الرئيسية / علوم / هل تظن أن الجينوم في أمان؟ فكّر في «مفاتيحه»

هل تظن أن الجينوم في أمان؟ فكّر في «مفاتيحه»

*أحمد مغربي

يحتاج أمر تلك المفاتيح الجينية التي اختُتم العام 2017 على نقاش مرعب بشأنها، إلى مقالات مطوّلة، ربما تفلح الكلمات التالية في التمهيد لها، إذ إنّها تتعلّق بتراكيب معينة تستطيع التحكّم في عمل أجزاء معينة (بالأحرى، جينات محدّدة) من الجينوم، فتوقف عملها أو تنشطّه، ما يعني أن اليد التي تمسك بتلك المفاتيح تستطيع التحكّم بمواصفات الكائنات البيولوجيّة كلّها، بما فيها البشر! هل يبدو ذلك مرعب حقاً؟

«إنّها بداية عقد يكرس لعلم «الجينوم المفتاحي» أو «إيبيجينوم» (Epigenome)، بل إنها أضخم تقدّم في علوم الوراثة منذ التعرّف إلى شيفرة الوراثة عند الإنسان مطلع القرن الـ21». بتلك الكلمات، وصف البروفسور الأميركي مانوليس كيليس، إنجاز فريق علمي دولي تمثّل في التعرّف إلى التركيب الذريّ والجزيئي، لـ «المفاتيح» التي تتحكّم في عمل الجينات التي يحتويها حمض الوراثة (راجع «الحياة» في 20 شباط/ فبراير 2015).

وآنذاك، استطاع فريق أشرف عليه كيليس (وهو من «معهد ماساشوستس للتقنية»)، وضمّ اختصاصيين من كرواتيا وكندا وأميركا، رسم خريطة التركيب الذري والجزيئي لـتلك المفاتيح، في 100 نوع من الخلايا في الجسم البشري الذي يضمّ 200 نوع أساسيّ من الخلايا.

وفي مفتتح القرن الـ21، توصّل العلماء إلى تفكيك الشيفرة الكاملة للحمض الوراثي «دي أن إيه» (DNA)، الذي يحتوي قرابة عشرين ألف جين.

وبقيت أسئلة كثيرة بصدد حمض الوراثة معلّقة، لعل أبرزها يتّصل بطريقة عملها وآليات التحكّم بها، وتالياً سبل السيطرة عليها. لماذا لا تصاب التوائم المتطابقة بالأمراض ذاتها، طالما أنها تملك التركيبة الجينيّة عينها؟ كيف يظهر 200 نوع من الخلايا في الجسم، انطلاقاً من الحمض الوراثي عينه؟ ما الذي يحصل في المناطق الخالية من الجينات في حمض الـ «دي أن إيه» الطويل الذي يضمّ قرابة 3.2 بليون مُكوّن وراثي؟ ما هي علاقة التراكيب المختلفة التي يضمها حمض الوراثة، بعمل شيفرة الجينات؟

وشكّلت تلك الأسئلة وغيرها منطلقاً لمجموعة من المبادرات العلميّة التي تهدف أساساً إلى استكمال التعرّف إلى تركيبة الحمض الوراثي، ومعرفة طريقة عمل الجينات. وضمن تلك المبادرات، انطلق في العام 2008 مشروع علميّ تموّله الحكومة الأميركيّة بقرابة ربع بليون دولار على مدار عشر سنوات. حمل المشروع اسم «برنامج خريطة طريق للـ «إيبيجينومكس».

وتنصب جهود المشروع على معرفة المُكوّنات التي تتحكّم بعمل الجينات. وجاء اكتشاف التركيب الجزيئي لنصف «المفاتيح» التي تتحكّم بالحمض الوراثي، في سياق ذلك المشروع.

متغيّرات من مصدر غير متوقّع

إذاً، يمثّل ذلك الاكتشاف اختراقاً علميّاً مهمّاً، لكنه يثير مجموعة من الأسئلة المثيرة. ووفق كيليس، تؤكّد تلك الخريطة للمفاتيح الجينيّة، أن تركيب الحمض الوراثي أعقد مما ساد الاعتقاد بشأنه طويلاً. وتكفي الإشارة إلى أن «المناطق الصامتة» (بمعنى أنها لا تشارك في صنع الجينات) داخل الحمض الوراثي، تفوق كثيراً تلك التي تنشط في عمل الجينات ذاتها!

وانصبّت جهود الفريق الذي قاده كيليس، على التعرّف إلى التركيب الدقيق للمناطق التي لوحِظ أنها تتحكّم في الجينات، بمعنى أنها تحدّد إذا كان جين معين ينشط ويؤدّي الوظائف المُشفّرة في تركيبته، أم أنه يبقى خامداً، أو ينشط بصورة جزئيّة. وشبّه كيليس عمل تلك المناطق بالمفاتيح التي تتحكّم بمرور المكالمات الهاتفيّة وتيارات الكهرباء.

وشدّد كيليس على أن التعرّف إلى التركيب الجزيئي لنصف المفــاتيح المتحكّمة بجينات البشر، ينـــدرج أيضاً ضمن المبادرة التي أعلنها الرئيس باراك أوباما في وقت سابق. وتشدّد المبادرة على مراكمة المعرفة بشأن «الأدوية الدقيقة»، بمعنى صنع أدوية تتجاوب مع تركيبة الجينات وعملها لدى كل فرد على حِدَة.

وكذلك تفتح المفاتيح الجينيّة، إذا جاز الوصف، أسئلة مهمّة عن المعلومات التي يقدّمها حمض الوراثة، خصوصاً أن كيليس شدّد على أنها تتأثّر بعوامل شخصية وبيئية، كالتدخين والوزن وممارسة الرياضة وغيرها. وإذا حمل شخص ما جيناً يؤهّله للإصابة بسرطان البروستات أو مرض «آلزهايمر»، فلربما يواجه في مستقبل قريب مشكلات تتعلّق بتوظيفه، إذا استخدمت الشركات معلومات الجينوم لاستبعاد من لا تريد أن تتحمل تكلفة علاجهم مستقبلاً. في المقابل، إذا امتلك الشخص عينه «مفتاحاً» يبطل عمل الجينات المريضة، ينخفض إمكان إصابته بتلك الأمراض.

ويزيد في تعقيد الصورة، وفق كيليس، أن الأفراد يستطيعون أن يمارسوا نمط حياة يؤدّي إلى تفعيل «المفاتيح»، ما يؤدّي أيضاً إلى وقايتهم من الأمراض التي يحملون تأهيلاً جينيّاً للإصابة بها. كيف يكون التفاعل الاجتماعي، وتالياّ الثقافي والسياسي، مع اكتشافات علوم الـ «إيبيجينومكس»؟ لنفكّر قليلاً أو كثيراً!

________
*الحياة

شاهد أيضاً

دليل علمي جديد على وجود حياة بعد الموت.. تعرَّف عليه

لندن- 21- تمكن مجموعة من العلماء والأطباء في الولايات المتحدة وألمانيا من التوصل الى أول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *