الرئيسية / مقالات / فن الحياة

فن الحياة

*يوسف أبولوز

حققت دورات مهرجان أيام الشارقة المسرحية منذ انطلاقها في 10 مارس 1984 وحتى اليوم تراثاً عريقاً في تاريخ وثقافة (أبي الفنون) في الإمارات، كما حققت (الأيام) ذائقة مسرحية عريضة، والأهم من ذلك تكوين مشاهد مسرحي أصبح شغوفاً بفن الخشبة، وينتظر المهرجان وعروضه وضيوفه ليشبع ما لديه من احتفاء بالمسرح وثقافته التي تكونت بهدوء وتدرج من عام إلى آخر وبتطور ملحوظ من دورة إلى أخرى حتى وصلنا اليوم إلى الدورة السابعة والعشرين بانتظام وبإدارة وكوادر فنية ومهنية نقلت المسرح الإماراتي من طور البدايات والهواية إلى طور الاحتراف.

إن هذا التراث العريق للمسرح الإماراتي إنما قام منذ البدايات وإلى الآن على أسس وقواعد علمية منظمة، فهناك لجنة اختيار للعروض تتألف من خمسة أعضاء تتوصل إلى العروض المشاركة وفرزها، وهناك، بناء على ذلك، عروض داخل مسابقة وعروض خارجها، وبكلمة ثانية نحن أمام مهنية مسرحية احترافية بعيدة كل البعد عن الارتجال والعشوائية.

إن عروض أيام الشارقة المسرحية محكومة دائماً بمحددات رئيسية من بينها على سبيل المثال وكما هو موجود في لوائح (الأيام) أنه لا يسمح لأي فنان بالمشاركة في أكثر من عملين مسرحيين، ما يعني أن الفنان المسرحي الإماراتي له أكثر من فرصة واحدة ليثبت جدارته على الخشبة، إضافة إلى ذلك فإن (الأيام) أيضاً محكومة إلى شروط، ومن بينها «وضوح الرؤية الإخراجية المتماسكة والمشتغلة على فكرة النص».. أي أن «الأيام» تعول على أمرين مهمين في العرض: الإخراج والنص، الأمر الذي يأخذنا إلى التعليق على هذين العنصرين المهمين في العمل المسرحي، فعلى مستوى الإخراج أنجبت الحركة المسرحية الإماراتية خلال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن المسرحي مجموعة من المخرجين الذين قدموا أعمالاً لافتة على مستوى الخليج والوطن العربي..

اليوم، في المسرح الإماراتي ثمة نخب إبداعية فنية وقفت على المسرح بجدارة وملأته بحضور فني له خصوصية من حيث اللغة أو اللهجة أو الديكور أو النص أو الإخراج، وعندما نتحدث عن الإخراج يحملنا السياق إلى الكلام على التأليف المسرحي أو الكتابة للمسرح.
ولكن قبل ذلك، هناك من يجمع بين الإخراج والتأليف (مرعي الحليان مثلاً وجمال مطر)، وظاهرة الجمع بين الإخراج والتأليف موجودة في الإمارات منذ بدايات مسرح الفرجة.. ذلك المسرح الذي كان يقوم على نوع من الفطرية والتلقائية (سلطان الشاعر)، فقد كانت (فرجة) الخمسينات والستينات مثلاً، بل وحتى السبعينات من القرن العشرين يصنعها مسرحيون هم وراء النص (أحياناً النص الارتجالي)، وهم وراء الإخراج وهم بأنفسهم يغنون الخشبة.. أي أن العرض من أوله إلى آخره هو عرض الفريق وإخراج الفريق، وتأليف الفريق.

إن التأليف المسرحي اليوم يهتم بشكل خاص بالنص المعالج باللغة العربية الفصحى، وهذه نقلة حيوية في تاريخ المسرح الإماراتي، فاللغة العربية كما هي لغة تاريخ وهوية وشعر.. هي أيضاً لغة مسرح قائمة على شعرية المسرح، وشعرية العرض، بل وشعرية الإخراج والتمثيل.
المسرح، كما نرى، إذاً، هو عمل جماعي بامتياز لا مكان فيه للفردية أو الأنانية أو الاستحواذ المطلق ما يؤكد بالفعل أن المسرح هو فن الحياة في أقصى درجات جمالياتها الدافئة والحميمة.
____
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

شوبنهاور وكراهية النساء

إبراهيم أبو عواد       يُمثِّل الفيلسوف الألماني أرتور شوبنهاور ( 1788م _ 1860م ) حالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *