الرئيسية / إضاءات / ماريو فارغاس يوسّا: العالم ينتهي.. كلّ الخطايا مشروعة..

ماريو فارغاس يوسّا: العالم ينتهي.. كلّ الخطايا مشروعة..

*حاورته: مارسيلا ڨالدس/ ترجمة: ميادة خليل

“هل علينا أن نجلس في الخارج؟” سألني ماريو فارغاس يوسا ملوّحاً من خلال نوافذ المكتبة الممتدة من الأرض إلى السقف في ظهيرة يوم أيلولي رائع. البيروفي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل للآداب. يعيش فارغاس يوسا الآن في قصر مكون من ثماني غرف في أطراف مدريد في حي معروف باسم پويرتا دييرو (Puerta de Hierro أو باب الحديد). عندما وصلت قادني كبير الخدم الذي يرتدي سترة بيضاء، عبر ردهتين في الطابق الأرضي؛ أرضيتهما من القرميد الأبيض والأسود، إلى مكتبة تصطف فيها خزائن الكتب الخشبية الداكنة. منفضة سجائر كريستالية إلى جانب أطباق فضية وُضعت فيها الشوكولاتة والسجائر. هذا المنزل (casona) الفخم بدا مثل محل إقامة مناسب لآخر عملاق على قيد الحياة من العصر الذهبي للأدب اللاتيني الأمريكي، رجل قد يكون أهم روائي سياسي في عصرنا. عُلق فوق موقد غرفة المكتبة صورة لمالكتها، إيزابيل پريسلر في ثوب أحمر.
پريسلر التي ولدت في الفلبين لكنها عاشت في إسبانيا منذ عامها السادس عشر، هي من بَنت المنزل مع زوجها الثالث، وزير الاقتصاد والمالية الإسباني السابق ميغيل بوير الذي توفي في 2014. غالباً ما يتسكع مصورو المشاهير حول بواباته، پريسلر (67 عاماً) كانت موضوعاً جذاباً للصحافة الشعبية الإسبانية منذ زواجها بزوجها الأول نجم الپوپ خوليو إغليسياس في 1971. (زوجها الثاني كان ماركيزاً إسبانياً) وهناك بعض الأقاويل بأن فارغاس يوسا لديه الآن مكتب مع أكوام مرتبة من الكتب وتمثال نصفي لأونوريه دو بلزاك في زاوية صغيرة من مكتبتها وسط كتب هربرت بوير العلمية والرياضية القديمة. اعتاد العيش في شقة تحتل طابقاً كاملاً من المبنى في قلب مدريد التاريخي، على بعد خطوات من المسرح الملكي حيث الشوارع الضيقة مثل الخنادق. لكن في 2015 ترك زوجته لخمسين عاماً من أجل پريسلر. عندما تبعته إلى الشرفة تساءلت للحظة إن كان جزء من جاذبية پريسلر هو قدرتها على إخفائه في مثل هذه الفخامة.
تحت مظلة بيضاء اتخذنا أماكننا على زوج من الأرائك البيضاء المواجهة لبركة صغيرة من الزبرجد. وصلت قهوتي في كوب وردي صيني رقيق. عندما تحدثنا انزلقت الشمس خلف غابة هزيلة من أشجار زُرعت متراصة إلى جانب بعضها، حيث حجبت الشارع والجدران الحجرية العالية والطريق الحصوي الطويل، منحت الحديقة صورة خادعة لحديقة عامة. تحدثنا لأكثر من ساعتين بالإسبانية، عن التجديدي المسيسيپي ويليام فوكنر والوكيلة الأدبية الخبيرة كارمن بالسيلز، عن البرامج التلفزيونية: The Wire و Vikings. في معظم حوارنا كان فارغاس يوسا قادراً على ضبط نفسه بشكل مدهش. نادراً ما يلمس كأس الماء خاصته ونادراً ما يحرك يديه، رغم أنه يقول كل شيء تقريباً مع ابتسامة وينهي الكثير من الجمل بضحكة. كان يشبه المنزل نفسه: قلعة مموهة في دفء الرقي الاجتماعي، “يستطيع أن يوجه ضربة لأحدهم مثل أي رجل تقليدي جداً، ومهذب إلى حد ما”. كما قالت ماري آرانا الكاتبة البيروفية الأمريكية والمحررة السابقة لباب الكتب في الواشنطن پوست. “الناس الذين لديهم جاذبية كبيرة جداً يحاولون موازنتها بأن يكونوا رسميين، ليبدوا جادين”.
في آذار سوف يصبح عمر فارغاس يوسا 82 عاماً. كان يشبه يوماً ما جون ترافولتا ذا العينين السوداوين: الشفاه الممتلئة، الذقن الحاد، الشعر الأسود الكثيف. الشعر أبيض الآن، لكن السلوك الهادئ وضبط النفس المذهل ما يزالان باقيين. يكتب في كل صباح من حياته تقريباً، نشر 59 كتاباً خلال 55 عاماً، من بينها أعظم الروايات في نصف القرن الماضي. “زمن البطل”، “محادثة في الكاتدرائية”، “العمة جوليا وكاتب السيناريو”، “حفلة التيس”، “لو أني لم أكتب”. قال في حوار معه في عام 1990 لپاريس ريفيو: “أود أن أطلق رصاصة في رأسي، دون أدنى ارتياب”. في هذا الأسبوع صدر ليوسا ثلاثة كتب: الترجمات الإنگليزية لرواية “الجوار” ومجموعة من المقالات السياسية بعنوان “السيف واليوتوبيا”، وصدرت طبعة جديدة من “نداء القبيلة” باللغة الإسبانية والتي لم تترجم بعد إلى الإنگليزية. وهي تاريخ مكثف لثلاثة قرون من الفكر الليبرالي الكلاسيكي، من آدم سميث إلى جان فرانسوا ريڨيل، مثل نوع من السيرة الذاتية الفكرية.
الكتابة بالنسبة لفارغاس يوسا كانت دائماً سلاحاً ضد اليأس والاستبداد، و”نداء القبيلة” يبدو مثل محاولته صد موجات الوطنية والشعبوية التي اجتاحت عالمنا الآن. هو مدافع عن الحرية الفردية والديموقراطية في أمريكا اللاتينية. هجماته على السلطويين صنعت له أعداء بين الاشتراكيين والمحافظين على حد سواء. أكثر ما يحترمه في الإنسان، كما قال لي، نزاهته: “تطابق ما تؤمن به، ما تقوله وما تفعله”. وعلى الرغم من أن إصراره على قول وفعل ما يؤمن به تماماً ترك طريقاً محروقاً في حياته الشخصية، إلا أنه صنع حياته المهنية أيضاً.
حتى بلوغه العاشرة، كان فارغاس يوسا ينعم بطفولة مدللة مع عدد من أفراد عائلة والدته الاجتماعيين من الطبقة المتوسطة، والتي يمكن أن يعود نسبها إلى المستعمرين الأسبان الأوائل. الأجداد والأعمام والعمات يتعاملون بتسامح مع مزاحه وتجسسه على النساء من فوق الأشجار، واصطحاب فصله بأكمله إلى المنزل لشرب الشاي. يلعب الطرزان مع أبناء أعمامه ويحفظ الشعر مع جده. قال له إن والده يعيش في الجنة. كان يُقبل صورته كل ليلة قبل النوم. في الحقيقة كان إرنستو فارغاس على قيد الحياة، لكنه هجر أم ماريو، دورا يوسا، قبل عدة أشهر من ولادته. بعد ذلك، في 1946، اجتمع إرنستو ودورا مرة أخرى وأخذوا ماريو إلى ليما.
“عندما ذهبت للعيش مع والدي، كنت أشعر بالوحدة، أشعر بعزلة تامة، منفصلاً عن الناس الذين كنت أشعر بأنهم عائلتي، القراءة أنقذتني” قال فارغوس يوسا. دفن نفسه في روايات ألكسندر دوماس، فيكتور هوغو، چارلس ديكنز وأونوريه دو بلزاك، ويحلم بحياة تعج بالمغامرة. “كانت طريقة رائعة لأجل ألّا أعيش الحياة الفظيعة التي كنت أعيشها”.
“عندما يضربني أبي” كتب فارغاس يوسا في مذكراته 1993 “سمكة في الماء”، “أسقط في هاوية عميقة، والذعر لعدة مرات جعلني أذل نفسي أمامه وألتمس العفو منه وأنا أضم يداي لبعضهما. لكن هذا لم يهدئه. ويستمر في ضربي، والصراخ والتهديد بإدخالي في الجيش جندياً فور بلوغي السن المسموح للتجنيد وعندها أكون على الطريق الصحيح. متى ما انتهى المشهد بأكمله، وربما حبسني في الغرفة، لم يكن الضرب، لكن الغضب والقرف من نفسي لأني كنت خائفاً جداً منه وأذللت نفسي أمامه بهذه الطريقة، هو ما جعلني أقضي الليل بلا نوم وأبكي بصمت”.
الخيال والشعر كانا ملجأ ماريو من الاستبداد المنزلي لإرنستو. كانا تحدياه أيضاً. “كان ينظر أبي إلى الأدب على أنه أمر خطير” قال فارغاس يوسا في الحديقة، ويصقل خجلاً صدماته القديمة بضحكة. “كان يظن أن الأدب هو جواز السفر للفشل في الحياة، وإنه وسيلة للموت جوعاً”. الروايات، كما يظن إرنستو أيضاً، هو عمل البوهيميين السكارى والمثليين. في عزمه على تحويل ماريو إلى رجل حقيقي، سجل إرنستو ابنه في أكاديمية ليونسيو برادو العسكرية عندما كان في الرابعة عشرة. “ذهبت إلى ليونسيو برادو لأن أبي كان يظن بأن الجيش هو العلاج الأفضل من الأدب ولتلك النشاطات التي يرى بأنها مهمشة جداً”. ضحك فارغاس يوسا على هذه المفارقة، “ما حدث هو العكس، لقد منحني هو موضوع روايتي الأولى!”.
حتى الآن، لم يزل التأثير الصادم لرواية “زمن البطل” (1963) بسبب مشاهدها التهويلية والإباحية على الطلاب العسكريين. من الأشياء المهمة التي تضمنتها: الاغتصاب الجماعي للدجاج، تحمّل لعق القضيب من أجل الخمر، ركل الضباط للطلاب وقتل صبي يُلقب بالعبد والذي ميّز نفسه بإذلال خاص، فعندما يرتكب الأخطاء يتضرع من أجل المغفرة ويداه متشابكتان. غاضباً بسبب الفضيحة، طوق المدير في أكاديمية ليونسيو برادو العسكرية 1000 نسخة من الرواية وأضرم فيها النار في حفل رسمي. لكن الحَكَم لجائزة بريميو بيبليوتيكا بريفيه الإسبانية المرموقة أعلن أنها: “أفضل رواية باللغة الإسبانية خلال الثلاثين عاماً الماضية”. “زمن البطل” كانت من بين التأثّرات الأولى لعصر التحوّل في أدب أمريكا اللاتينية والمعروف باسم عصر النهضة (توفي كل كتّابه الآخرون الكبار: غابرييل غارسيا ماركيز، خوليو كورتازار، كارلوس فوينتس، خوسيه دونوسو، خوان رولفو، ميغل أنخل أستورياس و غييرمو كابريرا إنفانتي).
رائعة فارغاس يوسا هي رواية “المحادثة في الكاتدرائية” (1969). إنها تلاقح فوكنر مع بلزاك، والتقنيات الحديثة المستخدمة في رسم بانوراما تاريخية شاملة. بناء الرواية خرج بطريقة حلزونية من نقطة واحدة: لقاء غير متوقع في الستينيات في ليما بين سانتياغو زافالا، وهو مراسل في الثلاثين أقصي عن عائلته الأرستقراطية، وأمبروسيو سائق عائلته السابق. التقى الاثنان في زريبة حيث كان أمبروسيو يذبح الكلاب من أجل المال. معاً، سكر الرجلان عند بار حانة سيئة تسمى كاتدرائية، ومن خلال حديثهما يظهر المشهد القاسي لكل پيرو تحت الحكم الديكتاتوري العسكري للجنرال مانويل أودريا لثمان سنوات في الخمسينيات. ورط فارغاس يوسا الجميع في كوارث أخلاقية، من الطلاب المتخاصمين المنشقين إلى الإعلام الجبان إلى النساء الثريات اللواتي أغرقن أنفسهن في الكحول والقيل والقال.
من المشين أن “زمن البطل” لم تحصل على الشعبية التي تستحقها في الولايات المتحدة، ويلقى على الترجمة الإنگليزية للرواية بعض اللوم. غريغوري راباسا الذي قدم ترجمة مذهلة لرواية “مئة عام من العزلة” وساعد ذلك على جعل الرواية الأكثر مبيعاً في أمريكا، تعثر بأسلوب فارغاس يوسا الأكثر تعقيداً والذي ينتقل باستمرار بين المتعرج والعاميّ. لن تكون قراءة “محادثة في الكاتدرائية” سهلة بأي لغة. إنه كتاب لمحبي فوكنر، بروست وبولانو. لكن أخطاء راباسا عتمت مظهرها الإجرامي العتيق وطمست منحدراتها النغمية المثيرة. قال لي الروائي البيروفي الأمريكي دانيال ألاركون إنه دفع نسخة راباسا جانباً عندما رأى أنه قد ترجم Flaco إلى skinny (نحيل). كان من الممكن أن يقول: “Hey, Slim ” (هَي، يا رجل أو يا صديق) أو يتركها على حالها Flaco، وضح لي. “لكن: “هَي، يا نحيل” لا يقول ذلك أحد. لا يُقال شيء من هذا القبيل في الكلام البشري باللغة الإنگليزية في أي مكان سمعت به من قبل. وأنا أتحدث الإنگليزية منذ الثالثة من عمري”.
لماذا رسخ غارسيا ماركيز مكانه على رفوف المكتبات الأمريكية والمناهج الدراسية بينما أُهملت روائع فارغاس يوسا الشجاعة؟ قراءة أفضل كتب فارغاس يوسا أصعب من قراءة كتب غارسيا ماركيز. إنها أقل عاطفة، أكثر قذارة وشبقاً وغضباً. “مئة عام من العزلة” تبدو وكأنها بطاقة هالمارك إلى جانب “محادثة في الكاتدرائية”. ربما يتم فصلك إذا اقترحت كتب فارغاس يوسا في مناهج الدراسة الثانوية باللغة الإنگليزية. وقد صدر لفارغاس يوسا العديد من الروايات (18 رواية) جولات الدعاية لها فقدت قدرتها على فرضها بين الوسطاء. لم يساعده سلوك جمهوره المتحفظ. لم يكن “غابو” كاتباً كبيراً فحسب، كان استعراضياً خبيراً، عمل في الدعاية سابقاً ولعب بتعقّل على الغرائبية الكاريبية مع جمهور أجنبي. عندما تشاجر الأثنان في السبعينيات مال أكثر المثقفين نحو ماركيز بينما نأى فارغاس يوسا بنفسه عنهم.
ورغم ذلك فإن فارغاس يوسا هو الكاتب الأكثر جرأة والأكثر ديموقراطية. في حين أن غارسيا ماركيز تودد إلى فيدل كاسترو وصقل أسلوب مميز. فارغاس يوسا أعاد اختراع أسلوبه مرة بعد أخرى ودافع عن الأسواق الحرة وحرية التناسل وحقوق المثليين والانتخابات الحرة. المساحات السياسية خاصته تؤكد على قيم الاختلاف والتعليم العام الممتاز وتكافؤ الفرص للفقراء. رواياته سواء كانت الروايات التاريخية المتلونة أو الإثارة السياسية أو القصص الملحمية عن الأجيال أو الكوميديا التهريجية هي روايات غير عادية لقدرتها على تسكين الكثير من المشاهد. هو يجيد الكتابة عن المشتغلين في علم النفس على وجه الخصوص، الذين يحيطون بالسلطويين ويؤدون وظائفهم الإدارية. مثل هذه الشخصيات لم تكن معروفة بين قرّاء الستينيات والسبعينيات والثمانينيات الذين فضلوا أبطال غارسيا ماركيز الرومانسيين، لكن قد يشعر الأمريكيون بأهميتها اليوم.
بعد يومين من لقائنا في حديقة پريسلر، رأيتُ فارغاس يوسا في مؤتمر صحفي عُقد في كاسا ده أمريكا (البيت الأمريكي) في مدريد، في غرفة صغيرة زُينت بتكلف بالملائكة والعراة والأوراق الذهبية. تمثال لسيمون بوليفار الأمريكي اللاتيني المقاتل من أجل الحرية في العصر التاسع عشر يحدق من جانب كاميرات التلفزيون. عندما دخل فارغاس يوسا الغرفة، هرع المصورون نحوه، ينقّون: “Mario, por favor” (ماريو، من فضلك) على أمل مداهنته للحصول على صورة جيدة. لكن تعابير فارغاس يوسا كانت تقترب من تخمة الأرستقراطي: فم مقوس، ونظرة غير مبالية. عندما واجه الصحفيين المصطفين أمامه، كان من الممكن أن ترى تقريباً فقاعة الفكرة وهي ترتفع فوق رأسه: لقد تخليت عن الكتابة هذا الصباح من أجل هذا؟
ما حرض الأُضحية هو الظهور الأول لكتاب آخر باللغة الإسبانية، هذا المجلد “Conversación en Princeton” (محادثة في پرينستون) يتضمن رؤية عن حلقة دراسية قدمها فارغاس يوسا مع روبن غالو في 2015 أستاذ اللغة والأدب في جامعة پرينستون. لشهور ناقش كل من فارغاس يوسا وغالو وطلابه خمسة من أشهر كتب يوسا، من ضمنها “محادثة في الكاتدرائية”. المشروع برمته، وضح غالو، مستوحى من رغبته في القيام باستبيان دقيق، بتفصيل وتأن لـ”غوته في عصرنا” في فضاء مثالي “خالٍ من أي ضغوط سياسية أو أي ضغوط أخرى، إلا من متعة القراءة نفسها”.
لكن لم يكن هناك مفر من السياسة في ذلك الأسبوع في مدريد. زعماء كاتالونيا، المنطقة شبه المستقلة التي تعد موطناً لبرشلونة، هددوا بإجراء استفتاء حول قضية انفصال الكاتالونيين عن إسبانيا. أعلن رئيس الوزراء ماريانو راخوي أن مثل هذا الاستفتاء غير قانوني وحكمت المحكمة الدستورية الإسبانية أيضاً بعدم دستوريته. لكن رئيس إقليم كتالونيا، كارليس بوتشيمون، عزم على المضي قدماً.
“كيف ترى ما يحدث في كاتالونيا؟” سأله أول صحفي خلال جلسة أسئلة وأجوبة، “أظن أننا يجب أن نركز على الكتاب” رد فارغاس يوسا بلطف. وواصل بعد ذلك في رد استمر لأربع دقائق أشار فيه إلى أن القوميين الكاتالونيين الذين كان يعدون “قلة من الرجعيين القدماء” خلال السبعينيات، كانوا يرون أن هذا الاستفتاء الحالي “تخبط سخيف، مفارقة تاريخية لا علاقة لها بحقائق عصرنا”، وأشار إلى أن القومية الكاتالونية كانت نوعاً من “المرض”. “أتمنى أن يكون لدى الحكومة المقدرة اللازمة لعرقلة الانقلاب، وهو ما يجري بالفعل، وإصدار العقوبات المناسبة بحقهم” في غضون ساعات، تصدرت هذه التصريحات العناوين الرئيسية للصحف في إسبانيا وفنزويلا والپيرو.
من المستحيل أن يحدث رد الفعل نفسه هنا لو أن من أعرب عن رأيه، لنقل توني موريسون أو فيليب روث. لكن فارغاس يوسا يُلام على أنه شخصية سياسية بحد ذاتها. كاد أن يصبح رئيساً للپيرو في عام 1990، وما يزال مبجلاً ومحتقراً كونه أحد أبطال أمريكا اللاتينية الأكثر تأثيراً بالنسبة للحكومة المحدودة، المشاريع الحرة، الديموقراطية وسيادة القانون. على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية كتب أعمدة تحت عنوان “المعيار” لصحيفة El País الإسبانية التي يتم التهامها من قبل السياسيين في إسبانيا وپيرو. عندما عقد البيت الأمريكي لقاء للاحتفال بعيد ميلاد فارغاس يوسا الثمانين في 2016 كان من بين الحاضرين الرئيس التشيلي (سيبستيان پانيرا)، الرئيس السابق لللأورغواي (لويس ألبرتو لاكال) والرئيسان السابقان لكولومبيا (ألفارو أوريبي وأندريس پاسترانا) ورئيسا وزراء أسبانيا السابقين (خوسيه ماريا أثنار وفيليپي غونزاليس) وبدأ الحفل بخطاب لرئيس الوزراء راخوي.
“الكلمات أفعال” قال فارغاس يوسا بينما كنا نجلس في شرفة پريسلر، مؤكداً على كل كلمة كما لو أنه يشير إلى جملة تحوم في الهواء. هذه العبارة لسارتر، قال لي، بلورت فهمه لدور الروائي السياسي في الخمسينيات. في ذلك الوقت كان ماركسياً. مشاهد المقاومة الشيوعية في “محادثة في الكاتدرائية” كانت مستوحاة من نشاطاته الشخصية في جامعة سان ماركوس في 1953.
“تخيلي في الخمسينيات، عندما كنت صغيراً جداً وبدأت في الكتابة” قال لي، “شاب بيروفي، تشيلي، كولومبي يعيش في بلد حيث الأدب يعني القليل جداً. كان نشاط نخبة صغيرة، أليس كذلك؟ لذا إذا كان لدى المرء بعض من ضمير اجتماعي تجاه المشاكل في البلدان حيث اللامساواة فيها هائلة، حسناً، سوف يسأل الشاب نفسه لعدة مرات مع موهبة الكتابة، ما الهدف من الكتابة إذا كنت بيروفي أو تشيلي أو كولومبي؟ حسناً، هناك سارتر الذي كان مهماً للغاية، لأن سارتر كان لديه بعض الأفكار عن الأدب تتناسب تماماً مع شاب في بلد متخلف. كان لديه فكرة أن للأدب وظيفة اجتماعية وسياسية وتاريخية، وبهذا يمكنك تغيير الأشياء من خلال الأدب. يمكنك أن تؤثر على الواقع”.
في 1959 أيد فارغاس يوسا بحماس ثورة فيدل كاسترو الاشتراكية في كوبا. في وقت ما، سكّن والدة تشي غيفارا في شقته. لكن عندما توسع نظام كاسترو، زاد شعور عدم الارتياح لدى يوسا. خلال رحلة إلى هافانا عرف أن المثليين الكوبيين يسجنون مع معادين ثوريين ومجرمين عاديين في معسكرات العمل القسري. “بعض منهم كان لديه فكرة مثالية تماماً عن الثورة من أنها سوف لن تجلب الاشتراكية فحسب، بل وستغيّر العادات ويكون هناك تحرر للمثليين” قال يوسا. قال بأنه قد أرسل رسالة خاصة إلى كاسترو عبّر فيها عن قلقه واندهاشه.
بحلول 1971، شعر بأن هذا الاحتجاج الخاص غير كافٍ. عندما خضع الشاعر هيبيرتو پاديلا إلى محاكمة صورية ستالينية، جمع يوسا عدد من أصدقائه في منزله في برشلونة لصياغة استنكار شعبي ضد كاسترو. ظهرت “رسالة پاديلا” الشهيرة في صحيفةLe Monde الفرنسية وأعيد طباعتها في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، من بين الموقعين: سوزان سونتاغ، أوكتافيو باث، كارلوس فوينتس، خوليو كورتاثر، سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر. التداعيات الناجمة عن نشرها كانت بشعة، بما فيها اتهام فارغاس يوسا بالعمل لصالح السي. آي. أي. فضلاً عن تفكك صداقته الوثيقة بغارسيا ماركيز.
“لكن في الوقت نفسه شعرت بحرية كبيرة، أتعلمين؟” قال لي فارغاس يوسا. “لأن حتى ذلك الوقت لم يكن بإمكانك منح الأسلحة للعدو. لذا كان عليك ابتلاع كل أنواع الضفادع والثعابين”، الغزو السوڨييتي لتشيكوسلوفاكيا ومعسكرات العمل في كوبا، “لكن بعد قضية پاديلا لم أعد أبتلع أي ضفدع أو ثعبان قط”.
انفصال فارغاس يوسا عن كاسترو عجل في إعادة تشكيل جوهري لمعتقداته السياسية. بحلول 1982 كان يتناول العشاء مع مارغريت تاتچر والفيلسوف الليبرالي الكلاسيكي أشعيا برلين في منزل المؤرخ هيو توماس في لندن. هذا التحوّل السياسي أثر على سمعته الأدبية. جيرالد مارتن الذي كتب السيرة المميزة لغارسيا ماركيز ويعمل الآن على كتاب سيرة آخر عن فارغاس يوسا يعتقد أن العامل الأهم الذي استبعده من الفوز بجائزة نوبل “وهذا عموماً ما كان يعتقده لوندكفيست” آرثر لوندكفيست، عضو مؤثر في الأكاديمية السويدية، “هو تفضيله الكتّاب الاشتراكيين، الماركسيين، الشيوعيين والراديكاليين والتقدميين” أخبرني مارتن. حصل على جائزة الآداب بعد أن تغيّرت لجنة نوبل في أوائل الألفية الثانية.
لم يساعد ذلك في أن معتقدات فارغاس يوسا غالباً ما تتعرض لتشويه جسيم. كارلوس غرانس الذي جمع “السيف واليوتوبيا” قال لي إنه سمع ذات مرة بأن الكاتب البيروفي دانتي كاسترو أراسكو يقول: إذا أصبح فارغاس يوسا رئيساً لپيرو فسوف يستبدل الرمز الوطني بالصليب المعقوف. في الحقيقة، سياسات فارغاس يوسا أقرب إلى التحررية، أدان كل سلطوي في أمريكا اللاتينية طوال حياته. “السيف واليوتوبيا” أظهر له هجومه العنيف ليس ضد اليساريين من أمثال هوغو تشافيز في فنزويلا فحسب ولكن ضد الجنرال أوغستو بينوشيه في تشيلي والديكتاتورية العسكرية الپيرونية في الأرجنتين.
“ماريو فارغاس يوسا شخصية مركزية، مركزية، مركزية، مركزية، فيما يتعلق بالديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية” قال لي خوسيه ميغيل فيفانكو مدير هيومن رايتس ووتچ، “لا أظن أني أبالغ. إنه مثل أب الديموقراطية الحالية في پيرو”.
بعد أسابيع من لقائي به في مدريد، سافر فارغاس يوسا إلى تشيلي، حيث أيد إعادة انتخاب سبيستيان بينيرا وإهانة المحافظين في البلاد لمحاولتهم إلغاء قانون جديد يجيز الإجهاض، ثم إلى موسكو وإلى برشلونة حيث خاطب آلافاً من الإسبان المجتمعين في الشوارع ضد احتمال استقلال كاتالونيا. وفي ليلة من أوائل نوفمبر هبط هو وپريسلر في مدينة نيويورك. قبل أن يجلس معي في فور سيزونس، مشى لساعة في سنترال پارك، كما يفعل كل صباح أثناء إقامته في مانهاتن. النزهات في الصباح الباكر كانت جزءاً أساسياً من روتين فارغاس يوسا، لكنه لم يعد يقوم بذلك في مدريد. “المشكلة هو أن تكون مع إيزابيل، من المستحيل أن يكون لديك حياة عامة” قال، “يمكننا الذهاب فقط من منزل إلى منزل”. في كل مكان يظهران فيه، يتواجد مصورو صحافة المشاهير.
“أظن أن أحد الأمور التي يحبها في نيويورك هو أنه يستطيع المشي، يستطيع الذهاب إلى أي مطعم لتناول العشاء. إنه أمر مضحك لأن من يعرفه عموماً من الناس عندما أكون معه هم النوادل من أمريكا اللاتينية” أخبرني غالو. بعد حصول فارغاس يوسا على جائزة نوبل بوقت قصير في 2010، كاد أن يسحقهما هو وغالو آلاف البيروفيين في حرم جامعة پرينستون الذين احتشدوا بعد جلسة عامة. معظمهم يعيش في جوار پاترسون، غالو تذكرهم يصرخون: ماريو، صورة لجدتي! ماريو، أنا صوّتُّ لك!.
الهجوم على حملة فارغاس يوسا لانتخابات الرئاسة عام 1990 لم يكن لطيفاً دائماً. وصلت منزله تهديدات بالتفجير، تعرضت سيارته لهجوم، قُتل أعضاء من حزبه السياسي (حزب حركة الحرية). ترشيحه للانتخابات برز بشكل غير متوقع عام 1987، بعد كتابته مقالاً لاذعاً ضد خطة الرئيس ألان غارسيا بتأميم البنوك الپيروفية. بعد ذلك بوقت قصير توقف فارغاس يوسا عن كتابة الأدب لتأسيس حركة الحرية. أصبح ابنه الأكبر، ألفارو فارغاس يوسا الذي كان في الثالثة والعشرين حينها، المتحدث باسم الحملة.
جذبت منصة فارغاس يوسا أناساً جدداً للسياسة الپيروفية، من ضمنهم المديرة العامة بياتريز مرينو التي شغلت منصب رئيس وزراء الپيرو في وقت لاحق. غير أن معظم الپيروفيين سئموا من الأحزاب السياسية. في الثمانينات أدى عجز الطبقة السياسية الپيروفية إلى تحويل البلد لكابوس. قتلت الجماعات الإرهابية حوالي 17.000 شخصاً وسيطرت على مساحات جبلية واسعة. بلغ التضخم 7,650 في المئة عام 1990. يعيش ثلث سكان البلاد على الأقل في فقر. دعوة فارغاس يوسا إلى خفض المعونات الحكومية سببت الذعر لهؤلاء المواطنين وكذلك صلته بنخبة البيض الأثرياء التي هيمنت على پيرو مثل أقلية. ورغم ذلك، بالنسبة لكثير من الحملات، توقعت استطلاعات الرأي العام بفوز فارغاس يوسا. بعد ذلك، في المراحل الأخيرة من الحملة، اقترب مهندس زراعي غير معروف اسمه ألبرتو فوجيموري.
فوجيموري سخر وهاجم فارغاس يوسا بلا هوادة، لافتاً الانتباه إلى لا- أداريته وعلاقاته الدولية وعقيدته الفكرية الجادة ورواياته المخزية. ابن جامع قطن من اليابان قدم نفسه على أنه أجنبي يدافع عن فقراء پيرو والطبقة العاملة من “الصدمة الأقتصادية” النيوليبرالية الأجنبية. فوجيموري نفسه كان يظهر أحياناً على جرار زراعي. كان لديه موهبة إلقاء تصريحات عاطفية رنانة. لكن فوجيموري فاز لأن اليساريين والمعتدلين الپيروفيين تحركوا خلفه لغرض وحيد وهو هزم فارغاس يوسا. بعد توليه منصبه مباشرة تغيّر فوجيموري ونفذ النسخة التي اقترحها فارغاس يوسا من “الصدمة الأقتصادية”. هذا الانقلاب اعتمد على الاقتصاديين والمحاميين ورجال الأعمال أنفسهم الذين احتشدوا حول حركة الحرية. لكن بحلول عام 1992، بعد أن استخدم فوجيموري الدبابات لإغلاق الكونغرس الپيروفي لمقاومته إصلاحاته، أصبح واضحاً أن العديد من المناصرين السابقين لفارغاس يوسا لم يشعروا بالحرية بالقوة التي شعر هو بها.
أنذر فوجيموري بموجة جديدة من السلطويين في فنزويلا والأكوادور وبوليفيا. عالما السياسة ستيفن لفيتسكي ولوكن وي صاغا مصطلحاً لهذا النوع من الأنظمة: “الاستبداد التنافسي”. على الورق، تشبه الأنظمة الديموقراطية كثيراً. في التطبيق، تشبه الأنظمة الديكتاتورية أكثر. رغم ذلك ظلت شعبية فوجيموري كبيرة معظم التسعينيات. وكما توقع فارغاس يوسا، الإصلاحات الاقتصادية أنهت التضخم. وفي عام 1992 ألقى ضباط الشرطة الپيروفيين القبض على زعيم جماعة الفدائيين الأكثر عنفاً ورعباً في تاريخ أمريكا اللاتينية، الطريق الساطع، سُمحَ لهم بتفكيكه. هذان الانتصاران كانا السبب الذي جعل بعض الپيروفيين يدعون بأن فوجيموري أنقذ الپيرو، على الرغم من تشكيل حكومته لفرق الموت العسكرية، وتعليق أوامر بالمثول أمام المحكمة، وسحق حرية الصحافة، وسوء التعامل مع وباء الكوليرا، وتعقيم الآلاف من نساء السكان الأصليين، وابتزاز المعارضين، والتحريض على الفساد على نطاق واسع.
جالساً بالقرب من كأس من عصير الطماطم في الفور سيزنس، أكد فارغاس يوسا بأنه لم يعمل ضد فوجيموري حتى نشر الدبابات. “أنا لم أحترم الانتخابات فحسب، بل وكنت أول من هنّأ فوجيموري، وتمنيت له حظاً سعيداً” قال فارغاس يوسا، “وخلال عامين من حكمه الشرعي رئيساً للبلاد، لم أقم بحد أدنى من المعارضة”. لكن عندما أغلق فوجيموري الكونغرس، أصبح عدوّ فارغاس يوسا. طلب من المجتمع الدولي إيقاف المساعدات عن فوجيموري وأشار (بشكل واضح) إلى أن القوات الأمريكية اللاتينية غالباً ما تحبذ الانقلابات. ورداً على ذلك، قال قائد القوات المسلحة في حكومة فوجيموري، نيكولاس ده باري هيرموزا، إن فارغاس يوسا أضر الپيروفيين متعمداً. أخبرني ألفارو فارغاس يوسا أنهم أطلعوا على خطة لتجريد كل عائلة فارغاس يوسا من الجنسية الپيروفية. ناشد ماريو إسبانيا، وفي عام 1993 منحته إسبانيا الجنسية. في پيرو، اعتبر هذا الحدث على نطاق واسع على أنه خيانة وقحة من خاسر منزعج.
آخر روائع فارغاس يوسا (حتى الآن) كتبها في خضم معركته مع فوجيموري. “حفلة التيس” تروي آخر أيام الديكتاتور الدومينيكاني سيئ السمعة رافائيل تروخيو، الرجل الذي عصرن وهاجم بوحشية جمهورية الدومينيكان لثلاثة عقود حتى اغتياله في عام 1961. درس فارغاس يوسا تروخيو لأول مرة عام 1974 عندما زار جمهورية الدومينيكان لعدة أسابيع للعمل على وثائقي فرنسي عن البلاد. غير أنه لم يشعر بلزوم كتابة رواية عن الديكتاتور النرجسي وحبه للنظارة المروعة إلا في عام 1992.
إذا لم تقرأ فارغاس يوسا من قبل، هذا هو المكان المناسب للبدء. رائعة ومروعة، “حفلة التيس” وهي أيضاً من أسهل رواياته السياسة العظيمة. هنا تذوقه لتعددية السرد المزخرف تم تبسيطه إلى مجرد حفنة من وجهات النظر، وترجمة إديث غروسمان رائعة. كتب فارغاس يوسا عن تروخيو بأنه: “مستغل داهية لغرور وجشع وغباء الرجال”. كل الشخصيات تقريباً تتعاون معه طالما يظنون بأنه يستطيع مساعدتهم على نيل السلطة أو المال. حتى الرجل الذي نظم اغتيال تروخيو كان يحرس حياة الديكتاتور. لكن تروخيو قتل أخاه ودمر سمعته. قتله تروخيو على مراحل، فكر الرجل أخيراً: “تجريده من لياقته، شرفه، احترامه لنفسه، سعادته في الحياة، آماله ورغباته، تحويله إلى كيس من العظام المعذبة بالشعور بالذنب الذي دمره تدريجياً لسنوات كثيرة جداً”.
انحل نظام فوجيموري في نفس العام الذي صدرت فيه “حفلة التيس” بالإسبانية. في 14 سبتمبر 2000، بثت وسائل الأعلام مشاهد مصورة من ترؤّس فوجيموري للمخابرات السرية، فلاديميرو مونتيسينوس دفع لرجل في البرلمان 15.000 دولار للانضمام إلى حزب فوجيموري. بعد شهرين من ظهور التسجيل، قام فوجيموري برحلة غير مقررة إلى اليابان وأرسل استقالته من غرفة فندق طوكيو عبر الفاكس. وحتى حدوث هذا وضع في بنك أجنبي أكثر من 50 مليون دولار باسم مونتيسينوس. بعد خمس سنوات ألقي القبض على فوجيموري في تشيلي وتم تسليمه إلى الپيرو. في 2009 حكم عليه بالسجن لخمسة وعشرون عاماً لدوره، من بين فظائع أخرى، في إنشاء فرق الموت التي قتلت صبي في الثامنة.
انتقل ألفارو عائداً إلى ليما خلال السنة الأخيرة من نظام فوجيموري للانضمام إلى المقاومة الديموقراطية، وبعد انهيار نظام فوجيموري زاد نفوذ فارغاس يوسا في الپيرو. في 2011، استخدم الأب والأبن عاصمتهما السياسية الجديدة لعرقلة آمال ابنة فوجيموري كيكو بالرئاسة. لهزيمتها، احتشد خصوم كيكو خلف أولانتا هومالا وهو رجل هوغو تشافيز الذي أقر الأنتخابات في پيرو عام 2006. بعد إجراء مقابلة مع هومالا في مكتب فارغاس يوسا، ساعد ألفارو في ترتيب اجتماع عام حلف فيه هومالا اليمين الديموقراطي. أرسل فارغاس يوسا فيديو تأييده الذي عرض أثناء الحدث. “لو لم يدعم فارغاس يوسا هومالا ضد كيكو فوجيموري لما فاز أولانتا هومالا” قال لي الخبير السياسي الپيروفي ألبرتو فيرغارا. “هدأوا هومالا حتى تمكن من الفوز في الجولة الثانية”.
“من الواضح أن نصف البلاد تكرهنا” قال ألفارو، “وحتى ذلك اليوم لم يريدوا أن يغفروا لنا. لكن في النهاية أظن أن ما لا يريدون غفرانه لنا هو أننا كنا على حق”. هومالا لم يصبح استبدادياً. عندما انتهت فترة حكمه، تنحى. وهو الآن في السجن بانتظار المحاكمة بسبب الفساد.
بعد أسبوع على لقائنا في الفور سيزونس، قدمت مؤسسة گيتي تراست الميداليات المزينة بالأشرطة الزرقاء لفارغاس يوسا والفنان الألماني آنزلم كيفر في مكتبة مورغان في مانهاتن. بدأت الأمسية مع حفل كوكتيل في غرفة كما لو أنها بئر عملاق مبطن بكتب نادرة. يوسا وپريسلر وقفا إلى جانب بعضهما في زاوية من الغرفة، كلاهما يمسك بكأس من الكوكتيل. (فارغاس يوسا لا يحب الكحول المقطرة) پريسلر المعروفة بخزانة ملابسها العصرية، ظهرت أقل أناقة من المعتاد بشكل متعمد مرتدية ثوب أزرق بسيط يتماشى مع ربطة عنق يوسا. ألفارو وزوجته، سوزانا أباد، كانا هناك أيضاً، يتحدثان مع كارلوس باريجا سفير الپيرو. ثلاث من حفيدات يوسا كن يقفن مع بعضهن، إحداهن كانت ترتدي جمب سوت أبيض رائع جعلها تبدو وكأنها متقمصة لشخصية بيانكا جاجر في ملهى ستوديو 54.
عندما امتد حفل الكوكتيل لساعة، اضطرب يوسا، “من الرائع أن تجلس أو أن تمشي، لكن الوقوف أمر فظيع” قال يوسا. هو رجل يحب أن يفعل لا أن ينتظر، وكان لدي شعور بأن كل سحرهما هو وپريسلر والحديث حول الجوائز كان نوعاً من العمل الضروري. رنت الأجراس أخيراً من أجل العشاء. رافق يوسا پريسلر إلى تناول الطعام وهي تمسك ذراعه.
أثناء حوارنا، رفض يوسا مناقشة تورطاته الرومانسية. عندما سألته ما الذي حطم زواجه من پاتريسيا يوسا الذي نجم عنه ثلاثة أولاد. تخلى عن كل ابتساماته وضحكاته. “أنظري، هذا الموضوع له علاقة بالحب. الحب على الأرجح هو أثرى تجربة يمر بها الإنسان. لا شيء يقلب حياة المرء كما يفعل الحب. في الوقت نفسه، الحب تجربة شخصية. إذا أعلنته، أصبح رخيصاً، زائفاً، مليئاً بالابتذال. لهذا السبب من الصعب جداً الكتابة عن الحب في الأدب. عليك أن تجد أكثر الطرق براعة حتى لا يفقد صدقه ويصبح مبتذلاً. لذا أظن أنه لا ينبغي للمرء الحديث عن الحب، خاصة إذا كان الحب مهماً جداً في حياته”.
أنت رومانسي، قلت له.
“أظن كلنا. أظن أن الرومانسية قد حددت حياتنا كثيراً، من الصعب جداً أن لا تكون رومانسياً بطريقة أو بأخرى، رغم أن كثيراً منا لا يدركون ذلك. أنت تعيشه أو ترفضه. تُطعّم نفسك ضده. لنفترض أني لم أرفضه. عندما حدث، عشته”.
عاشه لأول مرة عام 1955 عندما هرب مع شقيقة زوج خالته، جوليا أوركيدي يانس. في ذلك الوقت كان يوسا طالباً جامعياً في التاسعة عشرة وأوركيدي مطلقة في التاسعة والعشرين. إرنستو فارغاس كان غاضباً جداً من زواجهما وهدد بقتل ماريو. لكنّ الزوجين رفضا الطلاق. في اليوم الذي قبل فيه إرنستو الزواج، كتب يوسا في مذكراته مشيراً إلى أن هذا اليوم هو يوم “التحرر الكامل” من والده. لكن بعد تسع سنوات على ذلك، تطلقا، وبعد عام، أي في 1965، تزوج من ابنة خاله پاتريسيا يوسا أوركيدي، ابنة أخي جوليا. في مذكراتها “ما لم يقله الصغير فارغاس” قالت جوليا إن العلاقة الرومانسية بين أبناء العم بدأت عندما زارتهما پاتريسيا في باريس عام 1960، كان ماريو في الرابعة والعشرين وپاتريسيا في الخامسة عشرة.
بعد خمسة وأربعين عاماً على زواجهما، صرح يوسا في محاضرة نوبل بأن پاتريسيا: “فعلت كل شيء وفعلت كل شيء بشكل جيد. تفرض أوامرها على الفوضى، وتبقي الصحفيين والمتطفلين بعيداً عني، وتدافع عن وقتي، تقرر المواعيد والرحلات، تحزم وتفرغ الحقائب وسخية جداً حتى عندما تظن بأنها توبخني، تكافئني بثناء كبير: “ماريو، العمل الوحيد الذي تجيده هو الكتابة”. في اليوم الذي بلغت فيه السبعين، تركها من أجل پريسلر.
“ما يجب أن تفهمه عنه هو أنه رجل قدم نفسه بشغف كامل إلى ما يؤمن به، حتى لو كان مخطئاً” قال لي ألفارو. من بين كل أبناء فارغاس يوسا، كان ألفارو أكثرهم قبولاً لعلاقة أبيه الجديدة. ربما لأن علاقتهما تتجاوز حدود العائلة. ابنة فارغاس يوسا، مورغانا، الفوتوغرافية ومخرجة الأفلام الوثائقية التي تعيش في پيرو، أخبرتني بأنها صُعقت عندما ظهر يوسا مع پريسلر في مجلة المشاهير الأسبوعية الإسبانية ¡Hola! بعد أيام قليلة على تجمع العائلة بأكملها للأحتفال بالذكرى الخمسين على زواج ماريو وپاتريسيا. تتحدث الآن عن الوضع بصبر أكبر: “نسمع بانهيار الزواج بعد اثنين، ثلاث، خمس أو عشر سنوات، أظن بأن مشاركة الحياة معاً لخمسين عاماً نجاح بحد ذاته” قالت.
لكن الابن الأصغر لفارغاس يوسا، غونزالو الذي يعمل مع الأمم المتحدة في بريطانيا، ما يزال يترنح من الطريقة التي تعامل بها يوسا مع الطلاق. “كان لدينا علاقة خاصة جداً وحميمية جداً، وأنا أحبه كثيراً” قال لي. غير أنه شعر بخيبة أمل كبيرة عندما صرح يوسا لمجلة ¡Hola! بأن عامه الأول مع پاتريسيا كان أسعد عام في حياته. “إذا كان العام الذي تركت فيه زوجتك لخمسين عاماً ولم تتحدث مع ابنك هو أسعد عام في حياتك، حسناً، هذا لا يعني الكثير عمّا قد تشعر به حقاً” قال غونزالو. “أمر جيد أن تفكر بهذه الطريقة، لكن لماذا تقوله علانية؟ هذا ما أجده كريهاً ومؤلماً أيضاً”.
الطلاق وآثاره المؤلمة، يمكن أن يحدث في أي عائلة. لكن ما أغضب الكثير من الناس ومنهم غونزالو، هو أن پريسلر تجسد ثقافة المشاهير الترفيهية والتي زعم يوسا بمقتها طويلاً. امرأة لديها هدوء القطة وجمالها. سيدة استثمرت بدهاء اهتمام صحيفة شعبية في ما يشبه سابقة كارديشيان: الاستضافة في البرامج التلفزيونية، تشجيع السلع الفاخرة مثل مجوهرات الرباط وبلاط پورسيلانوسا. يتم توثيق حياتها الاجتماعية بشكل كبير في مجلة ¡Hola! حيث كانت تعمل پريسلر في يوم ما، كما هو الحال في صحف الإشاعات اللذيذة. بحث سريع في الإنترنت يُظهر لك صور الزوجين يبحران في الكوستا أزول، يشاهدان مصارعة الثيران في إشبيلية، ويحضران الحفلات في دامفريز هاوس مع الأمير چارلس.
“هناك المئات من المنشورات وبرامج الإذاعة والتلفزيون التي تغذي نوعاً من الفضول أساسه كشف الحياة الخاصة للناس”. قال لي فارغاس يوسا في مدريد. “الكثير من الناس سعداء. وعلى العكس من ذلك، هي مهنة حقيقية لإظهار خصوصيتك. إنها نوع من التعري، لا، من الحياة، الجنسية والشهوانية على وجه الخصوص. وإنها عالم يبث الرعب في نفسي حرفياً”.
هذه “المهنة” هي مهنة پريسلر، وطالما هما معاً، بطريقة أو بأخرى، ستكون مهنة يوسا أيضاً. في كانون الأول نشرت مجلة بازار هارپر في نسختها الإسبانية فيديو مع تعتيم طفيف لعناق الزوجين وحديثهما عن حياتهما معاً، يشبه على وجه التحديد، وأنت تستمع إلى يوسا، الشيء الذي “يبث الرعب” في نفسه. هذه الفجوة الكبيرة والمفاجئة بين ما يقوله يوسا وما يفعله ذكرني بحوار أجريته معه حول شخصيته الشيطانية فونسيتو، صبي بوجه ملاك ونكهة إيغون شيلي. يوسع فونسيتو في “البطل الحذر” (2013) اهتمامه في الدين ويسأل والده، دون ريغوبيرتو: “هل يمكنك أن تخبرني ما هي قصة سدوم وعمورة، پاپا؟”
أتساءل أحياناً إن كان فونسيتو هو أناك الثانية، قلت ليوسا.
“من يدري؟” رد ضاحكاً. “إنها شخصية أزعجتني قليلاً لأني في الحقيقة لم أفهمه بشكل جيد” وبعد برهة أضاف: “لا أستطيع القول إن كان بريئاً حقاً أم أنه كان يخفي شيئاً ما أم أنها طريقة للتصرّف بذكاء، لا؟”
ظهر فونسيتو لأول مرة في رواية يوسا الكوميدية الحسيّة “امتداح الخالة” (1988) و”مذكرات دون ريغوبيرتو” (1997). تجاهل معظم النقاد هاتين الروايتين الخليعتين عند مناقشتهم أعمال يوسا. يميل معجبوه إلى اعتبارها إما منفرة أو مرحة. سهولة الهيجان فيما يخص الجنس أبقى القرّاء والنقاد بعيدين عن الإعجاب في الكيفية التي تجتاح فيها الإيروتيكية أدب يوسا. حتى الروايات المعروفة بتحليلاتها السياسية مليئة بنوع من الواقعية الجنسية المفرطة: مشاهد في بيوت الدعارة، قضايا المثلية الجنسية السرية، والاغتصاب. “الناس لا يميلون إلى التفكير به على أنه كاتب إيروتيكي، لكن مشروعه الأدبي مشوق إلى حد ما بسبب الطريقة التي يربط بها النشاط الجنسي بالسياسة” قال لي غالو. “أظن أن هناك فكرة، هو قالها كثيراً، بأن الديكتاتورية تؤثر على جميع الأصعدة في حياة المواطنين، بما فيها الصعيد الجنسي”.
ولا في أي رواية كان هذا الارتباط صريحاً أو حياً كما في رواية يوسا الأخيرة “الجوار”. تُفتتح القصة مع الصديقتين الحميمتين ماريسا وسابيلا وهما في الفراش. بعد صفحات قليلة نجد الكلمات: “تعرق”، “بظر”، “حكّ”، “سعادة”. تحول مساؤهما الأفلاطوني إلى قضية مثلية. وفقاً لرأي يوسا فإن هذا المشهد والعديد من منعطفات الحبكات المضاعفة لثلاث مرات في الرواية، ما هي إلا التقاطات واقعية لمغامرات غرف النوم التي حدثت خلال الفترة المظلمة لحكم فوجيموري. حظر التجوال الاستبدادي في ليما، ومنع السكان من التنقل خلال المدينة ليلاً، حوّل العديد من لقاءات العشاء والحفلات إلى نوم جماعي بشكل تلقائي، قال لي، مع بعض النتائج الغريبة حتماً.
“في تلك الأوقات من التوتر، من التصعيد الرهيب، تبرز الشهوانية على إنها تعويض، لا؟” قال، “إنها شكل من إلهاء النفس، من إهدار النفس. إنها مثل فكرة نهاية العالم. العالم ينتهي: كل الخطايا مشروعة”.
في آخر مرة رأيت فيها يوسا كان ذلك في ليلة متجمدة في معهد كاتو في واشنطن. هو وألفارو أمضيا اليوم في التخطيط لجولة أخرى من الاجتماعات والمناقشات والمؤتمرات لصالح المؤسسة العالمية من أجل الحرية، المنظمة التي يتعاملان معها لدعم أجندتهما السياسية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. بعد حوالي 14 ساعة من العمل، وقف في قاعة هايك للاحتفالات، وهي مساحة بتكنولوجية حديثة مع جدران بيضاء وكراسٍ مخملية حمراء، قبالة جمهور متعدد الجنسيات من الصحفيين والدبلوماسيين المحترفين وأعضاء هيئة كاتو وأصدقاء يتوقعون منه تفسيراً للتزايد العالمي للشعبوية.
“الشيوعية دمرت نفسها لعجزها الكامل عن الوفاء بكل التوقعات التي وُضعت في هذا النظام لتحقيق الرفاهية والعدالة والسعادة والثقافة للمجتمع” قال باللغة الإنگليزية. “لكن محاربة الشعبوية أصعب بكثير لأنها ليست أيديولوجيا، وليست نظاماً ذا مبادئ، ذا أفكار يمكن دحضها بعقلانية”.
في الثلاث سنوات الأخيرة بدا كما لو أن القيم السياسية ليوسا قد غزت العالم. في كل مكان تقريباً من أمريكا اللاتينية، انهارت الأنظمة الشمولية التي عارضها، في حين حظيت الأسواق الحرة والحرية الديموقراطية والجنسية على التأييد. لكن في 2016، بدا تغيّر المد والجزر. خلال حواراتنا، استحضر مشاعر الذهول أثناء زيارة إلى إنگلترا قبيل التصويت على انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بفترة قصيرة. لندن كانت لفترة طويلة نموذجاً للكيفية التي يجب أن تعمل بها التعددية متعددة اللغات والديموقراطية والأسواق الحرة معاً بالنسبة ليوسا. حتى ظهر بوريس جونسون في تلفزيون فندقه معلناً بلا خجل أن مدفوعات بريطانيا للأتحاد الأوروبي دعمت مصارعة الثيران في إسبانيا.
“أن تكذب بهذه الصفاقة، بهذا التهكم” قال لي يوسا. “حسناً، كنت مذهولاً” لم يتخيل قط أن مثل هذه التكتيكات الرجعية ممكن أن تعمل في بريطانيا. “ثبت الآن أن ليس هناك أي بلد مطعم ضد الغوغائية أو الشعبوية” قال يوسا. في أوروبا، من السهل اختيار شخصيات سياسية رائدة، مثل أنجيلا ميركل في ألمانيا، التي تبنت مبادئ الاقتصاد الليبرالي بينما تدافع عن مجتمع ليبرالي. هذا نادر في أمريكا اللاتينية. “الانجذاب إلى الزعيم سمة مشتركة للعديد من بلدان أمريكا اللاتينية” قال لي الصحفي البيروفي دييغو سالازار. “وليس في أمريكا اللاتينية فحسب، في الواقع، الرئيس ترامپ هو أول رئيس أمريكي لاتيني للولايات المتحدة في هذا الصدد”.
في 2016، خسرت كيكو فوجيموري الرئاسة بنسبة 0,2 بالمئة فقط من الأصوات. وحصل حزبها “القوة الشعبية” على الأغلبية في الكونغرس والتي استخدمتها في الواقع بطريقة تنافسية استبدادية لمهاجمة أقوى المعارضين لها. في أواخر كانون الأول، قامت القوة الشعبية بعزل الرئيس پيدرو پابلو كوكزينسكي في انقلاب تشريعي. لم يُنقذ كوكزينسكي إلا توسط ألبرتو فوجيموري وابنه كينجي الذي أقنع تسعة من أعضاء الكونغرس الامتناع عن المشاركة في التصويت الرئيسي. بعد فترة وجيزة، منح كوكزينسكي ألبرتو غفران عشية الميلاد. ومن المعتقد على نطاق واسع أن الامتناع عن التصويت كان تعويضاً عن هذا الإعتاق.
“كان علينا دائماً أن نختار بين أهون شرين”، قال غوستافو غوريتي محرر في الصحافة الاستقصائية في صحيفة IDL-Reporteros عن الپيروفيين. “لدينا مرشحون ديموقراطيون دون المستوى، اخترنا أن ننتخب لمجرد تجنب العودة إلى ديكتاتورية فوجيموري”. لكن الفوجيموريين أساساً في السلطة الآن، يعتمد بقاء السياسة الكوكزينسكية على تأييدهم، والتحالف الپيروفي الرخو والقوى التي تميل للديموقراطية قد لا تنجح في فوز آخر في انتخابات 2021.
تضاءل دور فارغاس يوسا في هذه المعارك. الألم والخلاف الناجم عن طلاقه غير المتوقع أبعده عن پيرو وأزّم الكثير من صداقاته القديمة. لا يسافر إلى ليما كثيراً ولا يبقى هناك لفترة طويلة. الشقة التي التقى فيها ألفارو مع هومالا تنتمي الآن إلى پاتريسيا يوسا فقط، والتي أزالت مكتب يوسا وحوّلته إلى غرفة تلفزيون. ستبقى آراؤه السياسية مهمة في ليما، لكنه اختار الانضمام إلى مجموعة پريسلر لطائرات الأثرياء التي تحمل وزناً أقل. توقع غونزالو فارغاس يوسا هذا التغيّر في بداية قضية أبيه، “كان إلهاً بالنسبة لي ليس لأني أحبه كونه أبي، لكن لأنه كان المثقف الأكثر أهمية وذكاء وإلهاماً ممن عرفتهم أو قرأت لهم في حياتي. وعندما رأيت الفائز بجائزة نوبل قد أجرى حواراً لمجلة ¡Hola! شعرت بالحزن كونه سمح لنفسه لأن يصبح جزءاً من عالم فقير تماماً من الناحية الثقافية”.
لا شيء يقلب الحياة كما يفعل الحب، غير أن فارغاس يوسا كان دائماً عصياً على الفهم. هو حداثويّ وكوميديّ، سياسيّ ومحبّ للجمال، مثقّف وزنديق. لم تكن الكتابة مجرّد ملجأ أو تمرّد ضد إرنستو، أخبرني في حديقة پريسلر، أنّ الكتابة كانت “وسيلة لكشف نفسي لأكون مختلفاً عمّا أراده لي أن أكون” حياته برمتها سلسلة من هذا الكشف المذهل. ربما نحن جميعاً لدينا تعدّد، لكنّ فارغاس يوسا فعّل تناقضاته، في حياته وعلى الصفحة.

المصدر: النيويورك تايمز
ترجمة: ميادة خليل
الرواية نت

شاهد أيضاً

من ماريا كازارس إلى ألبير كامو: ”حلمت بأني أجثو،ثم ينبعث صوتكَ،من أعلى محراب إيماني”

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *