الرئيسية / إضاءات / تاريخ الظل

تاريخ الظل

*يوسف أبو لوز

حقل الكتابة في الظل.. دلالاته، حضوره في الفنون وفي الصور وفي الأشياء، جمالياته، إحالاته، حقل واسع جداً؛ ذلك أن ظلال الأشياء والكائنات لا تنتهي، ولا تموت إلا بموت الشيء أو الكائن؛ بل رمزياً، يحمل الظل فكرة البقاء والخلود عند إحالته إلى تراث وتاريخ قائد أو زعيم روحي أو سياسي.. بهذا المعنى ظِلُّ غاندي ما زال ماثلاً في الذاكرة الثقافية الهندية، وظِلُّ جيفارا تحوّل إلى رمز وأيقونة، وظِلُّ جمال عبدالناصر ما زال ماثلاً في الأدبيات، التي تكتب حوله شأنه شأن ظل ماوتسي تونغ، ونهرو، وتشرشل.
أحياناً تبدو ظلال من هذا الطراز ثقيلة في ذاكرة بعض الشعوب مثل ظل نيرون الذي حرق مدينته روما، ومن الظلال الثقيلة: ظل هتلر، وظل فرانكو.. وعموماً ظلال الطغاة ثقيلة، فيما ظلال الحكماء، والفلاسفة، والشعراء، والموسيقيين تحمل معنى الخفة والجمال: ظل بيكاسو مثلاً.. ظل بيتهوفن، ظل المتنبي، ظل أم كلثوم، لا بل يقال عن الشخص المسكون بالمرح والطيبة، إنه خفيف الظل.
كل شيء وكل كائن له ظل والعالم مملوء بالظلال حتى الغيوم لها ظلال.. للأهرامات، للأشجار، للجبال، للقلاع، للكاتدرائيات، للجسور، للشعوب، للنساء، للأطفال ظلال تلو ظلال.. لا بل للأنهار والبحار ظلالها أيضاً، ولكنها ظلال مُضمرة.. غائرة في قيعان الماء حتى لو كانت هذه الظلال صوراً شعرية.

(1)
ترد الظلال في نصوص إغريقية (سافو مثلاً)، وفي الشعر الجاهلي قبل الإسلام، وفي ملحمة هوميروس، وفي القرآن الكريم يقول سبحانه وتعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46)..».. وليس هناك ما هو أعظم من بلاغة القرآن الإعجازية التي تصور هنا حركة الظل وسكونه وقبضه.
الظل في الشعر تحديداً كناية ومجاز وصورة.. وفي قصيدة «مديح الظل العالي» لمحمود درويش نلاحظ استعارة الدلالة من «الباب العالي» في نصّ ملحمي كتبه درويش بعد خروج المقاومة من بيروت في العام 1982 إثر الغزو «الإسرائيلي» للبنان، والظل هنا، هو ظل الفلسطيني في قتاله البطولي وحيداً؛ بل، هناك من يحيل الظل في هذه القصيدة إلى ظل ياسر عرفات، وربما ظل بيروت.. «بيروت خيمتنا الأخيرة»، ثم قوله.. «بيروت ظهراً يستمر الفجر مثل الفجر، تنكسر السماء على رغيف الخبز، ينكسر الهواء على رؤوس الناس من عبء الدخان..».
لا ترد كلمة «ظل» في القصيدة، ولكنها مديح لبطولة عالية. مديح لظل الفلسطيني الذي غادر لبنان وأطلق في سمائها وفي أرضها وفي ظلالها صيحة الوداع.. «.. يا أهل لبنان الوداعا../‏/‏.. اليوم أكملت الرسالة../‏/‏.. فانشروني، إن أردتم في القبائل توبة../‏/‏.. أو ذكريات أو شراعا../‏/‏».
على العكس من محمود درويش تحمل مفردة الظل عند الشاعر المصري صلاح عبدالصبور إشارات وجودية.. والظل في قصيدته «الظل والصليب» أشبه بمرثية لإنسان مسحوق بلا أبعاد.. بل الظل كما يقرر عبدالصبور هو «لص».. يقول..
حين أتاني الموتُ، لم يجد لديَّ ما يميته
أنا الذي أحيا بلا أبعاد
أنا الذي أحيا بلا آماد
أنا الذي أحيا بلا ظلٍ.. بلا صليب..
الظل لصٌ يسرق السعادة
ومن يعيش بظله يمشي إلى الصليب في نهاية الطريق يصلبه حزنه..»
(2)
التقى الممثلان العالميان «روبرتو دي نيرو» و«آل باتشينو» في فيلم جريمة أو فيلم «اكشن» كما يقولون في لغة السينما، وهو فيلم «القتل المبرر» حول شرطيين يحققان في جريمة قتل.. وباختصار، يقتل «آل باتشينو» تحت ظل طائرة زميله «دي نيرو» الذي يتضح أنه هو القاتل المتسلسل».
وفي الفنون التشكيلية تقوم اللوحة المسندية أو الجدارية عموماً على ثلاثة عناصر: الظل، الضوء، اللون، فهي المكونات الأساسية في الرسم عموماً، وكما تقرأ اللوحة التشكيلية من خلال حجم كثافة الضوء فيها، تقرأ أيضاً من خلال حجم الظل فيها.. وبينهما اللون، ويعود حجم الظل وحجم الضوء (أو النور) في اللوحة إلى طبيعة الألوان نفسها إن كانت زيتية، أو كانت مائية.
تدخل الظلال، أو الظل في الفيزياء أو في الهندسة، وتقول الموسوعة الحرّة (الويكيبيديا) إن نظرية الظلال هي فرع من فروع الهندسة الوصفية «تستخدم في تمثيل ظلال الأجسام بالنسبة لمصدر ضوء لا نهائي (الشمس) أو نهائي (شمعة)..»، وتقسيم العلم الظل إلى نوعين: الظل الحقيقي، والظل الخيالي، وثمة علاقة بين الظل والانعكاس.. «.. يختلف الظل عن الانعكاس الذي نراه في المرآة أو في الماء، فالظل ينتشر على الأجسام الحاجبة، بينما الانعكاس يخترق الأجسام الشفافة، وكلما اشتدت شفافية الأجسام بَدَت الأشياء فيها أكثر وضوحاً..».
هذا من زاوية علمية فيزيائية، وطالما استفاد الأدب والرسم من العلم.
في المسرح نتوقف عند فن الظل أو خيال الظل.. ويأتي التعريف به بوصفه فناً شعبياً
«.. انتقل إلى العالم الإسلامي من الصين أو الهند عن طريق بلاد فارس، واشتهر به العصر المملوكي..».
يقوم فن خيال الظل، ويُسمى أيضاً: «خيال الستار» على مجموعة دُمى يجري تحريكها عن طريق فنان الأغلب أنه ممثل من وراء ستار، وقد تم تسليط الضوء عليه، وكما هو فن جاذب للصغار أو الأطفال، هو جاذب أيضاً للكبار، وهو نوع من الفرجة الشعبية المسرحية.
(3)
يتصل مفهوم الظل، أو فكرته بالمرجعيات أيضاً.. الدينية وحتى الاجتماعية.. ويتمثل ذلك في الأدبيات ذات الصلة بالمرجعيات مثل عبارة «أدام الله ظله» أو «قُدّس ظله».. وفي محاذاة ذلك.. «قدّس الله سرّه»، وإذا تأملت جيداً هاتين العبارتين تجد نوعاً من العلاقة بين الظل والسرّ.

الظل صورة الإنسان وسرّه لا يمكن للإنسان أن يهرب من ظله، وعبارة «رجل بلا ظل» تنطوي على نوع من الهجاء، فالرجل الذي بلا ظل هو بلا شخصية، وبلا كينونة.
ينطوي الظل أيضاً على طاقة تشكيلية يتحكم بها ضوء الشمس. وعندما تكون الشمس عمودية تماماً يكون ظل الإنسان تحته أو تحت قدمه، وثمة ظلال للأشياء والكائنات وفق شمس الصباح، وشمس الضحى، والعصر، فإذا غابت الشمس غابت معها ظلال البشر والحيوانات والطيور.. غير أن الظل يعاود الظهور في البيت ليلاً عند سطوع ضوء القناديل أو ضوء المصابيح الزيتية والبترولية والكهربائية.
في بيت الإنسان تنطبع الظلال على الجدران، وفي الأرياف والقرى الزراعية يعمد الفلاحون الفقراء البسطاء إلى ألعاب الليل؛ حيث يقومون بتحريك أياديهم أو أصابعهم بين سقوط الضوء، وبين جدار، لترتسم على الجدار ظلال الأصابع على شكل طيور وحيوانات، وقد يكون هذا اللعب الريفي القروي نوعاً من مسرح خيال الظل الذي تحدثنا عنه قبل قليل، ويفصح هذا العمل «الفرجوي» الفطري عن مخيلة مسرحية «برية» عند الفلاح البسيط الذي يكتشف مسرّاته الصغيرة في أصابعه، وفي ظلاله.
امتداداً إلى ما هو شعبي، ففي الثقافة اليومية عند فئات مجتمعية عربية من الطبقة الفقيرة أو المتوسطة التي اندثرت الآن في وجه تغول أو توحش رأس المال.. يجري تداول هذه العبارة الشعبية.. «.. ظل راجل ولا ظل حيطة». أي أن ظل رجل مهما كانت قيمته أفضل من ظل جدار، والعمق الاجتماعي لهذا المثل الشعبي يعني أن المرأة مصيرها أن تتزوج حتى من رجل تافه أو قليل الشأن، فهذا أفضل لها اجتماعياً من أن تبقى مهملة أو منسية وهي جالسة تستظل جداراً.. أي أنها عانس.. وهو اجتهاد شخصي لروح هذا المثل الذي وظف الظل توظيفاً ذكياً، غير أن هذا التوظيف يحمل روحاً شعرية أيضاً من خلال ذلك التقابل بين ظل الرجل، وظل الجدار.
(4)
يخبرنا التاريخ السياسي بشكل خاص لتجارب معروفة في السلطة عما يسمى «رجل الظل» في دولة أو في مؤسسة حكم أو قيادة.. ورجل الظل هذا يتحرك في حيز «معتم» إن جازت العبارة، أي أنه بعيد عن ضوء الإعلام والدعاية الصحفية أو الإذاعية وفي العصر الحديث الدعاية الفضائية أو التلفزيونية.
رجل الظل في السلطة السياسية أساسي في صنع القرار، إن لم يكن هو صانع القرار، وهو أكثر من مستشار.. رجل مقرب جداً من رجل الحكم الأول، وهو موضع ثقة.. قل إنه عقل الدولة أو عقل السلطة. إنه على نحو ما عرّاب أو مهندس القرار السياسي، ولكنه لا يظهر في الصورة. إنه رجل الظل المقيم دائماً وراء ما يشبه ستارة.
رجل الظل هذا.. المهندس، والعقل والعرّاب موجود أيضاً في مجتمع الاقتصاد، وهو أيضاً موجود في مجتمع الإعلام، وقد يكون وراء سياسات التعليم والتنمية والتعمير، فهو بمعنى آخر قد لا يكون مفيداً في الآليات الإدارية المباشرة، ولكن عبقريته تظهر في الأفكار.. إنه «مطبخ أفكار» ومطبخ إدارة ولكن، مرة ثانية، من وراء ستار.
يقال إنه في عهد عبدالناصر كان أنور السادات أحد رجال الظل، وكان بوتفليقة رجل ظل، والرئيس الفرنسي «ديغول» قرب منه المفكر «ريجيس دوبريه». وكان فعلاً رجل ظل في الجمهورية الأولى في فرنسا، وكان عبدالحليم خدام رجل ظل وراء ستار حافظ الأسد، وحتى الرئيس الروسي الحالي الآن «بوتين» كان في فترة من حياته رجل ظل «ترؤسه منصب رئيس المخابرات الروسية..»، ثم زحف إلى السلطة.
لكن أحياناً، يطغى الرجل الأول في السلطة على كل شيء ويمسك زمام الأمور كلها بحيث لا يكون له رجال ظل، سياسياً مثل صدام حسين، وروائياً مثل الأخ الأكبر في رواية«1984» لجورج أورويل.
في الشعر أيضاً هناك شعراء ظل. وهؤلاء البعض منهم يختار طواعية الظل؛ وذلك لنزوعهم الفطري إلى العزلة أو الوحدة أو الانصراف الكلي عن الإعلام والدعاية والحياة الاجتماعية المزيفة المملوءة بنقاد مزيفين.. إن «الظل» متأصل في أرواح هؤلاء الشعراء، وعلى سبيل المثال في حين كان نزار قباني شاعر الضوء العالي، كان شاعر مثل خليل حاوي- على رغم حضوره في الذاكرة الثقافية العربية- يختار الظل عاكفاً على نحت قصيدة شبه حجرية، ومن الشعراء عشاق روح الظل الشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر، والشاعر السوري عبدالقادر الحصني، والشاعر الفلسطيني زكريا محمد، والشاعر السعودي محمد الحربي صاحب مجموعة «الجوزاء» وهؤلاء وأمثالهم كثر في العالم وفي المحيط العربي اختاروا روح الظل؛ لكن حضورهم قوي في الذاكرة بعيداً عن انتهازيات الدعاية والإعلام.
إلى جانب هؤلاء يجري دائماً عزل بعض الشعراء أو إقصائهم إلى الظل، وهؤلاء في العادة غير مرغوب بهم من جانب السلطة أو مثقفي السلطة، فيجري التحفظ على تراثهم وأسمائهم؛ لأنهم يمتلكون موقفاً سياسياً أو ثقافياً مستقلاً، الأمر الذي يغضب «رجال السلطة» من المثقفين المقرّبين من الامتيازات.
(5)
هل يمكن الحديث عن الظل بوصفه انتقاماً أو فضاء للانتقام؟.. نعم، وإليك هذه القصة التي تثبت ذلك؛ إذ يروى عن يهودي كان صديقاً لرجل عربي، ولكنه كان يظنه من أبناء جلدته اليهودية، وبعد سنوات طويلة اكتشف اليهودي حقيقة صديقه العربي، الذي لم يكن يهودياً، وتقول الحكاية إن اليهودي انتقم من العربي بأن داس على ظله.
الحياة مسرح من الظلال.. إنها سردية ظلال تتقاطع أحياناً، وأحياناً، تفترق، وأحياناً تتشابك، وتتمازج بل، وأحياناً، مثل البشر تتعايش.
الظلال صامتة أبداً وطول الدهر.. وفيما يمتلئ العالم والأرض والسماوات بضجيج الطائرات والقطارات والسيارات الزاعقة، والبشر الزاعقون في كل مكان في المدن والشوارع والساحات والحروب.. نجد أن الظلال لا تتكلم، وأحياناً تجلب البرودة، وعندما تشتد حرارة الشمس يلوذ الإنسان الصارخ الحارّ إلى ظل شجرة أو ظل جسر.. أو حتى ظل جدار.
________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

صورة نسوية متطرّفة للرجل العربي عند حنان الشيخ

صورة نسوية متطرفة للرجل العربي حنان الشيخ و”إنها لندن يا عزيزي” * عبدالمالك أشهبون في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *