الرئيسية / إضاءات / تولستوي.. المسرح ولادة روحية جديدة

تولستوي.. المسرح ولادة روحية جديدة

القاهرة- ترك «تولستوي» بصماته في مختلف أوجه النشاط الإنساني، لا في روسيا وحدها، بل تعدتها بتأثيرها إلى دول العالم الأخرى، شرقاً وغرباً، وعاش حياة حافلة بالكتابة والصراع مع نفسه وفكره، حياة واكبتها مواجهة الظلم ومحاربة الظلام، فأصبح أسطورة في حياته، وبعد مماته، ففي عام 1901 يصدر المجلس الكنسي قرار حرمان تولستوي من الكنيسة، وفي العام نفسه يسافر إلى شبه جزيرة القرم للعلاج، ثم يعود إلى مسقط رأسه في العام التالي، حتى يخرج سراً من منزله في الخامسة من صباح العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1910، وهو ابن الثالثة والثمانين، محاولا الهروب من العالم المحيط به، وفي عربة من عربات الدرجة الثالثة بالقطار أصيب بنزلة رئوية، ما جعل ناظر المحطة يحمله إلى بيته، حيث توفي في العشرين من نوفمبر عام 1910 من دون طقوس دينية، وفي نفس المكان الذي حدده بنفسه وسط أشجار غابة ضيعته، وقد أثار خروج تولستوي من بيته سراً ووفاته اهتمام الصحف والمجلات في مختلف أنحاء العالم.
عاش تولستوي 83 عاما، قضى 50 سنة منها في الكتابة، فكتب 174 مؤلفا، من بينها «الحرب والسلم» و«آنا كارنينا» و«البعث» وثلاثية «الطفولة» و«الشباب» التي تعرض الكثير من ملامح سيرته الذاتية، وكتب عدة مسرحيات منها «سلطان الظلام» و«جثة حية» و«إنها سبب كل المصائب».
وفي مسرحياته تبلورت أفكاره وفلسفته، فجاءت تعبيرا عن نظرته إلى الحياة، والأسس التي ينادي بها، ومن خلالها تعرف على الجانب الروحي الخاص به.

يقسم تولستوي حياته الطويلة إلى أربع مراحل، حيث يقول تحت عنوان «ذكريات»: «حين أتذكر حياتي كلها، أي أتمعن فيها من وجهة نظر ما فعلت فيها من خير وشر، فإنني أجد أن حياتي الطويلة كلها تنقسم إلى أربع فترات: الفترة الأولى الرائعة، خاصة بالمقارنة بالفترة التي أعقبتها، وهي فترة الطفولة، حتى سن الرابعة عشرة، فترة البراءة والسرور، الحبور والشاعرية، وتعقبها فترة فظيعة استمرت عشرين عاما، سادها الاستهتار والفساد الفاضح، والانكباب على حب الشهرة والغرور، والأهم من هذا كله الانكباب على الشهوات، ثم تجيء الفترة الثالثة وتستمر ثمانية عشر عاما، ابتداء من زواجي حتى مولدي الروحي، وهي الفترة التي يمكن تسميتها من وجهة النظر الدنيوية بالفترة الأخلاقية، ذلك لأنني عشت الثمانية عشر عاما هذه حياة مستقيمة شريفة، أسرية، وأخيرا الفترة الرابعة، وتمتد عشرين عاما، وهي الفترة التي أعيشها الآن، وآمل أن أموت وأنا فيها، والتي أرى من وجهة نظرها كل مغزى حياتي السابقة التي لا أتمنى أن أغير فيها شيئا سوى عادات الشر التي اكتسبتها خلال فترات حياتي السابقة».
ولد تولستوي في التاسع من سبتمبر/‏أيلول عام 1828، وقبل أن يكمل عامه الثاني ماتت أمه، ثم انتقلت أسرته إلى موسكو حيث مات أبوه وهو ابن التاسعة وفي العام 1844 التحق بالجامعة بكلية اللغات الشرقية لدراسة اللغتين العربية والتركية وآدابهما، لكنه يترك الدراسة بعد عام، ويلتحق بكلية الحقوق، ليهجرها عائدا إلى مسقط رأسه.
وينخرط تولستوي في سلك العسكرية، وتستيقظ روحه على دوي القنابل وهدير المدافع، وتزداد حدة القلق ليشمل الروح كلها، ويتطرق الفكر إلى ما يتعلق بالإنسان ومكانه ودوره في الحياة وتشعب جذور هذه الأفكار، لتسيطر على نظرة تولستوي للحياة والهدف منها، لا سيما بعد مشاركته في حرب القرم.
كانت هذه الأفكار بداية المنعطف الفكري الروحي الذي أسماه تولستوي المولد الروحي وكان تأثره في أفكاره هذه بكتابات جان جاك روسو، الذي كان معجبا به أشد الإعجاب، ولذا لا ينبغي الاقتصار على القراءة وحدها، بل يا حبذا لو اكتملت القراءة بالرؤية العينية لما نادى به جان جاك روسو فيما يتعلق بالمساواة والحرية الاجتماعية.
ويبدأ تولستوي كفاحه من أجل تغيير الواقع المحيط به، وتكون البداية من اللبنة التي تشكل أساس جيل جديد، فيفتح مدرسة لأبناء الفلاحين، ويبدأ أيضا التطبيق العملي لفلسفته على نفسه، حيث يعود إلى حياة الفطرة، فيمنح زوجته صوفيا توكيلاً شاملاً بإدارة كل أملاكه، ثم يمنحها توكيلاً آخر بالحق في نشر وإصدار كل ما كتب من مؤلفات في الفترة السابقة على عام 1881، أما مؤلفاته التي كتب بعد هذا العام فهي ملك عام للجميع، ويستطيع كل من يريد إصدارها من دون حق له أو لأسرته فيها، ويتنازل عن كل ممتلكاته ويوزعها على أسرته.
كتب تولستوي مسرحياته كلها في الفترة التي أعقبت «مولده الروحي» وفي تلك الفترة تبلورت نظرته إلى الأدب والفن بصفة عامة وفقا للأسس الدينية الأخلاقية النابعة من تعاليمه، والمدقق في تلك المسرحيات يجد خيوطاً مشتركة تتخللها وتبدأ من الأسس التي تبناها في فكره وعقيدته: تمجيد نمط حياة الفلاحين من خلال المقارنة بينه وبين حياة السادة، النظرة العدائية للملكية الخاصة وللمال، الدعوة إلى نبذ الشهوات والتمسك بالزهد والبساطة، والعودة إلى الحياة وفقاً للقوانين الإلهية.
_________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *