الرئيسية / نصوص / لنْ يموتَ الوطنُ فينا حتّى نموت فيه

لنْ يموتَ الوطنُ فينا حتّى نموت فيه

خاص-ثقافات

*د. عريب محمد عيد

لمّا وارينا جدّتي ــــ رحمها اللّه ــــ التّراب قبل عشرين عامًا ونيّف، أدركتُ أنّ قطعة من دير ياسين عانقت ثرى عَمّان لتُنبِـت؛ فالجسدُ يفنى؛ لكنّ الرّوح الحيّة لا تفنى، إنّه أبي وحيد أمّه، رأيته يضمّد قبرها بقلبه، ويحثو عليها ما تبقى من ذكريات الأسى في مواجهة العدو بصبره، تحيطُ به تلافيف اليُتم مُتتابعة؛ فهو ابن القدس وابن شهيد الواجب وفلذة كبد أمٍّ عانت لأجله.
أبي صورة لملايين اللاجئين الّذين رُحِّلوا قسرًا من ديارهم؛ خرجوا منها وما خرج الوطنُ منهم، حملوه معهم هُويّة عروبيّة وقضيّة قوميّة تمسّ كلّ غيور على مقدّساته، وتلامس شجن كلّ مضطهد ولاجئ ومقهور، إن سألته عن الحُبّ والانتماء والولاء، فسيحدثك عن تضحيات الأبناء ليحيا الوطن، وإن ناقشته بانتكاسات الأمّة وتفكّكها، فلن ينفكّ راسمًا لك قبسًا من عزيمة وصبر،
وإن عاجلته بتكالب الكيان الغاصب ومن والاهم على الشّعوب المقموعة؛ فقوله: إنّ الظّلم مرتعه وخيمٌ، وإن أخبرته بما يبثّه العدو من أفكار مسمومة في مدارسه وجامعاته؛ فسينبئك أنّ من ينقع السُّمّ في عروق أبنائه؛ فلا بدّ لأثر السُّمّ أن يصله، وإن سألته عن كذبة القرن؛ فلن يكون ردّه إلا سخريةً من قولِ مُتصهينٍ، جانَبَ العقلَ، ولا تزال خفّة الرّأي والمهاترة ديدنه؛ فليس صوتُ مدّعٍ يعلو، ولا افتراءٌ ترجحُ كفّته حين يسطعُ نورُ الحقّ في وضح النّهار ويملأه.
القدس العربيّة عاصمة فلسطين؛ هذه الحقيقة الّتي عاينها أبي، وعاشت في ربوعها جدّتي، واستشهد على ثراها جدّي، وورثناها سلاسل تترى أبًا عن جد.

شاهد أيضاً

فواق بنكهة النعناع

محمد الأصفر *مهداة إلى جان جينيه كنت قلقاً أحملق في جدران الغرفة ذات الستائر الغامقة. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *