الرئيسية / إضاءات / رحيل رضوان بوشويشة… «قافلة الغجر المتنقلة»

رحيل رضوان بوشويشة… «قافلة الغجر المتنقلة»

ساسي جبيل (تونس)

يقول المفكر الليبي الصادق النيهوم: «أشعر بالرضا مثل قط مات، وفي فمه فأر»، ويقول الشاعر الغرناطي لوركا: «يولد الإنسان ورأسه إلى أسفل، وتولد الشجرة ورأسها إلى السماء»، والمبدعان صديقان للراحل الليبي رضوان بوشويشة الذي ترجّل مؤخراً بعد رحلة مضنية تاركاً رؤوس أقلام وحكايا لم تنته وعدم شعور بالرضا على كل ما حوله.. رحل الأديب المشاكس الأول في ليبيا الحديثة فبكته طرابلس الغرب بكل تفاصيلها.. ففي ليبيا كما في كل بلدان العالم حالات نادرة تميزت عن غيرها بالبساطة الفادحة والانسيابية الخارقة لوناً وصورة ومعنى، وأمثال هؤلاء قليلون لأنهم ببساطة كثيراً ما يختارون عوالمهم الخاصة ملاذاً بعيداً عن أعين المارين على بساط الإبداع.
ليبيا العطشى ثقافياً خلال العقد الأخير تودّع رضوان بوشويشة، عبر ذكريات من طرابلس العتيقة، حيث كان الراحل يتخذها ملاذاً وموضوعاً، سواء كان ذلك بالحرف أو باللون، حيث اختار ركناً فيها مرسماً صغيراً هو عبارة عن قطع وحزم وعلب من الدهن وبعض من الأثاث الذي قد يحتاجه أحياناً ليخاتل الألوان، مثلما حصل مع سريره ذات عام، حيث لم يجد رضوان ثمن لوحة بيضاء، لذلك طفق يرسم على لوح السرير عملاً تجريدياً عرضه لزائريه.

فقدت مدينة طرابلس بوهيمياً متمرداً على السياقات السائدة في مجتمع محافظ ومنطوٍ على نفسه، ورحل على حين غرة رجل خارق أو هكذا يبدو، إذا تحدث في أمر خلته فيلسوفاً، وإذا ناقشك في فكرة احتاج الأمر إلى كتاب.. لباقة وإلمام وانزياح ينهيه عادة بطرفة أو ملحة وضحكة طفل لا تتوقف.

حالة فريدة
ومع أن ليبيا التي أنجبت الصادق النيهوم، وعلي مصطفى المصراتي (الذي توفي هذا الأسبوع) وخليفة التليسي وعلي فهمي خشيم وأحمد إبراهيم الفقيه وأحمد الفيتوري وأمين مازن، وقائمة طويلة من الكتاب والمبدعين الفنانين تتقاطع توجهاتها وطرائقها إلا أن بوشويشة حالة فريدة من نوعها حيث لا يشبه أحداً من هؤلاء رغم أنه يقترب من النيهوم، ولكنه لم يدون نصوصه الشفهية وأفكاره المنتشرة على قارعة الطريق العام.
بدأ القاص والمسرحي والفنان التشكيلي الليبي رضوان حياته في 27 مارس عام 1945 في الكدوة الاسم القديم لمدينة العزيزية التي قال عنها.. إنها شهدت أكثر درجة حرارة في العالم ذات صيف، ولذلك فإنه يرى أنه سليل النار، وانتقل إلى الخارج حاملاً معه بداوته وبساطته، وقليلاً من الرمل والماء الطافح على أطراف طرابلس الغرب العتيقة، حيث يجتمع داخلها الجميع.. الأبواب والعرصات والجوامع ودكاكين الصنائع والأسواق وقوس ماركوس ونافورة الغزالة وسوق السمك وباعة العصافير ومحال التجار ودار الفنون وباعة الذهب والحطب ومطعم عبية والتفاصيل برمتها.
وصل رضوان بوشويشة السبعين بلا بيت، فقد عجزت ليبيا الملكية والجماهيرية عن توفير بيت لرضوان وتوفير تأمين صحي له، وعلاج مجاني أو منحه قليلاً من الهدوء والسكينة بعد سنوات قضاها حول العالم متنقلاً بين برلين وكوبنهاجن ودبلن ثم لندن ومراكش وغرناطة، قبل أن يعود في السنوات الأخيرة إلى طرابلس الغرب مكتفياً بالإقامة في مرسمه السريالي داخل طرابلس القديمة.
وخلال رحلته تعرف على بيكون الرسام العالمي الشهير الذي التقاه عام 1960 في أحد مقاهي العاصمة الإنجليزية، وفي لندن تعرف على المؤرخ البريطاني الشهير أ. ج. تايلور، وصادق شيمسي هيني الشاعر الأيرلندي الفائز بجائزة نوبل، والمخرج الإيطالي داريو فو، الفائز بجائزة نوبل، وكذلك العالم الإيطالي فابريتشيو موري، مكتشف الأكاكوس في ليبيا. ومن الكتاب العرب الذين جمعتهم برضوان صداقات متينة، المفكر الليبي الصادق النيهوم، والسوداني الطيب صالح، والليبي الجيلاني طريبشان، وعبدالوهاب البياتي الذي كان يطلق عليه «قافلة الغجر المتنقلة».

ثيمات عميقة
رضوان بوشويشة التشكيلي كتب عن لوحاته الكاتب الناقد سالم العوكلي، قائلاً: «يصوم رضوان عن الكلام لكن لوحاته لا تكف عن الكلام بلسان طفل يتعرف على الكائنات حوله لأول مرة، فالتشكيل سمة مهمة من سمات قصة رضوان تضاف إلى كل العدة البصرية التي تقف خلفها وفيها، لذلك حين خاض غمار الرسم متأخراً بعض الشيء لم يكن مفاجئاً بروز لوحاته الأولى كملمح «رضواني» يخصه في التشكيل الليبي على الأقل رغم ثقته بأنه يركض ضمن مضمار عالمي لهذا الفن الذي يعرف تاريخه وأسراره جيداً.
ومنذ البداية اتكأت لوحته على خبرته في الاختزال أو التقشف اللوني الذي ينبري لثيمات عميقة دون ثرثرة أو حشو، فالعمل الفني بالنسبة له خلق له سيرته الجينية الكفيلة باكتمال كينونته.
ووصفه الناقد الليبي بشير زعبية بفاكهة المواسم الأربعة في مذاق الثقافة الليبية، وهو كما قال عنه من سلالة مبدعين ما جاؤوا إلا لنسج البهاء، وصناعة البهجة، ويعد من أبرز الكتاب الذين حملوا هم تاريخ طرابلس، المدينة التي لا تعرف إن كانت هي التي تحتضن رضوان، أو هو من كان يحتضنها، كتب عنها وعن أبوابها وباب بحرها الأقرب إليه، الذي يفضي إلى قلب المدينة القديم، حيث مرسمه الذي تتراقص في فضائه الخطوط، وتتناغم الألوان وتتشكل الزوايا.

رضوان وطاغور
ويقول رضوان في حوار له بتاريخ 06 مارس 2014: سعيت في صباي، إلى تعلم الناي، وتطريق الحجر في مقلع الحجارة القديم الغائر في جبل سيدي رمضان «راقد» الراقوبة في «الكدوة».. حيث كهوف الكدوة المدمكة.
ويضيف: كنت طفلاً أرسم وجوه هيئة التدريس بشكل كاريكاتيري، بدأت أرسم فعلاً بعد الخمسين من العمر، والشاعر الكبير طاغور بدأ الرسم في الرابعة والخمسين، وأقام عدة معارض.. زوجتي الأيرلندية درست الفنون في دبلن، وفرح ابنتي، وهي مخرجة سينمائية، وأستاذة للدراما تسخر على طريقة الساخر برنارد شو، وتقول: «أنا عن والدين هما الأغرب في المجموعة الشمسية، والدي يرسم بعد الخمسين، ووالدتي عادت لدراستها الأكاديمية بعد الخمسين».

  • عن الاتحاد الإماراتية

شاهد أيضاً

جابر عثرات الثقافة..وداعاً

جابر عثرات الثقافة .. وداعاً د. نبيل حداد كنت وما زلت مأخوذا ومفتوناً، بعطاء جيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *