الرئيسية / خبر رئيسي / أسرار الأشكال والأرقام

أسرار الأشكال والأرقام

*الفاهم محمد

أسرار عظيمة ظلت مخفية لآلاف السنين عن عامة الناس، لكنها تنكشف اليوم بفضل الثورة الرقمية، التي جعلت المعرفة متاحة للجميع إلى حدود بعيدة. يحيل مصطلح الهندسة المقدسة على مجموعة من النسب العددية والعلاقات الهندسية، التي نجدها مبتوتة في العديد من ظواهر الكون والطبيعة، مثل أوراق الأزهار وأحجار الكريستال وندف التلج، وفي تناسب أبعاد الجسم الإنساني، بل وفي المجرة والكون بصفة عامة. هذا يعني أنه على الإنسان إدراك هذه الهندسة باعتبارها تقع في أساس كل نشوء وخلق، وهو السبب الذي سميت من أجله بالهندسة المقدسة.

تجليات هذه الهندسة عديدة يصعب استعراضها في مقال مختصر، لذلك نكتفي بتسليط الضوء على أشهرها، مثل العدد الذهبي وزهرة الحياة. ماذا نعرف حقاً، حول حقيقة ما نعتقد أننا نعرفه؟ هذا هو السؤال الذي ينقدح في أذهاننا ونحن نواجه موضوع الأسرار المخفية للهندسة المقدسة..
زهرة الحياة

يتعلق الأمر بشكل هندسي يتكون من دوائر متداخلة ومتقاطعة مع بعضها بعضاً بطريقة بديعة. كان الباحث دونفالو ملشيزدك Drunvallo Melchizédek أحد رواد العصر الجديد، واحداً من أهم من أثاروا مؤخراً الانتباه إلى أهمية هذا الرمز، وذلك في كتابه «السرّ القديم لزهرة الحياة» الصادر سنة 1990. هذا النقش موجود تقريباً في أغلب الآثار القديمة وفي كل الحضارات، في الهند والصين والمايا وفلسطين واليابان وغيرها. نحن نجده مثلاً في غرفة قصر آشور بانيبال الموجودة في متحف اللوفر، ويوجد في معبد أزوريس بمصر، كما يوجد على شكل كرة موضوعة تحت أقدام كلاب الفو Fu وكأنها تحرصها في المدينة المحرمة بالصين. هناك أيضاً بعض الأعمال الفنية أشارت إليها، وعلى رأسها أعمال لليوناردو دافينشي المعروف بتشفيره للوحاته، وبالخصوص ما يصطلح عليه بكوديكس أتلانتيكوس لدافينشي le codex atlanticus de léonard de vinci. كما لوحظ وجود هذا الرسم كشكل مقدس عند بعض الديانات القديمة السلتية والجرمانية وغيرها.

كيف يمكن إذن لهذه الثقافات المتباعدة عن بعضها بعضاً، أن تعرف هذا الرمز نفسه. غير أن غرابة الموضوع لا تتوقف هنا عند الطابع الكوني الذي يتخذه شكل زهرة الحياة. إن أنصار «العصر الجديد» يرون أن هذه الزهرة ليست مجرد رسم هندسي أو شكل ديني عادي، بل هي تعبير عن العدد الذهبي، وهو النسبة العددية المبتوتة في كل الموجودات، بدءاً من الذرة ووصولاً إلى المجرة. فهي رمز محيّر تتضمن العديد من الرسائل المتعلقة ببنية الكون، وبالبعد العميق للوجود. إنها الرمز الذي يؤكد لنا أن كل شيء متصل في هذه الحياة من المتناهي في الصغر إلى المتناهي في الكبر. بمعنى آخر الكون والمخلوقات بما فيها الإنسان ووعيه، كل ذلك يشكل شيئاً واحداً.

اللانهاية والمطلق

كما أشرنا سابقاً، زهرة الحياة هي عبارة عن دوائر هندسية متشابكة مع بعضها البعض كما هو موضح في الصور. في البداية كانت هناك دائرة واحدة هي بمثابة رحم كل شيء، سعت لأن تملأ الفراغ حولها، والدائرة كما هو معروف هي رمز للكمال والمطلق واللانهاية، ما دام أنه يمكننا بدايتها من أي نقطة. ثم يتتالى الأمر إلى أن نصل إلى سبع دوائر متداخلة مركزها هو الدائرة الأولى، وهذا هو ما يجسد بذرة الحياة. إذا وصلنا إلى 13 دائرة نكون قد حصلنا على فاكهة الحياة. وعندما نصل إلى 19 دائرة نكون بصدد قلب الحياة. أما إذا بلغنا 37 دائرة فنكون قد حصلنا على زهرة الحياة، وهكذا يتضاعف عدد الدوائر ويتكاثر إلى أن نصل إلى شجرة الحياة. يمكن لهذه الدوائر أن يتم إضافتها إلى ما لانهاية، واللانهاية ذاتها هنا، تعبير عن المطلق الذي يريد أن يتجلى في الكون. كل الدوائر متشابكة ومتقاطعة مع بعضها بعضاً، ما يدل على أن كل ما هو موجود بدأ من الذرة وإلى غاية المجرة مرتبط مع بعضه البعض.
قديما قال أرسطو حكمته الخالدة «الطبيعة تخشى الفراغ». وهذا صحيح بالنظر إلى ما ترمز له زهرة الحياة، من تطور وامتداد وتعقد ينحو نحو الخصوبة والخلق. أليس هذا هو ما يجسد في نهاية المطاف جوهر طاقة الكون وهي تسعى للانتشار في كل الأرجاء، بل يشكل جوهر الحياة ذاتها وهي تسعى إلى الانتقال من البسيط إلى المعقد.

من الشكل الهندسي لزهرة الحياة يمكن أيضا استخراج المجسمات الصلبة الأفلاطونية الخمسة التي تحدث عنها في محاورة تيماوس. وهي المجسمات التي تدخل في تشكيل كل ما موجود في الطبيعة، حيث كل مجسم يقابل عنصراً في الطبيعة: النار، التراب، الهواء، الماء، ثم الأثير أو الروح.

لكل هذه الأسباب يرى الاتجاه الباطني أن زهرة الحياة، ترمز في نهاية المطاف لصورة الخلق ذاتها. الحقل الطاقي الذي انبثقت منه كل الظواهر، والشكل الهندسي الذي يحيل على الوحدة المطلقة التي يوجد عليها الكون. هناك تعدد في الدوائر، لكن هذا التعدد يجسد في نهاية المطاف الوحدة، تماماً كما تتكاثر الخلية كي تكون وحدة الجسد، وتتكاثر البويضة الجنينية كي تشكل الجنين في بطن أمه. من الأمور اللافتة للنظر في هذا السياق أننا عندما نقوم بتصوير جنين في أسبوعه الثالث، نلاحظ بالضبط شكلاً شبيهاً بزهرة الحياة، أي سبعة خلايا على شكل دوائر صغيرة متداخلة مع بعضها بعضاً. لذلك ليس من الغريب أن تسمى زهرة الحياة أيضا ببذرة الحياة.

العدد الذهبي

العدد الذهبي هو العدد 618,1 والذي إذا ما قمنا بضربه في نفسه، فإننا نحصل عليه هو ذاته مع إضافة رقم واحد. يعود هذا العدد في أصوله الأولى إلى المتتالية التي وضعها الرياضي الإيطالي ليوناردو فيبوناسي، حيث يكون كل رقم نحصل عليه، هو نتيجة إضافة الرقمين السابقين له على الشكل التالي:

0,1، 1,2، 3,5، 8,13,21 وهكذا إلى ما لا نهاية. شيء غريب إذن، فهذه النسبة الذهبية والتي تسمى أيضا بالنسبة المقدسة، إذا ما قمنا بتفريغها هندسياً سنلاحظ وجودها في استدارة صدفات المحار، وفي بتلات الأزهار كعباد الشمس مثلاً، وفي الأشكال البلورية للكريستال والألماس، بل أكثر من ذلك هي النسبة ذاتها التي نراها حاضرة في استدارة المجرة حول ذاتها، وفي بعض الظواهر الحية كجزيئات الحمض النووي، وقرنية العين، وتناسب أبعاد الجسم الإنساني وغيرها.

العدد الذهبي إذن له علاقة بزهرة الحياة، ذلك أن تقاطع دائرتين متماثلتين إلى حدود نقطة المنتصف، يعطي شكلاً يطلق عليه باللاتينية viscica piscis أو ذيل السمكة، وهو شكل شبيه بعين الإنسان، كان المصريون على سبيل المثال يعتبرونه أصل كل التكونات، منه خرجت الأرقام والحروف وكل حكمة الخلق. والغريب أنه إذا قمنا برسم مثلت متساوي الأضلاع داخله، فإننا نحصل على النسبة الذهبية للعدد الذهبي. ما نستنتجه هو أن كل شيء خرج من الفراغ الكبير للكون طبقا لنسب ولأبعاد هندسية محددة.

تجليات متعددة

دلالات الهندسة المقدسة لا تتوقف فقط عند حدود التشفير الرياضي والهندسي للعالم، بل هي تتعدى ذلك بكثير، ما دام أنها تتضمن بعداً جمالياً وموسيقياً، بل تنطوي أيضاً على جانب علاجي للعديد من الأمراض الجسدية والنفسية. على سبيل المثال تحضر الهندسة المقدسة وزهرة الحياة في أشكال الماندالا الهندية التي تعتبر وسيلة للتأمل الروحي، الذي يمكن الإنسان من التخلص من العديد من الضغوط النفسية. والماندالا كلمة سنسكريتية تعني الدائرة أو القرص، وهي تحيل على فن جميل وراق جداً، يعكف على إنجازه مجموعة من الرهبان بواسطة ترصيص رمل ملون فوق مساحة فارغة. ينطلق الرسم من دائرة أولى ترمز على غرار ما ترمز له زهرة الحياة إلى مركز الكون. ثم تتشعب الدوائر والتقوسات إلى ما لا نهاية كي يصبح الشكل النهائي في غاية التعقيد، لكنه في الآن ذاته يعكس منتهى الجمال والدقة. وبعد إتمام إنجاز هذا العمل، يقوم الرهبان بجمع هذا الرمل ورميه في الوادي، كدليل على أن كل شيء في هذا الوجود مآله الزوال والعودة إلى رحم الطبيعة/‏‏ الأم.

الهندسة المقدسة وهي معروفة عندنا تحت اسم الهندسة الفاضلة موجودة أيضا في الحضارة الإسلامية، وبالخصوص في فن العمارة والزخرفة في الزليج Le vitrage التقليدي، أو ما يعرف في الشرق الأوسط بالسيراميك، وهو فن شبيه جدا بالماندالا الهندية. حيث يطمح الصانع التقليدي إلى إظهار وحدة الوجود، وتجاوز العشوائية والصدفة وإبراز الطلق في شكل جميل أخاذ. تأثر هذا الفن بالثقافة البيزنطية والأندلسية وتطور عبر العصور إلى أن انتهى اليوم كي يصبح علامة بارزة في العمارة المغاربية، حيث نجده في المساجد والرياضات والسقايات وغيرها.

كما ظهرت الهندسة المقدسة في بعض أشكال دوائر القمح les crop circle. وهي أشكال هندسية بيكتوغرامية pictogrammes تظهر فجأة في حقول القمح والمزروعات، يتخذ بعضها شكلاً مشابهاً لزهرة الحياة، كما تتضمن النسبة الدقيقة للعدد الذهبي.

وحدة الوعي والمادة

إن أكبر دلالة تحملها الهندسة المقدسة هو وحدة الوعي والمادة، تلكم الوحدة التي أقام بينها ديكارت كما هو معروف حاجزاً كبيراً، وهوة عميقة لا سبيل إلى ردمها، عندما ميز بين الجوهر المفكر والجوهر الممتد. والآن تخبرنا الفيزياء الكوانطية أن الإنسان ليس مجرد ملاحظ محايد بالنسبة للظواهر، بل هو يؤثر بملاحظته هاته على ما يدرسه. إنها فكرة ما كانت لتخطر على بال الفيزياء الكلاسيكية. لقد وضع كلود برنار أسس المنهج الإمبريقي، معتبراً أن السمة المميزة للعلم التجريبي هو الفصل بين الملاحظ والظاهرة المدروسة، فالملاحظ عليه أن يتحول كما يقول إلى مجرد آلة تصوير، تنقل بدقة الوقائع دون أن تتدخل فيها. علمنا اليوم هو على العكس تماما مما كان ينظر له عصر النهضة والأنوار. إنه ليس مجرد علم ميكانيكي يفصل بين عناصر الطبيعة ويمايز بينها. ما تخبرنا به الهندسة المقدسة هو أن هنالك شيء يجمع بين الموسيقى والبيولوجيا والكواكب والمجرات والكائنات الحية.

لا يتعلق الأمر إذن بمجرد قانون عادي من قوانين الطبيعة، نحن أمام القانون الميتافيزيقي النهائي للوجود، الذي يعبر على أن الكون برمته بكل ما يحتويه من وعي ومادة وحياة، كلها مترابطة بشكل متناغم وعجيب. تناغم يعبر في نهاية المطاف عن ما يسميه البعض بظاهرة التآزر La synergie. حيث تعمل مجموعة من العناصر على الاشتغال بطريقة جماعية، من أجل تكوين ظاهرة لها دلالة وانتظام. والبعض الآخر أرسطو مثلاً يسميها بالاستنجاز الكلي l’entéléchie وكان يقصد به المبدأ الخلاق في الكائنات الحية، الذي يسمح لها بالمرور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

باختصار نقول إنه مع انكشاف هذه الأسرار العظيمة ألا نعيش فجر ميلاد وعي جديد حول ذاتنا، وحول موقعنا في الكون؟!.

أسطورة أوزيريس

أوزيريس هو رئيس محكمة الموتى عند قدماء المصريين، من آلهة التاسوع المقدس الرئيس في الديانة المصرية القديمة. طبقاً للأسطورة الدينية المصرية القديمة كان أوزوريس أخاً لإيزيس ونيفتيس وست، وتزوج من إيزيس.

حسب الأسطورة المصرية، قتله أخوه الشرير ست، رمز الشر، حيث قام بعمل احتفالية عرض فيها تابوت رائع، قام الحاضرون بالنوم فيه، لكنه لم يكن مناسباً إلا لأوزيريس، ومن ثم ألقاه ست في نهر النيل وقطع أوصاله ورمى بها إلى أنحاء متفرقة من وادي النيل، بكت أيزيس وأختها عليه كثيراً، وبدأت أيزيس رحلتها بحثاً عن أشلاء زوجها، وفي كل مكان وجدت فيه جزء من جسده بنى المصريون المعابد مثل معبد أبيدوس الذي يؤرخ لهذه الحادثة، وموقع المعبد أقيم في العاصمة الأولى لمصر القديمة (أبيدوس)، حيث وجدت رأس أوزيريس وفي رسومات المعبد الذي أقامه الملك سيتي الأول أبو رمسيس الثاني الشهير تشرح التصويرات الجدارية ما قامت به إيزيس من تجميع لجسد أوزيريس، لتحمل ابنهما حورس الذي يتصدى لأخذ ثأر أبيه من عمه وبسبب انتصاره على الموت وهب أوزيريس الحياة الأبدية على العالم الثاني.
________
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

تأنيث الفكر

*نبيل سليمان في آخر عهدي بالجامعة قبل نصف قرن ونيف، وبين المزاح والجد، شغلني السؤال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *