الرئيسية / خبر رئيسي / حلم الفاصولياء

حلم الفاصولياء

( ثقافات )

* محمود عيسي موسى

لم يَعُد لديّ متسعٌ

لتحريرِ الفاصولياءِ الخضراء

والاوطان.

لتجريدِ خيوطِها

قُمَعِها

أليافِها القاسية.

لشطف لونها بلمعانِ ماء البئر

بِدَلو الهذيان.

لتحرير حرير القزّ

ودوالي الزمان.

لم يعد لدي متسعٌ

لخوض معاركها

أناطحها ، تناطحني

بقرون أثوابها اليانعة وتنورة الأمان

بصندلها مشروخ الخشبِ

بمنقارها غضِّ الشفاه.

براثنُ طيري جارحة.

ولم يعد لدي متسعٌ

لمراقصتها

مرقصُنا حلبة النحاس

قاع القدر لاسعة.

لم يعد لدي متسعٌ

لمُناغشة مخمل صوتها

كهرباء شعرها

لَثْغَتِه الممغنطة.

نعاسُ رموشِها سُكْري

صحوي وخمري.

أهُزّها

يشدّني خصرَها بمَرَسِ الحنين

بزنار نُضِّد بحبِّ الرّمان.

أشده

أُمسّد طراوة الكتفين الناهضين

أغافل مرمر العنق

أعضُّ خجل النهد، حياء الترقوة.

أصعدُ المسرى الشموخ

أعضّ قرقوشة الأذن

حَمْرَطة الأرنبة

أتسلق الحيطان.

أبوح

أروي لها أمسي وهمسي

سرَّ الكتمان

أهيم

تهيم

عطشها عطشي

صحرائي صفاء عذريتنا الأبدية

سراب الجنان.

أراقصها بخفر اللهف

ساحتنا قاع القدر

ذروة ريحنا

كلما حان موعدنا

نسرق ذوبان الأمواج

برمل سواحلها والشطآن.

جيدها الهوى

شطّ النزوة

حلم الفاصولياء

رقصتنا للأعياد القادمة.

لهفي على خسارة ضوع عطرها

والسخسخة.

لم يعد لدي متسعٌ

أسواري دخان

قلاعي دخان

حصني دخان

سنابك خيلي

تعثّرت بمرايا السراب

نامت نوم العجاجْ

ريحي نارها ثلج.

فالمنازلة

انكسار الهواء في الهواء.

والقتال

موت الغبار على الغبار

سيفي خشب

وتر قوسي حطب.

لم يعد لدي متسعٌ

لِدَكّ بذور الكزبرة

بمدافع الهاونْ

عرقي خجول

فاصوليائي بتول

ليلي أرمل

ذوّب ملحي العجول.

لم يعد لدي متسعٌ

كرات منجنيقي هشّة

لا تبلغ الحصون

لا تجلب السّعد

لا تدمر الابراج

لا تفتك

بنشوة الكذبة الخائنة.

لا تمحو

كم ستمحو

لا تبدل وقاحة الجحيم

بأندلس

ومسرّة الجنة الخائفة.

النهارات كمائنٌ

رائحتها ضغائن الوغى

علقم الحكايات

حنظل البطولات

لا تُفسّر المعنى

لا تشعل انتصار الهزيمة

لا تُطفئ جمر التعب.

لم يعد لدي متسعٌ

لتقطيع قرون الغالب والمغلوب

في قاع القِدر

لا جدوى من المعارك

عبثُ الغنائم حجارة

لظاها جمر مواقد الجحيم

رمادها العدّاء

لا فرق بين الإحتدام

والسقوط.

الانتصار فاكهة الهزيمة

الراياتُ كُسِرت رماحها

مزقت قماشها رياح العتبْ.

لم أتعلم السباحة

لم أتعلم الرماية وركوب الخيل

وما منّيت النفس

بالجوز الفارغ

إكتفيت بمضغ نبتة المُرّار.

غامض الإشتهاءُ

منذ البيدر المنسيّ

مذ كنت ولد.

ضاق الحلم في المسافة

بين الإستواء والانتظار

في اللظى بين دوّامة المغرفة

ونحاس القِدر والأثافي

وحلم البلد.

النوافذ أغلقت الأبواب

النسائم غابت بصمتٍ

لا تحمل الرسائل

لا تُوصل المكاتيبَ

لا تحكي معي

النسائم لا تمرّ عليّ

لا سراً ولا علناً

مرورها العليلْ

لا تُهيّجُ خلسةً

أشجان الريح الصموت

لا تُرجّح ميزان الغيب

بوعد سندس النعيم الموعود.

حافلة الفاصولياء

فردوسي المفقود.

لم يعد لدي متسعٌ

لألوّح بالسكين الجارحة.

لِلَعب لعبة العري والنقاء.

لم يعد لدي متسعٌ

لتشليح نساء الثومِ

ثيابها الناشفة.

شفرة النصل

لمعُ برقها قبل رعدها

خطف بياض أسنانها

قبل اكتناز الفصوصِ الحرام

خطف توقها

شوقها

خطف الرجفة ، البهجة

والشهوة الغامضة.

لم يعد لدي متسعٌ

لا منخلَ من مناخل الله

يحميني

يُنخّل السواد وسوسَ طحيني.

يُبعثره.

لا غربال كالشمسِ

يغطيني

يغربل قمحي

يُنقّي زيوان الهواء

كي أفرش البهاء

فوق أسطح حيطان الفضاء.

هل يموت الهواء في الهواء؟!

لم يعد لدي متسعٌ

للقراءةِ أختِ تقميع البامياء

للكتابة على قشور اليقطين المُرّة

قبل تمزيطها وسحلها

وبقرِ لبّها بمنماقير (النَوَر).

لم يعد لدي متسعٌ

لأعدّ المقلاة

بعد اقتلاع الاشواك

من ترابه البكر

لأحوس بيض عكّوب الجبل.

هل يموت التراب في تراب الارض

تحت أرجل الأعداء؟!

هل يموت الزعتر

وأنا القرويّ

ابن بذرة الخروب

عنيدٌ كبئرنا الغربي

هفهاف كالريحانْ.

هياجي موج بحر حيفا

ماعزي سارحة في سفح كرملي

تُمشّط شعر حبيبتي الأبدية – إجزم -.

هل يموت زيتهُ

وزيتونه يُضيء الضياء؟!

لم يعد لدي متسعٌ

للقرنبيط والأمشاط

تلك سهول السمسم

السماقِ ، الشومرِ

السلقِ والخرفيشِ

الخبيزةِ ، العلتِ ، الحويرةْ

نُقرة الطبخ في طنجرة نحاس الحياةِ

انتظار الفرفحينا

طبخة (ستّي) واللقمة الهنيّة.

لم يعد لدي متسعٌ

لِللعب بين شواهد القبور

ورفع العقيرة

-إخبا مليح أجاك الريح

لبرغل الشتاء ومجدرة العدس

أُقشّر بصل الايام

أفرم الدمع على حجرٍ

أذرفه من عين ترى

على عين لا ترى.

– رأس بصل وقع مني وانكسر

– خبي إيدك يا عروس

خبيها بالصندوق.

لم يعد لدي متسعٌ

لحلم اليقظة والمنامْ

إشتعالات ثلجي

رماد جمري

ناري لظاها صقيعي.

هذه سلّة أبي

تلك خابية أمي.

لم يعد لدي متسعٌ

للنطنطة ، للشعبطة

لأجني زرع أبي

لأقطف دالية أمي

فالحواكير سرقتها الخنازيرْ.

أدقّ أبواب الجيران

هذي سلة يقطين (ستي)

مِقطفُ الزبيب لكم

قبل تُسرق السلال.

لم يعد لدي متسعٌ

الواقعُ وقع

خسر نفسهُ وأضاع الخيال.

المستقبل هدّه القلقْ

نام حاضره على صخرةٍ.

هو أضيق مني

أضيق من صدري

الماضي برزخٌ أغبر من غبارٍ ميت

في السديم.

تعبت صخرتي.

لم يعد لدي متسعٌ

كيف أحملها

وأصعدالى قمة الكرنفالْ

الكرنفال جبلٌ…أنا لست جبلْ.

تدحرجنا معاً

ارتطمنا معاً

لم نذب حزناً وفجيعة

سأحممها ببضع السويعاتِ

بماء القاع كي نستريح.

لم يعد لدي متسعٌ

للرسمِ

للغرقِ في بحر زيت الالوان

في تجريد الانين

في قماش الحنين.

نامت فرشاتي على مخدةٍ

في حضن النفط.

اللوحات عُلّقت في الغياب

أكلتها الحيطان.

لم يعد لدي متسعٌ

لأُعدّ قهوة الصبح لحديقة أمي

لأقرأ فنجان الطالع

لأغسل الأواني والصحون

وأشطف البلاط

أعطّر خزف المغسلة

وكابينة الراحة.

لم يعد لدي متسعٌ

لأغسل (جرابات) الايام

وأبحّ نزّ العرقِ

وما غَبّه قطن السروال.

لم يعد لدي متسعٌ

للآه

للعتب والعتابا

فاتني ان اشكو انكسار الانين

على كتف الغزالة السارحة.

فاتني ان أضحك على أمراضي

وكوارثي.

أتدلّع من وجع كظيمٍ

كما فات أبي

أن ينعم بتشردِ صِباه

والشيخوخة الجارحة.

الصدرُ والوقتُ

أضيق من أن يُشَقّ بالنسمةِ

الصدرُ بيدرٌ

والوقت حشرجة الصور.

لم يعد لدي متسعٌ

لنشر غسيلي على حبال العمر

وحجارة السناسل

وملاقط الذكريات.

هل كان لا بدّ

من شياطين الخساراتِ

ليَعْمُرَ الكونُ

وتهزّه الحرب الحقودْ؟

هل كان لا بدّ

من ورمٍ

في أرومة البذرة الأبدية؟

زمنه العاصفةُ الهوجاءُ

وإحتدامُ الشرايين

صراع التصلّب

مع دمٍ متعثرِ الخطوِ؟

هل كان لا بدّ

من خدرِ أخي وخراب مالطا؟

هل كان لا بدّ

من إمرأة تحمل حجر (سنمار)

في هودج الحبّ العفيفِ

من أقاصي البلاد

كي تُعدّ قدر الفاصولياء بالثوم

وتنسى النزفَ

بين الألياف والخيوط؟

كم تنسى وتنسى.

هل كان لا بدّ

من إمرأة يخالطها الشكّ

في رونق الملبن وطراوة الأشجانِ

وحليب كيمياء الجمال

في الدروب الى حلب؟

هل كان لا بدّ

لكل هذا الدَيْنِ

العقاربِ ، والخراجِ

كي أفهم معنى الحقدِ

معنى الحبّ؟

عرفتُه

خبأتُه

منذ نعومة أظفار المخيم

وطين البيوت.

هل السعادة

لذةُ انتقامِ سدادِ دينٍ لا ينتهي؟.

هل كان لا بُدّ

من فائضِ الوهمِ

لأتعلم معنى الحب

بهذا العُري والصخب؟.

لم يعد لدي متسعٌ

لجلسة الأحبة

للتحرش مع الندامى

قبل الغناءِ بشفاهِ بياض العرقِ

اللئيمْ

اشتهاءِ المرارةِ في حبةِ المشطّب

من الزيتون والخشخاشِ

قرشِ حبّ العنبِ الزيني

ورشفِ المعتّقِ زبيباً.

لم يعد لدي متسعٌ

للفستق وسمك البحار البعيدةِ

هل يموتُ البحرُ المبحرُ فينا ؟

هل يموت التراب في تراب الارض؟

نحن التراب.

هل يموت الهواء في الهواء؟

هل يموت الماء في المحيطاتِ

وتموت الانهار

اذا نضبَ الماءُ وخَفَتَ البياضُ

في الكأس الكريستاليّ

وسواد العينْ؟.

سأشاغلُ الوقتَ وما تبقّى

بصباريات حديقةِ أمّي

التي شيّدتها للصمتِ

وإرواء الحبقْ.

لم يعد لدي متسعٌ

إلا للعودة

أو العودةِ الى الجبل العظيم

كرملي

والذوبان بثلجِ سفحهِ

في مطلعِ السنةِ الجديدة.

*من ديوان زبدو فاكهة الفضاء الصادر عن دار خطوط وظلال في عمّان

شاهد أيضاً

من غير مشيعين مشى الأخضر إلى غيابه الأخير

* فاروق يوسف أسوأ ما في الموت أنه يستدعي الرثاء. ولأن الموتى لا يقرأون المراثي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *