الرئيسية / قراءات / ليلى البلوشي تجمع هنري ميللر وأناييس نن في «رسائل حب مفترضة»

ليلى البلوشي تجمع هنري ميللر وأناييس نن في «رسائل حب مفترضة»



عبدالدائم السلامي

في أحد أيام العام 1931 زار الروائي الأميركي هنري ميللر صاحب كتاب «مدار السرطان» بيتَ الكاتبة الأميركية ذات الجذور الإسبانية أناييس نن المقيمة آنذاك في مدينة لوفيسين الفرنسية والتي نشرت إلى جانب يومياتها الشهيرة كتباً عدة منها «جاسوس في بيت الحب». ومذاك، توطدت العلاقة بين هذين الكاتبين، أدبياً وشخصياً وتواصلت حتى وفاة أناييس عام 1977. وقد مثل الترسل الحبلَ الذي قوى عرَى علاقتهما سواء في أزمنة غضب الواحد منهما من الآخر أو في خلال ابتعادهما في المكان. وعدت هذه العلاقة أيقونةً في تاريخ علاقات الكتاب الغربيين المعاصرين، وكان لها حضور كبير في الدراسات الأدبية والتأريخية، وتم تحويل مضمونها الحكائي إلى حدث سينمائي. ولعل من صور حضور إيحاءات هذه العلاقة في الإبداع العربي المعاصر، بكل ما فيها من حب وهجر وأدب، إقدام الكاتبة العمانية المقيمة بأبو ظبي ليلى البلوشي على إعادة إنتاج تفاصيلها إنتاجاً متخيَلاً ضمن كتابها «رسائل حب مفترَضَة بين هنري ميللر وأناييس نن» الصادر عن دار الانتشار العربي ببيروت عام 2014.

حرصت الكاتبة على وضع عنوان لكتابها كاشف عن عَقد قرائي مع المتلقي، ومدار ذلك بيان جنس المكتوب (الرسائل) وذكر ثيمته (الحب) وتحديد نوعه (مفترَض، متخيَل)، وهي بذلك تثبت اتكاءها على حمولة شخصيتي ميللر ونن الأدبية لتنسج حواريةً بينهما جديدةً وطريفةً الدلالة ظلت الكاتبة فيها هي الحاكمة لشكلها ولمضمونها ولطبيعة العلاقة الممكنة بين الذكر والأنثى وفق رؤية شخصية يوجهها سياقان متقاطعان: سياق مادي هو الواقع العربي وآخر رمزي هو خزين ذاكرتنا الثقافية الجماعية وما يعتمل فيها من موضوعات الحب والغضب والكراهية والكتابة والزمن والحرية والحَيرة. وفي خلال هذه الحوارية استثمرت الكاتبة خلاصات حكمة الثقافات الأخرى المحمولة في أفكار شخصيات أدبية وفلسفية وثورية عديدة منها على سبيل المثل إيزابيل اللندي وتشي غيفارا وسلفادور دالي وكافكا وبودلير وماركيز ونيتشه وويندل بري وأورهان باموق ويوكيو ميشيما الذي قال: «أريد أن أجعل من حياتي قصيدة». والظاهر أن ليلى البلوشي عرفت كيف تزرع مقاطع من كتابات هؤلاء الأدباء والمفكرين داخل نسيج كتابها حتى صارت فيه مرتكزات نظريةً بل مقولات تشي بتناص ثقافي فيه وجهٌ من وجوه سعي الكاتبة إلى البحث عما يوجد في علاقة الأنثى مع الذكر من أبعاد ذاتية وأخرى كونية لا تَحدها جغرافيات الأمكنة ولا إكراه الثقافات.
وما كان في إمكان ليلى البلوشي أن تحضرَ شخصيتي ميللر ونن، وتقول بلسانيهما ما رغبت في قوله، لولا اعتمادها في صياغة كتابها على فن الترسل، وهو فن عرفته أغلب الشعوب وظلت أساليبه تتطور وفقاً لتطور مفهوم التواصل وأهدافه حتى عَدَه الباحث التونسي محمد صالح بن رمضان من أكثر الأنواع الأدبية العربية النثرية ازدهاراً في العصور القديمة، حيث حظيت الرسالة باهتمام فني خاص عند العرب، فكانت بحق مرآة صادقة تنعكس على صفحتها صور حية لتلك العصور، وتنطبع عليها تياراتها الفنية المختلفة. غير أن ما يميز الرسالة في كتاب ليلى البلوشي هو كونها تنحو منحى التكون السردي من جهة ما تنهض على قاعدته من فعل الإخبار ورغبة التوصيف وذكر الفضاءات وعلائق الفاعلين فيها، من ذلك ما نقرأ في رسالة نن إلى ميللر التي تقول فيها: «اليوم سوف أحكي لك عن وجه فتاة صغيرة في صورة واحدة فقط، مفردة، تجس سيرة تاريخ شعب باسمه». وفي الحكاية يتعرف القارئ رحلة المصور الأميركي «ستيف ماكوري» الذي سافر إلى باكستان عام 1984 والتقط صورة لفتاة أفغانية تسمى «شربات غولا» كانت قد فقدت أبويها وظلت تقيم بمخيم للاجئين الأفغان، ثم لما تنشر مجلة «ناشيونال جيوغرافي» تلك الصورة، يتنبه العالَم إلى ما فيها من صمود للمرأة الشرقية وتحد منها لإكراهات واقعها بسياقاته السياسية والاجتماعية والثقافية ما جعل تلك الصورة تمثل دراما كاملة، بل هي رواية لتاريخ متأجج بالصراع والفقد.
ولأن الرسائل تيسر الإسهاب في الحديث عن الذات والبوح بالمسكوت عنه من شواغلها وتعَد من أكثر الفنون الأدبية أمانة في التعبير عن كينونة كاتبها باعتبارها حاملاً صافياً لما يعيش من أتراح وأفراح، بل هي مرآة تعكس ما يخفي، أو ما يظن أنه يخفي، من انفعالات وجدانية متنوعة، فقد أنبأتنا «رسائل حب مفترَضة» بصورة الأنثى وهي تواجه حواجز الأعراف الاجتماعية والثقافية، لا بل إن تلك الرسائل ظهرت بمظهر التقنية الفنية المساعدة للكاتبة على تقديم صورة عن ذاتها المبدعة سواء أكانت في إهابها الفردي أم الاجتماعي أم الحضاري، بل إننا نلفيها تدخل في متن رسائلها وتجري حوارية بينها وبين هنري ميللر ما يجوز لنا معه اعتبار كتاب ليلى البلوشي رسالةً منها للقارئ ضمنتها نزوعَها إلى التحرر في الكتابة وفي الحياة، وأحالت فيها على ثراء ثقافتها القرائية وتنوع مشاربها، وأبانت عبرها عن قدرتها على نقد واقعنا الثقافي العربي وما فيه من تصورات اجتماعية عن المرأة وأدوارها في الحياة دونما خجل على غرار ما كتبت على لسان هنري ميللر: «إني أعري بلا خجل كل قطعة من حياتي».
______
*الحياة

شاهد أيضاً

أفانين الهرب من الرواية أو ما تبقى من أيام بلا صباحات

* نبيل سليمان (1) تتوقف السيارة عند الحاجز، وتحيي العسكري. لستُ من أوقفها، ولا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *