الرئيسية / إضاءات / أليس مونرو: لن أكتب رواية حقيقية أبدا (3)

أليس مونرو: لن أكتب رواية حقيقية أبدا (3)

حوار أليس مونرو في باريس رفيو –

*حوار جيني ماكولوتش – مونا سيمسن / ترجمة : أحمد شافعي

* هل لديك قصة تحبينها ولا يحبها الآخرون؟ هل هناك أي قصص لا يحبها زوجك على سبيل المثال؟
– أحببت قصة «قمر على حلبة التزلج في شارع أورانج» كثيرا ولم يحب جيري تلك القصة. كانت مستلهمة من حكاياته لي عن طفولته، وأعتقد أنه توقع أن تكون مختلفة عما هي عليه. ولأنني فكرت أنها سوف تعجبه، لم أشعر بأي تخوفات. ولكنه قال: ماشي الحال، ليست من أفضل قصصك. تلك هي المرة الوحيدة التي واجهتنا فيها متاعب بسبب شيء كتبته. ومنذ ذلك الحين وهو يحرص تماما ألا يقرأ شيئا إلا وأنا بعيدة، فإن أعجبه يقول: لكنه قد لا يتكلم مطلقا عن شيء قرأه. وأعتقد أن هذه هي الطريقة التي يدار بها الزواج.

* جيري من هذه المنطقة، نشأ على بعد أقل من عشرين ميلا من المكان الذي نشأت فيه أنت. فهل حكاياته وذكرياته أنفع لك من حكايات جيم زوجك الأول وذكرياته؟
– لا، جيم نشأ قرب تورنتو. لكنه كان من خلفية شديدة الاختلاف. كان يعيش في بلدة من الطبقة المتوسطة العليا أغلب رجالها يعملون في تورنتو. [الكاتب الأمريكي جون] تشيفر كتب عن بلدات كتلك لكن حول نيويورك. ولم أكن من قبل أعرف أبناء تلك الطبقة، فكانت طريقة تفكيرهم في الأمور مثيرة بالنسبة لي، وليس الحكايات. أعتقد أنني ظللت لوقت طويل نافرة أكثر مما ينبغي فلم أقدِّر حكاياتهم، كنت أميل إلى اليسار في ذلك الوقت. في حين أن ما يحكيه لي جيري يكون إسهابا في أمور أتذكرها أصلا منذ نشأتي، وإن يكن الفارق ضخما بين حياة صبي في بلدة، وحياة فتاة في مزرعة.
أعظم جزء في حياة جيري ربما يكون في الفترة من السابعة إلى الرابعة عشرة حينما كان الأولاد يجوبون البلدة في عصابات. لم يكونوا خارجين على القانون أو ما شابه، لكنهم كانوا يفعلون ما يشاءون لا أكثر ولا أقل، كأنهم ثقافة خاصة داخل البلدة. البنات لم يكنَّ جزءا من ذلك، لا أعتقد أن هذا حدث على الإطلاق. كنا مجموعات صغيرة دائما من الصديقات، لم تكن لدينا الحرية أصلا. فكان مثيرا لي أن أعرف ذلك كله.

* كم عشت خارج هذه المنطقة؟
– تزوجت في نهاية عام 1951، وذهبت لأعيش في فانكوفر، وبقيت هناك إلى عام 1963، ثم انتقلنا إلى فكتوريا حيث أسسنا متجر الكتب، متجر آل مونرو. ورجعت، وأعتقد أن ذلك كان في عام 1973. أي أنني عشت في فكتوريا عشر سنوات. تزوجت عشرين سنة.

* هل رجعت إلى الشرق بسبب لقائك بجيري، أم بسبب العمل؟
– بسبب العمل. وأيضا بسبب أنني عشت مع زوجي الأول لعشر سنوات في فكتوريا. وكانت زيجتنا تتفكك على مدار سنة أو اثنتين. وفكتوريا مدينة صغيرة. وتكون لك فيها دائرة أصدقاء يعرف كل منهم الآخر، ويبدو لي أنه عند انهيار زيجة، يصعب جدا البقاء في البيئة نفسها. ظننت أن ذلك خيرا لكلينا، ولم يكن يستطيع هو أن يرحل بسبب متجر الكتب. تلقيت عرض وظيفة لتدريس الكتابة الإبداعية في جامعة يورك خارج تورنتو. لكنني لم أستمر في تلك الوظيفة طويلا. كرهتها، وبرغم أنني لم أكن أملك مالا، استقلت.

* لأنك لم تحبي تدريس الأدب؟
– لا! كان أمرا رهيبا. كان هذا سنة 1973. كانت يورك من الجامعات الكندية الأكثر راديكالية، ولكن الفصل الذي كنت أدرِّس له كان كله من الذكور إلا فتاة لم تكن تفتح فمها تقريبا. وكانوا يسايرون الصرعة السائدة في ذلك الوقت، أي يحاولون أن يكتبوا كتابات سقيمة وغير مفهومة، وكانوا لا يتسامحون مطلقا مع ما عدا ذلك. كان مفيدا لي أن أتعلم كيف أرد على الصياح بالصياح وأعبر عن أفكار حول الكتابة قبل أن أكون قد صقلتها، ولكننا لم أكن أعرف كيف أصل إليهم، كيف لا أكون خصما لهم. ربما الآن أعرف. لكنني لا أعتقد أن الأمر كان يتعلق بالكتابة، كان أقرب إلى التدريب على شيء كالتلفزيون أو غيره، الائتلاف مع الكليشيه. كان ينبغي أن أقدر على تغيير ذلك، لكنني لم أستطع. وكانت لديَّ طالبة لم تكن في ذلك الفصل، وجاءتني بقصة. أتذكر أن الدموع انفجرت مني وأنا أقرأ قصتها لأنها كانت جيدة جدا، ولأنني لم أكن رأيت كتابة جيدة من طالب منذ فترة طويلة. سألتني، كيف أستطيع الالتحاق بفصلك؟ فقلت: لا تلتحقي به. إياك أن تقتربي منه، فقط استمري في إحضار شغلك إليّ. وأصبحتْ كاتبة، وهي الوحيدة منهم.

* هل انتشر تدريس الكتابة الإبداعية في كندا كما في الولايات المتحدة؟
– ربما ليس بالقدر نفسه. ليس لدينا هنا أي شيء شبيه بـ أيوا. ولكن وظائف التدريس في أقسام الكتابة موجودة. كنت لفترة أشعر بالأسى لهؤلاء الناس بسبب عدم قدرتهم على النشر. أما كونهم يحققون من المال ثلاثة أمثال ما يمكن أن أراه أنا، فحقيقة لم تتسلل قط إلى رأسي.

* يبدو أن الأغلبية الكاسحة من قصصك تجري أحداثها في أونتاريو. لو خيِّرت، هل تختارين الحياة فيها الآن، أم الظروف هي التي حكمت؟
– بما أنني أعيش فيها الآن، فإنني أختار أن أعيش فيها. هنا كان بيت والدة جيري، وكان يعيش فيه ليعتني بها. وأبي وزوجته كانا يعيشان في المنطقة أيضا، فكنا نشعر أننا في خدمة أولئك المسنين لفترة محدودة، نستطيع بعدها أن ننتقل إلى مكان آخر. لكن، لأسباب عديدة، لم نفعل ذلك، وها هم رحلوا منذ وقت طويل، ولا نزال هنا. من أسباب بقائنا الآن أن الأفق مهم جدا لكلينا. وهو مشتَرَك عظيم بيننا. وبفضل جيري، فإنني أتذوقه بطريقة مختلفة. ليس بوسعي امتلاك أفق آخر، أو بلد، أو بحيرة، أو بلدة، امتلاكي لهذا الأفق. وأنا أدرك هذا الآن، لذلك لن أرحل مطلقا.

* كيف التقيت بجيري؟
– كنت أعرف جيري منذ أن كنا معا في الجامعة. هو في السنة النهائية وأنا في الأولى. كان راجعا من الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعني أنه كانت بيننا سبع سنوات. كنت مغرمة به بشدة وأنا في الثامنة عشرة، لكنه لم يلحظ على الإطلاق. كان يلاحظ أخريات. والجامعة كانت صغيرة فكنا بطريقة أو بأخرى نعرف كل شخص ومن يكون. وكان هو من مجموعة أشخاص صغيرة بدوا – وأعتقد أننا كنا نطلق عليهم البوهيميين، حين كانت كلمة البوهيميين لا تزال تستعمل، كانوا يكتبون الشعر للمجلة الأدبية، وكانوا خطرين، يسكرون وما إلى ذلك. أعتقد أنه كانت له علاقة بالمجلة، فحينما كتبت قصتي الأولى، كان من خطتي أن آخذ المخطوطة إليه. ويبدأ حوار، ويقع في غرامي، ويتحرك كل شيء من تلك النقطة. وأخذت إليه القصة فقال: إن جون كرينز هو المحرر، وهو في آخر القاعة. وكان ذلك كل ما جرى بيننا من حوار.

* ذلك كل ما جرى من حوار بينكما؟ طوال سنواتكما في الجامعة؟
– نعم. لكن حدث بعد أن نشرت القصة أن ترك هو الجامعة. كنت أعمل نادلة بين سنتيَّ الأولى والثانية، وتلقيت خطابا من جيري. كان خطابا رائعا كله عن القصة. كان أول خطاب لي من قارئ. لكنه لم يكن عني أنا بالمرة، فلم يذكر جمالي، أو أنه سيكون لطيفا أن نتقابل أو أي شيء من ذلك. كان قراءة أدبية لا أكثر. لذلك كان تقديري له أقل مما كان يمكن أن يحدث لو بعثه إليَّ شخص آخر، لأنني كنت أنتظر منه المزيد. لكنه كان خطابا لطيفا. ثم بعد أن انتقلت إلى لندن وحصلت على الوظيفة في وسترن، سمعني بطريقة ما في الإذاعة. كان ذلك في حوار. ولا بد أن يكون الحوار قد ذكر أين كنت أعيش وأعطى الانطباع بأنني لم أتزوج بعد، لأنه جاء في ذلك الوقت ليراني.

* وكان ذلك بعد أكثر من عشرين سنة مثلا؟
– على أقل تقدير. أكثر من عشرين سنة، ولم يكن أحدنا رأى الآخر خلال تلك السنوات. لم يبد على الإطلاق كما كنت أتوقعه. اتصل فقط وقال: أنا جيري فريملين. أنا في كلينتن، ولا أعرف إن كان بوسعنا أن نتناول الغداء معا في وقت ما. كنت أعرف بيته في كلينتن وفكَّرت أنه ربما يكون قد جاء ليزور أبويه. أعتقد أنني كنت أعرف في ذلك الوقت أنه يعمل في أوتاوا، كنت قد سمعت بذلك من شخص ما. وفكرت أن زوجته وأولاده قد يكونون في أوتاوا، وأنه جاء يزور أبويه وفكر أن يتناول الغداء مع إحدى معارفه القديمات. وهذا ما كنت أتوقعه إلى أن جاء وعرفت أنه يعيش في كلينتن وأنه بلا زوجة أو أبناء. ذهبنا إلى نادي الكلية وتناول كل منا ثلاث كؤوس مارتيني، وفي الغداء. أعتقد أننا كنا متوترين. ولكن معرفتنا توثَّقت بسرعة شديدة. أعتقد أننا على المغرب كنا نتكلم عن العيش معا. بسرعة شديدة. أعتقد أنني انتهيت من التدريس في ذلك الفصل الدراسي بويسترن ثم اتجهت إلى كلينتن، وبدأنا نعيش معا في البيت الذي كان قد انتقل إليه ليعتني بأمه.

* لم تقرري الرجوع إلى هنا للكتابة.
– لم أتخذ قرارا قط وكانت له علاقة بالكتابة. ومع ذلك لم يخطر لي قط أنني قد أتوقف عن الكتابة. أعتقد أن ذلك يرجع إلى فهمي أنه لا يمكن لظروف معينة أن تكون أفضل من أي ظروف أخرى للكتابة. لم يوقفني قط عن الكتابة إلا الوظائف، حين اعتُبرت كاتبة وحصلت على مكتب لأعمل فيه.

* هذا يشابه قصتك المبكرة «المكتب»، تلك المرأة التي تستأجر مكتبا للكتابة ولكن مالكة البيت تشتِّتها فتضطر لترك المكان.
– كتبت تلك القصة من تجربة حقيقية. استأجرت مكتبا ولم أستطع أن أكتب فيه أي شيء على الإطلاق – ما عدا تلك القصة. كان مالك البيت يزعجني طول الوقت، وحتى عندما توقَّف لم أستطع العمل. كان ذلك يحدث كلما أقمت مكانا للكتابة، أو مكتبا. حينما عملت كاتبة مقيمة في جامعة كوينزلاند بأستراليا، كان لي هناك، في قسم اللغة الإنجليزية، مكتب لطيف وأنيق فعلا. لم يكن أحد قد سمع بي، فلم يأت أحد ليراني. لم يكن أحد هناك يحاول أصلا أن يكون كاتبا. كنت كأنني في فلوريدا، فالجميع يسيرون بالبيكيني طول الوقت. فكان لديَّ كل ذلك الوقت، وكنت في ذلك المكتب، وكان بوسعي أن أجلس هناك وأفكر. ولم أستطع أن أصل إلى أي شيء. كنت أحاول، ولكنه كان شللا.

* هل كانت فانكوفر أنفع من حيث المادة؟
– كنت أعيش في الضواحي، في شمال فانكوفر في أول الأمر، ثم في غرب فانكوفر. في شمال فانكوفر، كان جميع الرجال يخرجون في الصباح ويرجعون في الليل، فلم يكن في المكان طيلة اليوم إلا ربات البيوت والأطفال. كان هناك الكثير من اللقاءات الودية، فكان صعبا على شخص أن يكون وحده. كان هناك كثير من الحديث التنافسي عن التنظيف وغسيل الملابس الصوفية، فاهتاجت أعصابي. حينما كانت لديّ طفلة واحدة، كنت أضعها في عربتها وأمشي بها لأميال لاجتناب قعدات القهوة. كانت الثقافة أضيق وأثقل من الثقافة التي نشأت فيها. والمحظورات كثيرة، ومن بينها التعامل الجاد مع أي شيء. كانت الحياة ضيقة للغاية، فهي عبارة عن حالة من الاستجمام، والآراء الثابتة، والطرق الراسخة لأن تكون المرأة امرأة. وفكرت أن المنفذ الوحيد هو العبث مع أزواج الأخريات في الحفلات، فكان ذلك هو الوقت الوحيد الذي يمكن أن يحدث فيه شيء تشعر الواحدة أنه حقيقي، لأن العلاقة الوحيدة التي كان يمكن إقامتها مع الرجال، ويكون لها أي نصيب من الحقيقة، هي العلاقة الجنسية في ما بدا لي. وفي ما عدا ذلك لم يكن الرجال يتكلمون مع النساء، وإن فعلوا فمن أعلى إلى أسفل إلى حد بعيد. كان يمكن أن ألتقي أستاذا جامعيا أو غيره، فإن كنت أعلم شيئا مما يعلم، لم يكن ذلك يبدو مقبولا لحوار. لم يكن الرجال يحبون أن تتكلم المرأة، ولا النساء كن يحببن ذلك. فلم يكن للواحدة غير عالم الكلام النسائي عن أفضل أنواع الحمية، أو أفضل عناية بالملابس الصوفية. كنت أصاحب زوجات رجال يتسلقون الجبال. وكم كرهت عدم كتابتي عن ذلك. ثم كانت غرب فانكوفر عبارة عن مزيج من الضواحي، وأغلب الناس هناك كانوا أزواجا من الشباب، فتكوَّنت لي هناك صداقات عظيمة. كنا نتكلم عن الكتب والفضائح ونضحك على أي شيء مثل بنات الثانوي. وهذا شيء أود أن أكتب عنه ولم أفعل بعد، وذلك مجتمع شابات كلٌّ منهن سبب في بقاء الأخريات على قيد الحياة. ولكن الذهاب إلى فكتوريا وافتتاح متجر للكتب هناك كان أروع ما حدث على الإطلاق. كان أمرا عظيما، لأن جميع مجانين البلدة كانوا يأتون إلى المتجر ليتكلموا معنا.
* كيف خطرت لك فكرة افتتاح متجر للكتب؟
– رغب جيم في ترك وظيفته بإيتُنز، وهو متجر كبير في البلدة. وبدأنا نتكلم عن رغبتنا في تأسيس مشروع خاص من أي نوع، فقلت «شوف، إذا افتتحنا متجر كتب، يمكنني أن أساعد». رأى الجميع أننا سوف نفلس، وطبعا كدنا نفلس. كنا فقراء للغاية، ولكن في ذلك الوقت كانت بنتاي الكبيرتان قد التحقتا بالمدرسة، فكان بوسعي أن أعمل طول الوقت في المتجر، وفعلت ذلك. وتلك كانت أسعد فترة في بداية زواجي.

* هل كان لديك دائما الإحساس بأن الزواج لن يدوم؟
– كنت أشبه بفتاة فكتورية، فالضغط كان هائلا من أجل الزواج، لدرجة أن تشعر الواحدة أنه عقبة في الطريق: طيب، سأنتهي من ذلك، فلا يضايقونني بسببه، وحينئذ أكون شخصا حقيقيا وتبدأ حياتي. أعتقد أنني تزوجت كي أتمكن من الكتابة، لأستقر وأركز انتباهي على المهم. أحيانا أرجع النظر إلى تلك السنوات المبكرة فأقول لنفسي هذه فعلا فتاة قلبها جامد. أنا الآن امرأة عادية أكثر مما كنت آنذاك.

* ألا ينبغي لكل فنان شاب، على مستوى ما، أن يكون جامد القلب؟
– الأمر أسوأ حينما تكونين امرأة. أريد أن أظل على اتصال ببناتي لأسألهن إن كن بخير. لا أقصد أن أقول إنني هذه الـ … وهذا بالطبع كفيل بإثارة غضبهن، لأن فيه إشارة ضمنية إلى أنهن بضائع معطوبة. جزء مني كان غائبا عن أولئك الأطفال، والأطفال يشعرون بهذه الأشياء. لا أقول إنني كنت أهملهن، ولكنني لم أكن مستغرقة تمام الاستغراق. حينما كانت ابنتي الكبرى في الثانية من العمر، كانت تأتي إلى حيث أجلس أنا والآلة الكاتبة فكنت بيد أربت عليها لتبتعد وأكتب باليد الأخرى. وحكيت لها هذا. وكان ذلك سيئا، لأنه جعلها في خصومة مع أهم شيء بالنسبة لي. أشعر أنني فعلت كل شيء على نحو عكسي: كنت تلك الكاتبة التي تكتب كالمحمومة بينما الأطفال صغار وفي حاجة ماسة إليّ، والآن وهن في غير حاجة إليّ نهائيا، أحبهن حبا كبيرا. أظل أدور في البيت وأفكر أن حفلات العشاء العائلية كانت في ما مضى أكثر مما هي الآن.

* فزت بجائزة الحاكم العام عن كتابك الأول، وهذا مساو تقريبا لجائزة بولتزر في بلدنا. لا يحدث إلا في أندر الحالات أن يحصل كاتب على جائزة كبرى عن كتابه الأول. وحين يحدث ذلك يبدو أن الكاتب يعاني كثيرا في بقية مسيرته.
– يعني، أنا لم أكن صغيرة، هذه واحدة. ولكن الأمر كان صعبا. مرَّ عام تقريبا لم أستطع أن أكتب فيه أي شيء لأنني كنت مشغولة للغاية بالتفكير في أنني لا بد أن أكتب رواية. لم يكن عليّ عبء أن أكتب عملا ضخما يصبح من الأكثر مبيعا ويتكلم عنه الجميع، مثلما فعلت آيمي تان Amy Tan بكتابها الأول مثلا. مبيعات الكتاب كانت سيئة للغاية، ولم يتصور أحد أن يكون قد فاز بجائز الحاكم العام، ولم يسمع به أحد. كنت تدخلين متجر كتب لتسألي عنه فيقال: لك إنه غير متوفر.
* هل تعني لك العروض النقدية الكثير؟ هل تشعرين أنك تعلمت منها شيئا؟ هل تأذيت منها؟
– نعم ولا، لأنه لا يمكن فعلا أن يتعلم أحد الكثير من العروض النقدية، ولكنها من الممكن أن تلحق به أذى كبيرا. العرض النقدي السلبي يحدث نوعا من الإهانة العلنية. برغم أنه لا يعني لك شيئا في الحقيقة، لكن الجميع يفضلون التصفيق عن الطرد من المسرح بصيحات الاستهجان.

* هل كنت قارئة نهمة وأنت صغيرة. وما العمل الذي كان له تأثير عليك، إن كان هناك عمل كذلك؟
– كانت القراءة فعليا هي حياتي إلى أن بلغت الثلاثين. كنت أعيش في الكتب. كتاب الجنوب الأمريكي كانوا أول من أثروا بي بقوة لأنهم أظهروا لي أن بإمكانك أن تكتبي عن البلدات الصغيرة، وأبناء الريف، ونوع الحياة الذي كنت أعرفه تمام المعرفة. لكن الذي أثار اهتمامي بكتاب الجنوب، بدون أن أعي بذلك فعلي، هو أن كل كتاب الجنوب الذين أحببتهم كانوا نساء. لم أكن أحب فوكنر كثيرا. أحببت إيدورا ويلتي وفلانري أوكونور وكاثرين آن بورتر وكارسون مكلرز. كان هناك إحساس بأن النساء قادرات على الكتابة عن غرباء الأطوار، والهامشيين.

* وهو ما تفعلينه أنت أيضا طوال الوقت.
– نعم. بت أشعر أن تلك أرضي، في حين أن الرواية الضخمة، رواية المتن، رواية الحياة الواقعية، هي أرض الرجال. لا أعرف كيف انتابني إحساس أنني في الهوامش، فأنا لم يدفعني أحد إلى هناك. ربما لأنني نشأت في الهامش. كنت أشعر أن لدى الكتاب الكبار شيئا موصدا دوني، لكنني لم أعرف بدقة ماذا يكون هذا الشيء. انزعجت بشدة مثلا حينما قرأت دي إتش لورنس. ودائما ما كنت أنزعج من رؤى الكتاب للجنسية الأنثوية.

* هل تستطيعين أن تضعي إصبعك على ما أزعجك؟
– هو: كيف يمكن أن أكون كاتبة وأنا موضوع كتاب آخرين؟
* وما رأيك في الواقعية السحرية؟

يتبع…
__________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *