الرئيسية / إضاءات / أهمية الكتابة التاريخية عند ابن حيان الأندلسي

أهمية الكتابة التاريخية عند ابن حيان الأندلسي

خاص- ثقافات

*إعداد: دة. فطيمة الكنوني/المغرب

 

          عرف التراث الأندلسي الغني بإنتاجاته المتنوعة في مجالات معرفية شتى: تاريخية وحضارية وثقافية وعلمية وأدبية، ولعل من أبرز الشخصيات التي جادت بها الأندلس في تاريخها الإسلامي المؤرخ الكبير ابن حيان، وهو بحق مؤرخ للدولة الأموية بالأندلس. ونستعرض اليوم في هذه المقالة مجهوداته في الكتابة التاريخية. فباستثناء كتاب تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية والتي حفظت أجزاء منها بفضل ابن حيان، وتاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي. فسد مؤرخنا ذلك الفراغ ليوصل التأريخ لقمته خلال عصر الطوائف. يضاف لذلك تخليص ابن حيان التاريخ من الأسطورة كما الحال في مؤلف الرايات لابن حبيب، واستفاد منه المؤرخون اللاحقون في التاريخ لعصره كالمقري وابن بسام وابن الخطيب وابن عاصم في “جنة الرضا”[1] وابن عذاري المراكشي الذي صرح في مقدمة كتابه “البيان المغرب” أنه نقل من “أخبار الدولة العامرية” لابن حيان.[2] وفي المقابل، اعتمد عليه المؤرخون الإسبان لإعادة كتابة تاريخ إسبانيا منذ الفتح حتى عصر الطوائف. سنوضح أهمية مؤلفيه “المقتبس” و”المتين” في إغناء التراث الأندلسي:

1- أهمية المقتبس: من خلاله يتعرف الباحث على الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأندلس منذ الفتح الإسلامي إلى حين عصر ابن حيان، كما نستطيع التمييز بين الطبقات الاجتماعية المكونة للأندلس أنذاك: عرب، بربر، مستعربون، صقالبة…إضافة لتعرفنا على نوعية العلاقة التي ربطت خلفاء قرطبة الأمويين(عبد الناصر، الحكم المستنصر، المنصور بن أبي عامر) بأدارسة المغرب والفاطميين بسبب الخلاف المذهبي(شيعة، سنة). نستشف أيضا، تهاون بعض الأمراء وميلهم لهواهم مثل إسناد الحكم المستنصر الحكم لابنه الصبي دون إخوته الكبار بل وارتكابه سلسلة من الجرائم السياسية لتحقيق ذلك.

2- أهمية المتين: يقدم لنا صورة دقيقة وحية عن تاريخ الأندلس خلال عصر الطوائف باعتباره كان معاصرا للأحداث، فقدم آراءه وتحليلاته عنها بأسلوب فذ متين ينقل مرارته من الانقسام والضعف، مبينا إيمانه العميق بالوحدة والجماعة التي آمن بها حتى سمي العصر الذي أرخ له بعصر الجماعة.

3 الإشكالات التي يطرحها فكر وتراث ابن حيان:

     أولى الإشكالات التي لاحظتها هو الاختلاف حول تسمية المقتبس، فابن حزم سماه التاريخ الكبير من أنباء أهل الأندلس، وافتخر به في رسالته عن فضل الأندلس حيث يقول: “منها كتاب التواريخ الكبير في أخبار الأندلس. تأليف أبي مروان ابن حيان نحو عشرة أسفار”. وقد رد ابن سعيد على ذلك فاعتبره نحو ستين مجلدة، بينما ذكر ابن حزم الكتاب في عشرة مجلدات. أما ابن الأبار فذكره بالمقتبس، وإليه مال د.محمود علي مكي.

     ثاني الإشكالات متعلق برسم كلمة المقتبس، فالمستشرقون ينطقونه بالباء المكسورة أي بصيغة اسم فاعل. منهم الهولاندي رينهارت دوزي وبونس بويغس وملشور أنطونية وليفي بروفنسال وغرسية غومس. أما محمود مكي وإسماعيل العربي، فضبطوه على اسم مفعول أي بفتح الباء.

     ثالث الإشكالات هو الاختلاف حول أي كتاب بدأ بتأليفه: هل المقتبس الذي كتبه في فترة شبابه، أم المتين الذي يمثل فترة نضجه وشيخوخته، وهو رأي دوزي في مقدمة نشره لكتاب بيان المغرب لابن عذاري، وتبعه فيه مارينو وملشور أنطونيا وبونس بويجس.

أرى أن التفريق لا يجب أن يكون على أساس العمر الذي ألف فيه ابن حيان كتابيه، ولا بالأسلوب. فإذا كان “المتين” عبارة عن أحداث يومية جارية كما رآها مؤرخنا، فإن المقتبس يدون أحداثا سابقة لعصره، لاحظت من خلال ما توفر من نصوص المقتبس والنصوص التي جمعها د. جمال الدين، أنه لا فرق بين أسلوب المتين والمقتبس: أسلوب جزل قوي والذي يعتبر ميزة كبرى لابن حيان. لذا كان غارثيا غومس محقا عندما شك فيما رآه دوزي ومن نهج نهجه من وجود خلاف بين أسلوب ابن حيان في المتين: أسلوب النضج والاكتمال وبين أسلوبه في المقتبس الذي هو إنتاج فترة الشباب.

     أما الإشكال الرابع فيتعلق باختلاف النسخ التي نقل منها ابن بسام عن المتين، إذ وصل فيه ابن حيان إلى رواية أحداث وقعت سنة 463هـ. ثم رجع ابن بسام إلى أحداث 455هـ، فلم يصادف وصف واقعة بطرنة التي جرت في تلك السنة وانهزم فيها المسلمون. هذا يعني أن النسخة التي نقل عنها ابن بسام من المتين آنذاك لم تكن وصلت إلى أحداث تلك السنة خاصة أن الواقعة جد مهمة، ولا أظن أن ابن حيان ترك روايتها والتعليق عليها. إلا أن ابن بسام نقل عن نسخة أخرى من المتين ما حدث سنة 456هـ، حول ما تداوله أهل قرطبة حول تنافس ولدي أبي الوليد بن جهور: عبد الرحمن وعبد الملك ثم عقب قائلا: “إلى هذا الموضع انتهى ما وجدته من أخبار الدولة الجهورية في كتاب ابن حيان وقت تجردي للفراغ من تتميم هذا الديوان وأعياني تتبعه لآثارهم، وشرد علي وجود لفظه ونظمه لبقية أخبارهم، ولم أجد بدا من نظامها لتجيء أخبارهم بتمامها، فرقعت الضحى بالغلس وجمعت بين حافر البعير وجبهة الفرس”. لعل ذلك يؤكد الطرح الذي سردته أن المتين وجدت منه نسخ عدة، وأنه نقح باستمرار فأضاف إليه صاحبه أو حذف منه حسب تطور الأحداث.

     أما الإشكال الخامس، فنزيد إلى اختلاف المؤرخين حول تسميات وعدد أجزاء كتب ابن حيان، اختلافهم في نسبة بعض المؤلفات إلى مؤرخنا. فقد خلط المراكشي بين كتاب المآثر العامرية للحسين بن عاصم وبين أخبار الدولة العامرية لابن حيان. كما نسب ميخائيل الجزيري مفهرس كتب مكتبة الاسكوريال، كتابا عنوانه “معرفة التابعين” إلى ابن حيان. ترتب عن ذلك وضع “بونس بويجس” هذا الكتاب بين مؤلفات ابن حيان. والواقع، أن ذلك الكتاب هو لابن حبان، وصحف الجزيري هذا الاسم فجعله ابن حيان، وقد نبه لهذا الخطأ ملشور أنطونيا.

     أخيرا، فإن ابن حيان شغل منصب الذكر لدى أبي الوليد ابن جهور إنقاذا له من الفقر، إلا أننا نعلم أن مؤرخنا لم يتقرب للأمراء ولا توسل إليهم بل العكس تقرب له الأمراء. قال ابن بسام في هذا الصدد: “ولما تحدث بتاريخه في ملوك الطوائف بأفقنا، استشرفت طائفة منهم على مطالعة غرره، وعدوه من فرص العمر وغرره، واهتزوا لقطف ثغره وافتقروا إلى مطالعة فقره واستهدوه إياه، وأجزلوا على ذلك قراه…”[3]

     إذا كان ابن حيان قد كتب تاريخ الأندلس الطويل بأسلوب يتراوح بين النقل والمشاهدة، فللأسف ضاعت تلك المؤلفات العظيمة. كما أنه لم يشهد نهاية الفتن والانقسامات التي شهدها عصر الطوائف: سقوط المدن الأندلسية الواحدة تلو الأخرى حتى آخر معقل إسلامي غرناطة سنة 897هـ أي بعد 428 سنة على وفاته.

     بفضل الأجزاء المعثور عليها، تبين أن مؤرخنا سبق ابن خلدون لعلمية التاريخ بأربعة قرون. وإذا كان جل المؤرخين يعترفون له بالعظمة، فإن البعض الآخر أخذ عنه ولم يصرح في كثير من المواضع باسم ابن حيان واكتفوا فقط بالإشارة إليه كما هو معروف في نقول المقري،[4] بينما حذف آخرون الكثير من نقوله، أي تلاعبوا بالنص الأصلي مثل ابن بسام وإن برر ذلك بالجانب الأخلاقي تجاه منهج ابن حيان إذ يقول: “وكنيت عن أكثر من به صرخ وأعجمت باسم من به أعرب وأفصح رغبة بكتابتي عن الشين وبنفسي عن أن أكون أحدا لها إلا في بعض أخبار ملوك الطوائف”.[5]

     ومهما صحت وجهة نظر ابن بسام، فإن ذلك أدى إلى تحريف بعض نقول ابن حيان كحذفه لاسم أحد أصدقائه الناجي من إحدى النكبات، الذي بعث له رسالة تهنئة. نفس التحريف نجده في البيان المغرب لابن عذاري المراكشي، لا من حيث بعض السنوات أو المفردات.[6]

[1] عاش ابن عاصم في النصف الأول من القرن التاسع الهجري الذي شهدت نهايته نهاية دولة الإسلام في الأندلس، ونقل من السفر الخامس من مقتبس ابن حيان (انظر مقدمة هذا الكتاب ص 34)

[2]  ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب الجزءين الأول والثاني:34. تحقيق ج.ش. كولان وليفي بروفنصال. دار الثقافة –بيروت، لبنان. ط2 سنة 1980م.

 وداد القاضي، نفسه:246[3]

 انظر مجلة المناهل نفس العدد ص 456[4]

 ابن بسام، نفسه 2/584[5]

[6]  وضع ذ عبد الواحد ذنون طه لائحة لتلك التحريفات. انظر دراسته ضمن سلسلة دراسات في التاريخ الأندلسي تحت عنوان “موارد تاريخ ابن عذاري المراكشي عن الأندلس من الفتح إلى نهاية عصر الطوائف(92هـ- 479هـ) من الصفحة 218 إلى 232.

شاهد أيضاً

“البدوي الملثّم”: أحد رواد الحركة الأدبية الأردنية في الذكرى الخمسين لرحيله

* كايد هاشم تشرفت الأسبوع الماضي أن شاركت بحديث عن يعقوب العودات “البدوي الملثم”، أحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *