الرئيسية / خبر رئيسي / أنا كارنينا – ليو تولستوي

أنا كارنينا – ليو تولستوي

خاص- ثقافات

*د.محمد حمدان

يقر تولستوي بأنها أول رواية ناضجة له رغم أنها صدرت بعد رائعته الشهيرة: “الحرب والسلام”. وهي كذلك إذا ما أخذنا الفرق في البناء الروائي بين العملين وسأتحدث في ذلك.

 نستطيع أن نرسم خطين يمثلان الحكايتين الرئيسيتين في الرواية؛ حكاية أنا كارنينا، وحكاية قسطنطين ليفين. وتتمحور الرواية ككل على هذين الخطين بينما يتقاطعان في بعض المواقع. وهنا يمكن الحديث عن اختلافها عن “الحرب والسلام” والتي كانت رواية تاريخية لها محور الحملة الفرنسية على روسيا وفي الواجهة تكون حكاية العائلات الروسية الخمس.

هذه الرواية تتكون من 1238 صفحة، وكالعادة هناك العديد من النسخ المختصرة والتي قامت بتجاهل محور ليفين وكأنه غير موجود. حيث أنك لن تجد سوى حكاية أنا كارنينا فقط في تلك النسخ.

أنا كارنينا هي زوجة الموظف الحكومي المرموق أليكسي كارنينا.. تزوجها حين كانت تبلغ من العمر 18 سنة وهو يكبرها بـ 20 سنة. وهو ليس زوجاً سيئاً وعلى الأغلب لا يشذ عن معظم جمهور الرجال في طبيعة علاقته مع زوجته من الإبتعاد عن الطابع الحميمي اللصيق أو بعبارة أخرى لا تربطهما علاقة عشق ملتهبة، مجرد زواج عادي آخر. ومن المهم هنا أن نلفت الإنتباه أنه كان من الممكن جداً لهذا الزواج أن يستمر دون مشاكل تذكر مع امرأة أخرى في ذات ظروف أنا كارنينا.. لكن ليس مع أنا.

أنا شخصية جذابة، امرأة فاتنة وهي تدرك أنها كذلك.. وتدرك الفارق الكبير في “الفتنة” بينها وبين زوجها رغم أنه لم يكن يشكل مشكلة حقيقية حتى التقت بفرونسكي الشاب العسكري، الوسيم والذي لا يقل جاذبية عنها. نستطيع أن نقول بأنهما شغفا ببعضهما.. فهي وجدت في شخص فرونسكي الجاذبية والشباب وتلك الحميمية الحارقة التي تفتقدها مع زوجها.. أما فرونسكي.. فوجد بها ما قد يجده أي رجل آخر في شخص أنا.. “امرأة يفتخر أن يصاحبها”.

الخيانة، هي الثيمة الأساسية في الرواية. فقد بدأت بتجسيد خيانة أوبلونسكي لزوجته مع المربية الإنجليزية وهو أخ لأنا.. ولربما من باب إثارة السخرية أن تكون أنا من يصلح بين أخيها الخائن وزوجته دولي.

خيانة أوبلونكسي لزوجته كانت بداية مثالية للرواية فهي تجسد الطرف المقابل من الخيانة التي هي موضوع الرواية؛ خيانة الزوج. وهنا أقتبس: “ما كان يمكنه أن يندم لأنه لم يكن مغرماً بزوجته وهي أم لسبعة أولاد، خمسة منهم أحياء، وأصغر منه بسنة واحدة فقط. كان يأسف فقط لأنه لم يحسن إخفاء حقيقته عنها.” انتهى الإقتباس. تلك الشعلة التي تكون في بداية أي زواج، والتي لا تلبث أن تخبو بعد الأولاد واتساع هوة مشاغل الحياة التي يقع فيها الزوجان رغماً عنهما. أوبلونكسي لم يكن مضطراً لأن يجد لنفسه المبررات لخيانته بل إنه يقول مخاطباً صديقه ليفين: “- افرض أنك متزوج، وأنك تحب زوجتك، لكنك انجرفت وراء امرأة أخرى… – ذلك شبيه بي فيما لو قمت عن المائدة الآن لأسرق شيئاً من الخبز الأبيض أثناء مروري أمام أحد الأفران. – ولمَ لا ؟ فقد تكون للخبز الأبيض رائحة طيبة لا سبيل إلى مقاومتها. ما أسعدني عندما أتغلب على شهوة الجسد؛ وإن لم أفلح فسوف تكون اللذة من نصيبي. “هنري هين”. انتهى الإقتباس.

بل إنه يقول في مكان آخر: “أنت أمام إمرأتين: الواحدة تتبجح بحقوقها وهذه الحقوق… هي حبك الذي لا تستطيع أن تمنحها إياه؛ والأخرى تضحي من أجلها بكل شيء ولا تطلب شيئاً. فما العمل ؟ وكيف تتصرف ؟ إنها مأساة ممزقة.” انتهى الإقتباس. ومن الجائز جداً أن أوبلونسكي وأنا يمثلان ما وصل إليه ليفين من خلاصة في نهاية الرواية أنهما يعيشان لإشباع شهواتهما. وهذا صحيح إلى حد ما.

الفرق بين أنا وأخيها شاسع. أنا لم  تتعدد علاقاتها كأخيها. لكنها خانت زوجها لأنها أحبت. لكن مفهوم الحب عندها يختلف عما هو عليه عند أخيها والذي لربما يجزم أنه أحب كل واحدة من النساء التي خان زوجته معها.

عندما نتحدث عن الخيانة في الأدب لا بد لنا أن نذكر أنا كارنينا ومدام بوفاري ولا بد لنا هنا من أن نعرج على مثال مدام بوفاري، خاصة أن لكلا البطلتين نهاية واحدة؛ الإنتحار. وإن كان لأسباب مختلفة أنا كارنينا انتحرت في لحظة من اليأس.. لشعورها أنها ضحت بكل شيء في مقابل الحب الذي لا تستطيع أن تحتفظ على حميميته ذاتها التي كانت في بدايته.. يأسها من أنها ستحتفظ بفرونسكي.. بل إنها ترفض أن تلد له المزيد من الذرية حتى تحافظ له على جمالها فلا يتركها لمن هي أجمل منها وسوف يكون هناك من هو أجمل منها دائماً ولا بد. كيف للمرء أن يحتمل كل هذه الضغوط، خاصة بعد أن ضحى بالفعل بحياة كاملة سابقة في مقابل ما لديه الآن من سعادة ؟ كان لا بد لها من أن تنتحر. مدام بوفاري وهي الزوجة الضجرة الزاهدة في كل شيء.. وهي التي تملك قناعة أن هناك في مكان ما من هذا العالم تكمن السعادة. وهذا المكان العجيب هو أي مكان آخر غير ذاك الذي هي فيه. انتحرت في النهاية خوفاً من العار. خوفاً من أن يكتشف الجميع كونها خائنة. لم تكن في مثل شجاعة أنا لتصارح الجميع بحقيقة وضعها. هل كانت أنا مثلها ؟ لنكن واقعيين، قد لا تستطيع كل زوجة أن تقاوم الإغواء الذي كان يقدمه فرونسكي الجذاب بالأصل. ومثيلات أنا ومدام بوفاري منهن بكل تأكيد. مدام بوفاري كانت تبغي الهروب مع روندولف الذي لم يكن يرى فيها سوى امرأة جميلة أخرى تبدو جيدة في الفراش.. بينما أنا هربت بالفعل مع فرونسكي الذي أحبها فعلاً فقد كان أمراً مدعاة للفخر بالفعل من أن يحصل على امرأة كهذه. ولنكون عادلين معهما يجب علينا أن نقول أن لو كانت حكاية أنا كارنينا في زمننا هذه لكانت ربما في حال كيم كادريشيان.. دون خجل ودون عزلة إجتماعية. وطبعاً الخاسر الأكبر هنا.. هو أليكسي كارينين والذي لن يفهم أبداً لماذا كان يستحق من أنا كل هذا البغض رغم كل الطيب الذي كان عليه معها. تماماً كما هو الحال مع زوج مدام بوفاري المخدوع والذي مات بعد معرفته بخيانة زوجته الحبيبة المنتحرة.

كان فرونسكي قبل معرفته بأنا يمارس سحره على كيتي والتي كان ليفين يحاول أن يجعل منها زوجة له.. وبعد أن أحبته تلك المسكينة، تعرف فرونسكي إلى أنا لأول مرة.. ونسي أمر كيتي تماماً.. ما المشكلة في أن يحصل فرونسكي التي تتمناه أي فتاة “صالحة للزواج” على أنا ؟ أن لها زوج مثلاً ؟ لا لا أبداً، فرونسكي يستطيع الحصول حتى على متزوجة. وأقتبس: “سأراها أيضاً، مرة أخرى. سأرى مشيتها، ووجهها؛ ستقول لي شيئاً ما، ستلتفت إلي، ستلقي علي نظرة عجلى، ولعلها ستبتسم لي. لكنه قبل أن يراها شاهد زوجها يرافقه ناظر المحطة باحترام وسط الجمهور. آه، الزوج! ولأول مرة، أدرك فرونسكي بوضوح أن هذا الزوج جزء لا يتجزأ من حياة أنا. كان يعلم أن لها زوجاً، لكنه لم يؤمن بوجوده، ولم يؤمن بهذا الوجود حقاً إلا عندما رآه برأسه، وكتفيه، وساقيه في بنطالهما الأسود؛ آمن بهذا الوجود، على الخصوص، عندما رأى الزوج يتناول بهدوء ذراع أنا، في نوع من الإحساس بالملكية.” انتهى الإقتباس. بالضبط، الملكية.. تلك الملكية المحببة “الجائزة” للمحب.. والتي نعطيها عن طيب خاطر لمن نحب.. تلك الملكية التي جعلت فرونسكي يعتقد أنه يملك الشرعية “العاطفية” في أن يتملك أنا.. وهو بذلك أولى من زوجها المثير للإشمئزاز. نرجع هنا مرة أخرى، للنتيجة التي وصل إليها ليفين في نهاية الرواية. أن تعيش متبعاً هواك.. متبعاً غرائزك الأكثر بدائية.. حب التملك.. الشهوة.. الغرور.. أنك أفضل من فلان وأحق منه مما هو لديه. تلك الدفقات اللذيذة من الأدرينالين في تملك ما هو ليس لك ولو لبضع ساعات قبل أن تفترقا لتمارسان دوريكما الإجتماعي المعتاد. الطمع، ما دمت وسيماً، وجذاباً وأفضل من غيري.. لما لا أستحق جزءً أكبر من السعادة.. أن أكون محبوباً أكثر.

فرونسكي ليس إنساناً سيئاً بمعنى الكلمة.. ومن المثير هنا، أن ننظر لردة فعله على كرم أخلاق أليكسي عندما حاول الإنتحار.. ثم اعتبر محاولته الفاشلة للإنتحار رد إعتبار للزوج المخدوع وعاد لأنا عند أول إشارة منها أنها تريده. عودة إلى أليكسي، زوج أنا وبعد مرضها الشديد في حمى النفاس عند إنجابها لطفلة فرونسكي.. وكيف أنه غفر لهما بعد أن شعر بأن أنا تحتضر، وكيف أنه عرض عليها أن يطلقها وكيف اهتم بطقلة عشيق زوجته رغم كرامته التي تنزف ولا بد وكيف أن أنا رفضت ذلك كي لا يمنّ عليها بفضيلته وآثرت الهروب نهائياً مع فرونسكي. لم يكن أليكسي هذا بارداً أو مملاً، كل ما هنالك أنه كان رجلاً. وسأقتبس: “أما هو فأنا أكرهه بسبب فضيلته. إني لا أستطيع أن أحيا معه. منظره وحده يؤثر بي جسديا. يخرجني عن طوري. لا أستطيع، لا أستطيع أن أحيا وإياه تحت سقف واحد. فماذا أفعل ؟ كنت تعسة وكنت أظن أن من المستحيل أن أصبح أتعس مما كنت، لكن لم أكن أستطيع أن أتصور الوضع الفظيع الذي أقاسيه الآن. أتصدقني: إني لا أستطيع أن أمنع نفسي من كرهه لعلمي أنه رجل فاضل، ممتاز، وأنني لا أساوي أصبعاً من أصابعه. أكرهه من أجل كرم نفسه. ولم يبقَ لي إلا…” إنتهى الإقتباس. كانت تكرهه لأنه ببساطة ليس فرونسكي ! وهي تدرك حجم الجريمة التي ارتكبتها وترتكبها في حقه.. ورغم ذلك هي تصر عليها وهي تقر أنها لو كانت مكانه لقتلت امرأة مثلها دون تردد. لكن أليكسي لم يفعل. أليكسي من ذلك النوع من الرجال الذين يفرون إلى الصندوق الذي تحدث عنه جون غراي في كتابه: “النساء من الزهرة والرجال من المريخ” ذلك الصندوق المنيع الذي يخفون فيه مخاوفهم ولحظات ضعفهم. في الواقع كان أليكسي يئن من وطء العبء الذي يحاول جاهداً أن يكتمه. هو يحاول أن يكون مسيحياً متحضراً.. وما زاد ذلك في نفس أنا شيئاً سوى المزيد من الكراهية اتجاهه. وفي الواقع، مجرد كونه “ليس فرونسكي” فسيكون كل ما يفعله لها دافعاً كي يزيدها كراهية اتجاهه !

كان ليفين يمثل شخص تولستوي.. الكافر المتشكك، كثير التفكير.. حتى الطريقة التي تصارح فيها مع كيتي كانت بالضبط مثلما كان في الواقع بين تولستوي وزوجته. حتى تلك النتيجة التي وصل إليها ليفين في نهاية الرواية وصل إليها تولستوي فعلاً.. حتى إنه ذهب إلى أبعد من ذلك بعد نشر هذه الرواية بعدة سنين بإعلانه كفره بالكنيسة.. ورفضه لرواياته وإعلانه أنه لن يكتب سوى روايات أخلاقية بعدها.

مرة أخرى بالنسبة للبناء الروائي.. نعم، التزم تولستوي بمفهوم الرواية في أنا كارنينا لكنه لم يستطع أن يبتعد كثيراً عن الأسلوب المقالي خاصة في الجزء الثامن من الرواية. لكنه طبعاً لم يكن مقالاً مباشراً كما كان يفعل في الحرب والسلام.

باختصار، هذه الرواية إضافة لمدام بوفاري تمثل تشريحاً صريحاً لظاهرة الخيانة الزوجية.. وتعطي تحليلاً نفسياً مذهلاً لها. وبرأيي.. من المفيد جداً قراءتهما.

 

شاهد أيضاً

قصَّة جائزة “البوكر”.. الرواية المجبولة بعرق العبيد

* نبيل عبد الكريم خلال مباراة وديّة في الغولف، اتّفق الصديقان البريطانيان “جوك كامبل” رئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *