في العام 1942 واندغامه مع مجتمع التجار الشاميين هناك، لهذا تشكل هذه المجموعة أيضا حالة لدراسة الجانب الاجتماعي في هذه المدينة بشكل أو بآخر خلال نهايات القرن الماضي.
كما أنّ لديها عبارات كثيرة مليئة بالدلالات وغنية بالإشارات مما يكشف عن لغة سلسة ومطواعة بين يديها، ومن ذلك:
قمصان هذا الوقت ضيقة، لم أعد أطيق زفرات صدري. ص 73
جدتي قمر. لم تكن تلك النقوش على يديها والذقن والجبين وشما عاديا، بل حكايا عمر مرّ مرّا كالعلقم قامتها الطويلة كملكة، عيناها المكتحلتان استمدتا سوادهما من ليل طويل. ص 52
ككل النساء في مدينتنا المرهقة ليلا، الملتهبة نهارا، بصراخ الأطفال، واصوات الباعة، أجيد خياطة الوقت. أتركه فضفاضا لا يشف عن وجع ولا يصف ألماً. ص 61
في ختام هذه المقاربة المبتسرة لهذه المجموعة القصصية أرى أنّ القاصة مرام رحمون نجحت في تقديم قصص ناضجة تدبّ في تفاصيلها الحياة اليومية، والهواجس البشرية، ولها طعم ولون ورائحة، إذ خرجت من رحم المجتمع الريفي دون الكثير من التزويق، وبالتالي فهي تؤشر بالتأكيد على أديبة قادمة بثقة إلى عالم السرد القصصي المطعّم باللغة المتوهجة، والمعجون بتراث حوران، ونوستالجيا الشام.
-
روائي وباحث أردني
- عن مجلة صوت الجيل – ابريل 2026 – وزارة الثقافة الأردنية
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!
