الرئيسية / خبر رئيسي / “آمين” العبري و”آمون” المصري: إشكالية المنطوق والمفهوم
526_FOwO8o6HIkHBjUvB

“آمين” العبري و”آمون” المصري: إشكالية المنطوق والمفهوم

*هشام مباركي

        تنطوي الألفاظ الدينية على دلالات وأبعاد تعكس الزخم الثقافي والأنطولوجي لكينونة الأفراد والجماعات داخل النسيج الاجتماعي الديني، لما لها من تأثير قوي في النفوس وسلطان كبير على العقول، فضلا عن أنها تمثل المحتوى الأساس للممارسات الليتورجية والطقوس التعبدية والكهنوتية من أدعية وصلوات وابتهالات… ولا غرو أن الألفاظ والعبارات التي تشكل الحقل الدلالي الديني تعرف انتشارا واسعا منذ القدم؛ ومرد ذلك إلى التبشير والترجمة وعامل التلاقح الحضاري، وبات بعضها متداولا على لسان الكثير من الشعوب والأمم حيث تم إدراجها ضمن آلاف اللغات، ولعل من أبرز هذه الألفاظ كونية هي كلمة “آمين”.

        ويطرح الفكر الديني اليهودي عدة معان وقضايا، ويكشف عن أسرار كلمة “آمين” العبرية “אָמֵן” اعتبارا من الجانب العقدي والكهنوتي والتشريعي والتصوفي؛ فحروفها ما هي إلا اختصار لعبارة “אל מלך נאמן” “الملك يهوه الموثوق به”[1]، وترد بمعنى “وليكن كذلك”، ومن هنا فكلمة “آمين” حسب السياق التوراتي تأكيد وتصديق وتعزيز وتقديس[2]. وتضطلع الكلمة ببعد عقدي تحيل الذهن إلى صفة أو اسم من أسماء الإله يهوه[3]، كما أنها صيغة من صيغ حفظ العهد والميثاق الذي قطعه الإله التوراتي مع شعب إسرائيل كشكل من أشكال التعبير عن الوفاء له والالتزام به[4]. ولأرباب التصوف القبالي اليهودي تجليات وخواطر وومضات فكرية حول كلمة “آمين”، إذ يرى الربي “أليعازر بن عزاريا”  “Eleazar ben Azariah” (القرن الأول الميلادي) أن الكلمة تتكون من ثلاثة حروف؛ فحرف “א” يدل على الإدراك، وحرف “מ” يعني الهدوء، بينما حرف “ן” يطلق على الملكوت، ويؤكد ذات الربي  أنه بمجرد النطق بكلمة “آمين” فإن البركات والخيرات تنزل من علياء السماء إلى الأرض لتشمل كل الأشياء والموجودات[5].

        واختلفت مدلولات كلمة “آمين” في الكهنوت اليهودي باختلاف دور العبادة عبر التاريخ، فقد وظفت كأداة للتجاوب والتفاعل الروحاني مع الأناشيد والترانيم المرتلة إبان عهد الهيكل، في حين تطور اللفظ لاحقا لينصرف إلى مفهوم طلب الاستعانة والاستجابة للصلوات والأدعية ومباركتها في عصر الكنيس. وتذكر “الهاكادا” “Haggadah” أن “آمين” تطيل الحياة وتبارك العمر وتجعل باب جنة الفردوس مفتوحا على مصراعيه لقائلها فتغفر له الذنوب والخطايا وتعصمه من الشرور والآثام[6]، ولذلك يؤمن اليهودي في الصلاة ثلاث مرات في اليوم[7]. ولم يتوان الربي حييا الأكبر “Hiyya the Great” (230 – 180 م) عن التأكيد على أنها تكشف عن حقائق الأشياء وتمنح قائلها قوة روحانية تجعله ينتقل من الإيمان إلى الحقيقة متحدا مع الإله يهوه في ملكوته إلى حد التماهي[8].

         بيد أن عبارة  “بالإله آمين” “בֵּאלֹהֵי אָמֵן” الواردة في التوراة، وتحديدا في الإصحاح الخامس والستين: “אֲשֶׁר הַמִּתְבָּרֵךְ בָּאָרֶץ, יִתְבָּרֵךְ בֵּאלֹהֵי אָמֵן, וְהַנִּשְׁבָּע בָּאָרֶץ, יִשָּׁבַע בֵּאלֹהֵי אָמֵן: כִּי נִשְׁכְּחוּ, הַצָּרוֹת הָרִאשֹׁנוֹת, וְכִי נִסְתְּרוּ, מֵעֵינָי.”[9] قد طرحت إشكاليات عدة عند النقاد الفيلولوجيين للعهد القديم، ورغم أن علماء اليهود يقرون أن العبارة المذكورة ما هي إلا اسم من أسماء يهوه، فإن باحثين غربيين من أمثال “نيكولاس جينكس” “Nicholas Ginex” و”ميك باور” “Mick Power” و”غرانت لايتون””Grant Layton” صرحوا في أبحاثهم الأكاديمية أن كلمة “آمين” ليست إلا المعبود المصري “آمون” “Amun”، إذ أن الكتابة العبرية القديمة والهيروغليفية لا تحتويان على الصوائت (حروف العلة) “Vowels”[10. ويقدم البروفيسور نيكولاس جينكس أدلة تدعم وجهة نظره في كون أن العبريين القدماء عبدوا الإله “أمون” المصري وعزا ذلك إلى تطابق الصفات والمواصفات بينه وبين يهوه؛ حيث أن “آمون” هو الآخر إله أزلي وسرمدي ، اسمه يدل على كل ما خفي عن الأنظار، لا يمكن إدراكه، كنهه وجوهره سره الغامض، هو واحد لا شريك له، ينفرد بالكونية والعالمية حتى عبد وأله في الحضارات المجاورة للفراعنة سيما في مدن فلسطين وسوريا، وبلغت أوج عبادته في السلالة المصرية الثامنة عشر (1350- 1580 ق.م). هذا، ولا يخفى أن الآلهة في حضارات العالم القديم كانت تلهم الملوك والحكام الأسماء والألقاب فيتسمون بها، وغالبا ما كانت الأعلام تصاغ على شكل مركب إضافي يمثل أحد طرفيه اسم الآلهة، كما هو الشأن لاسم “أمينحتب””Amenhotep” وهو اسم مركب أطلق على العديد من الفراعنة[11]. وعلى غرار ذلك يذهب ميك باور أن “آمين هو نفسه “آمون” المصري، معتبرا أن الديانات التوحيدية الإبراهيمية تأثرت بشكل كبير بالديانة “الآتونية” “Atenism” كما لو أنها انتقلت من عبادة تعدد الآلهة “Polytheism” إلى التوحيد “Monotheism” بدءا من القرن الثالث عشر الميلادي[12].

        وفي المقابل، تعرضت هذه الآراء لرواد النقد الفيلولوجي الحديث لجملة من الاعتراضات تأرجحت بين النقد والنقض، تفند دعوى عبادة العبريين للإله “آمون” لانتفاء الدليل التاريخي[13]، كما ذهب غير واحد من الباحثين اللغويين إلى أن “آمين” هي من أصل عبري[14]، علاوة على أن من معانيها “الحق”[15]، وهو ما يزكي الطرح اليهودي القائل بأنه اسم للإله يهوه. وشاع استعمال كلمة “آمين” في الديانة المسيحية من لدن السيد المسيح، وعليه، قرر الثيولوجي “جوزتاف دالمان” (Gustave Dalman” (1941- 1855″ أن المسيح استعاض عن أداء اليمين والقسم بكلمة “آمين”[16]. أما في الإسلام فهي من أسماء الأفعال بمعنى “استجب”. والراجح أن كلمة “آمين” ذات أصول سامية ترد في العربية والعبرية والآرامية… وهو ما يعرف بالمشترك السامي في جذور الكلمات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- Let’s say Amen, Tamar Ansh, Feldhein publication, New York, 2006. P: 42.

[2]- Great Amen, of the Great I-am, God in covenant with his people in his creation, John Emory MC Kenna, Wipf and Stock, Eugene, USA, 2008. P: 86.

[3]- Egyptian origin o the book of revelation, John .H. C. Pippy, Lulu Entreprises inc, Newfoundland, canada, 2011, P: 30.

[4]-  Great Amen, of the Great I-am, God in covenant with his people in his creation, John Emory MC Kenna, Op Cit, P: 86.

[5]- Sefer ha Zohar. V: 8, Shimon Bar Yochai, P: 162.

[6]- Encyclopaedia Judaica, Thomson Gale, New york, 2006, V: 1. P: 38.

[7]- ספר הזוהר The Zohar, translation by Daniel. C. Matt, Stanford university press, California, 2004, V: 1. P: 361.

[8]- The Early Kabbalah, Joseph Dan, Paulist press, New York, 1986, P: 98.

[9] ـ תורה  נביאים  וכתובים، ספר ישעיהו: 65: 16.

Biblia Hebraica, Ex Officina Bernhardi Tauchnitz, 1859

  ـ تم ترجمة عبارة “בֵּאלֹהֵי אָמֵן” الواردة في الإصحاح المذكور إلى اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية ب “إله الحق”. على النحو التالي: ” فالذي يتبرك في الأرض يتبرك بإله الحق والذي يحلف في الأرض يحلف بإله الحق لأن الضيقات الأولى قد نسيت ولأنها استترت عن عيني”.

أنظر :

  • الكتاب المقدس، دار الكتاب المقدس، القاهرة، 2006، سفر إشعياء. الإصحاح 65 العدد 16.

– The Holy Bible, translated from the Latin Vulgate diligently compare with the Hebrew,  Greek, and other editions in divers languages Douay-Rheims version –       1609, 1582. Book of Isaiah: 65: 16.

– La Sainte Bible, traduction de l’Ancien Testament d’après les Septante et du Nouveau Testament d’après le texte Grec. P. Giguet, librairie 5e Poussielgue et Fils, Paris, 1865, Livre d’Isaïe: 65: 16.

[10]- Termes of Salvation, Grant. H. Layton, authorHouse, Bloomington, USA, 2014. P: 655.

[11]- Future of God Amen: A call to daughters and sons of God, Nicholas. P. Ginex, US copyright office registration. USA, 2009. P: 171, 173.

[12]- Adieu to God why psychology leads to Atheism, Mick Power, Wiley-Black well, Chichester, United Kingdom, 2012. P: 15.

[13]-  A Psychoanalytic history of the Jews, Avener Falk, Associated university press, London, 1996. P: 78.

[14]- Antiquities of the Jews, William Brown. D. D. University of Eskdalemuir, Philadelphia, 1823. V: 1, P: 558.

[15]- A Concise Dictionary of the words in the Hebrew Bible, James Strong, S. T.D, LL. D, Madison, New York, 1890. SH 543.

[16]- The New Testament and Rabbinic Judaism, David Daube, Wipf and Stock publishers, Eugene, USA, 2011. P: 388.
________
* المجلة الإخبارية لفريق بحث علم مقارنة الأديان، كلية الآداب سايس – فاس

شاهد أيضاً

10062_1[1]

خواطر في المولد والميلاد

خاص- ثقافات محمد امين ابوالعواتك*   ” الحب فرض وعند البعض نافلة… وعند الجاهلين لجهلهم… …

تعليق واحد

  1. هناك خلط واضح مابين الالهين امون طيبة المصري وامون سيوه في الصحراء الليبية كلاهما لديه خصائص ومميزات تحتلف عن الاخر .واعتقد ان الكاتب في خديثه عن المعبود امون كان يتحدث عن امون الليبي وليس عن امون المصري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *