الرئيسية / فكر / ذاكرة الكفر والإيمان وظاهرة الغلو في الدين

ذاكرة الكفر والإيمان وظاهرة الغلو في الدين


*علي بن مبارك

لئن اتفق أغلب علماء الإسلام اليوم بكلّ توجّهاتهم على تحريم تكفير أهل القبلة مهما كانت الأسباب فإنّ ثقافة التكفير مازالت حاضرة بقوّة وعنف عند شريحة لا يستهان بها من المسلمين وخاصّة من فئة الشباب، ولقد دعتنا هذه المفارقة العجيبة إلى إثارة مجموعة من الأسئلة فيما يتعلّق بثقافة التقريب من حيث مرجعياتها والمصطلحات الحافة بها.
إنّ حديثنا عن خطاب التكفير في علاقته بأفق التواصل والحوار والتقريب ليس من باب تهويل الأمور أو ترسيخ واقع إسلامي مؤلم، بقدر ما يندرج ضمن وعي الواقع وتمثّل صعوباته. لأنّ الذي لا يدرك الواقع على حقيقته لا يتسنّى له إصلاحه وتغييره. ولذلك كان لا بدّ لنا من فهم ظاهرة التعصّب في علاقتها بالغلوّ وممارسة الوصاية على الآخرين وفرض مقالات المذهب. وينتج عن هذا التعصّب سلوك مشين من قبيل التكفير وإقامة الحدود على المخالف والإساءة للمقدّسات ولرموز المذهب الدينية، كما يفرز هذا السلوك الإقصائي قطيعة بين المسلمين أو حوارًا جافًا تغلب عليه المجاملات والرّسميات ويغيب عنه العقل والمنطق. ولا نبالغ إذا اعتبرنا كلّ ما ذكرناه وجوهًا مختلفة للفتنة. ولعلّ أخطر هذه الوجوه استحضار الماضى والاستنجاد بذاكرة “الكفر والإيمان”، إذ يتمّ نقل كلّ المسائل الاختلافية إلى عصور مضت من تاريخ الأمّة الإسلاميّة هيمن عليها الجدل والحجاج والتناظر والتطارح وغيرها من أدبيات الإقناع والإفحام.
لا نبالغ إذا اعتبرنا قضية الكفر والإيمان من أعقد قضايا الفكر الإسلامي وأرسخها في الذّاكرة الجماعية لكلّ مجموعة من مجموعات المنظومة الإسلاميّة. ولقد لاحظنا من خلال الاطّلاع على أعمال بعض ندوات التقريب والمؤلّفات المختصّة في هذا المجال هيمنة الذاكرة الدينية المذهبية وإن أظهر أصحابها منزعًا نحو الحياد والموضوعية والإنصاف. ويبدو أنّ هذه المسألة لا تُحلّ بسلسلة من المجاملات والاعتراف الظاهري، وربّما الاضطراري، بالآخر المخالف بل لا يمكن تجاوزها إلاّ بالنقد الصريح الجريء البنّاء، والمراجعة الجذرية لمقولات كلامية وأصولية أصبحت عبءً على الفكر الإسلامي المعاصر الذي يتوق إلى الوحدة والتقريب والتواصل مع بقية الحضارات والثقافات وتحسين صورة الإسلام التي شوّهها التعصّب المتسلّح بالتكفير والغلوّ فيه.
وجدير بالملاحظة أنّ استنطاق الذّاكرات المذهبية السنية أو الشيعية أو الإباضية أو غيرها لا يعني البتة إثارة قضايا تاريخية تعرفها الخاصّة والعامة دون تمثّل الإشكاليات الحقيقية وتذليل الصّعوبات المتعلّقة بها. إنّ قصارى جهدنا في هذا المبحث أن نتبيّن خلفية ظهور ثقافة التكفير وأسبابها الموضوعية وتصحيح بعض المفاهيم التي مازالت تكرّس ثقافة التكفير وتحول دون تقارب وتقريب فعليين بين مختلف أطياف المنظومة الإسلاميّة الواحدة.
إنّ المتتبّع لمقولة “الكفر والإيمان” في كتب الملل والنحل والفرق وعلم الكلام والخلافيات والجدل والفقه (…) يلاحظ أنّ مقالات القدامى في هذه المسألة ارتبطت بقضيتين محوريتين تتعلّقان بمسألة الانتماء إلى الجماعة ومسألة المصير الموعود بما هو جزاء يلقاه العبد يوم الحساب. ويمكن لنا انطلاقًا من هاتين القضيتين أن نطرح مجموعة من الأسئلة: هل يمكن الحديث عن مفهوم موحّد للجماعة ؟ وكيف يتحدّد الانتماء إليها؟ وما دلالات احتكار إحدى المجموعات الإسلاميّة للسنّة والجماعة (أو لأهل البيت) واعتمادها اسمًا لها والحال أنّ كلّ المسلمين بدون استثناء يعتمدون السنّة أصلاً تشريعيًّا، ويجلّون أهل البيت لارتباطهم بشخص الرّسول؟ وإذا أقررنا بأنّ مفهوم الجماعة يشمل كلّ المؤمنين المعتنقين للإسلام فما هي دلالات ظهور جماعات إسلامية هنا وهناك تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة وتكفّر غيرها، وإن كان يعتنق دينها ويقلّد مذهبها ويقول بمقولاتها؟ وهل تخرج الذنوب والمعاصي المسلم عن دار الإسلام فتلحق به الخزي في الدنيا والخسران في الآخرة؟ هل يمكن فعلاً الحديث عن مؤمن فاسق عاص يجمع بين الكفر والإيمان وربّما تنزّل في درجة بينهما كما ذهب إلى ذلك المعتزلة؟ هذه الأسئلة وغيرها ممّا لم نطرح تفجّر استفهامات أخرى تشغل الفكر الإسلاميّ المعاصر اليوم كما شغلت القدامى: هل يقتصر التكفير على إطلاق صفة الكفر على من أظهر تعنّتًا وتكبّرًا وصرّح بمساندة الظلم وأهله فعطّل شيوع العدل بما هو مصلحة للعباد كما دلّت على ذلك معاني آيات القرآن، أم تُراه تعدّى ذلك وتحوّل إلى أحكام صارمة وتشريعات تمسّ المعاملات والعبادات والأحوال الشخصية بل تتجاوز ذلك إلى الميعاد والثواب والخلود في النار؟ وهل يقتصر التكفير فحسب على التصريح بكفر الآخرين المخالفين وغلق أبواب التعامل والتعايش معهم، أم يتعدّى ذلك ليشمل مظاهر أخرى لسلوك إقصائيّ قد تكون أشنع من التكفير المعلن أو القطع المصرّح به؟
إنّ ما نجده عند أغلب علماء المسلمين اليوم من رفض قطعيّ لتكفير أهل القبلة، وما لاحظناه من انزياح خطير لدلالات الكفر وتوجيه مخصوص لمعانيها بعد رحابة الأفق وتحرّر المجال يجعلنا نقرّ بأنّ البدعة[1] الوحيدة التي اكتسبت كلّ شروط الابتداع السلبيّ هي “بدعة التكفير”، وعلى الرغم من احترازنا من مقولات “الحوادث والبدع”[2] وتشكيكنا في مدى استجابتها لتطوّر التشريع الإسلاميّ فإنّا نجازف، ولو على سبيل المجاز، بتبديع ثقافة التكفير واعتبارها هجينة على مقاصد الدّين كما أجمع عليها أغلب العلماء والمفكرين قديمًا وحديثًا. ولكنّ السؤال الملحّ الذي ينتابنا في هذه اللّحظات من البحث يتعلّق بتاريخية ظهور هذه “البدعة” وكيفية تطوّرها والأسباب الكامنة وراء إحداثها وانتشارها وترسّخها في الذاكرة وتحوّلها بموجب ذلك إلى أصل من الأصول وركن من أركان الدّين لا يقبل التشكّك أو المراجعة.
لقد لاحظنا تأكيد أغلب الباحثين اليوم بما في ذلك دعاة التقريب والمشاركين في مؤتمراته على ربط ظهور “بدعة التكفير” بمقولات “الخوارج”[3] لأنّهم خرجوا عن الملّة، ثمّ أخرجوا غيرهم منها. ولنا أن نتساءل ما دلالات حصر بدايات التكفير في مقالات الخوارج كما تمثّلهم غيرهم من مخالفيهم؟ ألا نرى في ذلك تبسيطًا لمسألة بالغة في التعقيد وهروبًا من إجابة على سؤال يخصّ كلّ طرف من أطراف المشهد الإسلامي دون تمييز أو تبجيل؟
لن نحوّل هذا العمل إلى مرافعة ندافع فيها عن “الخوارج” وندحض عنهم تهمة ابتداع تكفير أهل القبلة من مخالفيهم، فهذا العمل ليس من مشمولات هذه الدراسة، وتكفّل به غيرنا من الباحثين ولئن اعتبرنا الخوارج (سواءً خرجوا لله أو عنه) من الفرق المنقرضة البائدة[4] فإنّ ما طُرح حولهم من إشكاليات يساعدنا اليوم على تمثّل قضية التكفير على سبيل الموعظة والاعتبار.
إنّ المدقّق في السيرة النبوية يلاحظ تأكيد الرسول على احترام المسلم[5] لأخيه المسلم وعدم التورّط في قتله وإخراجه عنوة من دار الإسلام بدافع الحماس المفرط أو الوصاية العمياء. ولنا في قصة أسامة بن زيد خير مثال على ذلك إذ وجّه له الرّسول نقدًا لاذعًا لأنّه “قتل رجلاً شهر عليه سيفه فقال لا إله إلاّ الله” بحجّة أنّه “قالها تعويذًا من السيف” فأجابه في صيغة استفهام إنكاري “هل شققت عن قلبه؟” وردّد عدّة مرّات “من لك يا أسامة بلا إله إلاّ الله” إلى درجة أعلن فيها أسامة “وددت أنّ ما مضى من إسلامي لم يكن”[6]، إنّه إعلان عن قانون خالد يستأثر فيه البشر بالظواهر دون البواطن، ويشرّع للاختلاف حتّى لا يتحوّل إلى خلاف ثمّ إلى عنف وتكفير وإقصاء. فكيف تحوّل هذا الاختلاف بما هو انفتاح إلى خلاف مدمّر أضرّ بالدين والدنيا وأرعب البلاد والعباد؟.
ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال وربّما تطلّب ذلك منّا بحثًا منفردًا، ولكنّنا نذهب إلى أنّ عدّة أحداث متتالية ساهمت جميعها في إفراز التكفير خطابًا وثقافةً وذاكرةً توجّه وعي المجموعات الإسلاميّة وتحدد نمط علاقاتها مع الآخر الأدنى ممّن يشاركهم الملّة ويخالفهم المذهب والرّأي.
وإذا اعتبرنا تكفير المسلم المخالف إخراجًا له جزئيًّا أو كلّيًّا عن الملّة فإنّ جذور هذا الإجراء تعود إلى حدث أساسيّ يتمثّل في وفاة الرّسول وما تركه من فراغ تشريعي وسياسيّ كبير أدّى إلى مجموعة من الاضطرابات كما هو حال حركة مانعي الزكاة أو ما عرفوا بـ”المرتدّين عن الإسلام” باعتبار أنّ “من أخلّ بجزء من الإسلام أخلّ بكلّه” على حدّ تعبير الخليفة الرّاشدي الأوّل. وينتج عن هذا المنطق الذي أسّسه الخليفة أبو بكر الصدّيق اعتبار مانعي الزكاة كفّارًا وتستحلّ تبعًا لذلك أموالهم ودماؤهم؟ وهذا الحدث الخطير يثير عدّة إشكاليات فهل يعني امتناع القيام بركن من أركان الإسلام سقوطها جميعًا وخروج صاحبها من الملّة والتحاقه بدار الكفر؟ وهل من المشروع معاملة مانع الزكاة معاملة المرتدّ عن الدين المغيّر له؟
إنّ المتتبّع لأخبار مالك بن نويرة كما جاءت في “البداية والنهاية” على سبيل المثال يجد أنّ مالك “ندم على ما كان من أمره وتلوم في شأنه وهو نازل بمكان يقال له البطاح فقصدها خالد بجنوده وتأخرت عنه الأنصار وقالوا: إنّا قد قضينا ما أمرنا به الصدّيق[7] فقال لهم خالد إنّ هذا أمر لا بدّ من فعله وفرصة لا بدّ من انتهازها”[8].
ويبدو أنّ أبا بكر لاحظ من خلال وصيته لخالد بن الوليد أنّ الأمر ملتبس ذو مزالق فأكّد على الجند أن يحذروا من قتل من أظهر إسلامه، وهذا يعني أنّ الالتباس الحاصل بين حدّ الارتداد عن الدين ومنع الزكاة بما هي ركن من أركانه كان يؤرّق الخليفة الرّاشدي لأنّه قد يؤدّي إلى قتل أهل القبلة، وهذا ما حصل فعلاً عندما قتل خالد بن وليد مالك بن نويرة، ممّا أغضب أبا بكر وأثار سخط عمر بن الخطّاب، إنّ سردنا الموجز لقصّة مالك بن نويرة لا يعني الاستنقاص من أحد أطراف الحدث، ولكن أردنا فحسب أن نقف عند العبرة وأن نتبيّن صرامة الإسلام وعدله في هذه المسألة كما تجسّدت في موقف عمر بن الخطّاب، ويمكن أن نخرج باستنتاجين مهمّين سيساعداننا على فهم ظاهرة التكفير لاحقًا عند القدامى أو المعاصرين على حدّ السّواء.
* الاستنتاج الأوّل: يتعلّق بمسألة تأويل النصّ بعد وفاة الرسول أعلم الخلق بمعاني القرآن وأسراره فيما روت كتب علوم القرآن ومؤلّفات السيرة، والطريف المحيّر أنّ أبا بكر حارب مانعي الزكاة محتجًّا بالقرآن، كما برّر مالك بن نويرة وقومه المنع بحجج تأوّلوها من النصّ. وهذا الأمر سنلحظه بجلاء في الأحداث اللاحقة، فقتلة عثمان كفّروه ثمّ قتلوه مستنصرين بالنصّ، والفتنة الكبرى وظّفت النصّ في كلّ الاتّجاهات وانتهت بتحكيمه كما أنّ المحكّمة الأولى خرجوا عن علي بن أبي طالب، وحكموا بكفره ثمّ قتلوه بحجّة مخالفته القرآن[9] ولقد رفع المحكّمة الأولى شعار “لا حكم إلاّ لله” ممّا نتج عنه انزياح في مفهوم الكفر، مثلما أكّدنا، وأصبح الكافر من يعتقد في مقالة الرّجال دون حكم الله المنصوص. ولكن كيف لنا أن نتبيّن حكم الله دون اجتهاد في فهم الآيات وتدبّرها وتأويل لمعانيها. ويبدو أنّ مسألة تكفير المخالف أخذت مع نشوء علم الكلام وصراع أهل الحديث مع المتكلّمين بعدًا آخر هيمن عليه التنظير والتبرير، فأصبح الكافرون أنواعًا وأصنافًا، وأصبح الكفر درجات ومراتب، وأصبحت النجاة محتكرة من قبل فرقة تعتقد نفسها الناجية دون غيرها من المسلمين، ولئن اختلف أهل الكلام حول عدّة قضايا من قبيل خلق القرآن وصفات الله وفعل الإنسان… فإنّهم اعتمدوا النصّ حجّة تضاف إلى حجّة العقل للبرهنة على صدق ما يذهبون إليه وفساد رأي المخالف، وقام كلّ طرف إسلاميّ بـ “توظيف الماضي المقدّس في عملية ذات وجهين متلازمين: تبرير وتجذير لأصوله “هو” وتهجين وبتر لأصول “الآخر””[10] وهذا التوظيف الموجّه دفع كلّ مجموعة دينية إسلامية إلى “احتكار وظيفة الفهم الصحيح للدين وإفهامه”[11] ثمّ بعد ذلك “السعي بكلّ الطرق إلى هيمنة على العامة وتجييشها في الصراعات السياسيّة التي تخوضها رافعة شعار الدفاع عن الدين الصّحيح”[12].
لقد عكست هذه الأمثلة خطورة مسألة تأوّل معاني القرآن في اختلاف المسلمين وخلافهم وتكفير بعضهم بعضًا ولذلك أكّدنا في مستهلّ هذا العمل مشروعية الاختلاف في قراءة النصّ بما هو نصّ منفتح على عدد لا حصر له من الدلالات.
* الاستنتاج الثاني الذي نخرج به من محنة مانعي الزكاة يتعلّق بخطورة خلط الفروع بالأصول أو وضع أحدهما في مقام الآخر. فهل يمكن أن نتنازل عن صون النفس والمال والعرض باعتبارها أصولاً أثبتها القرآن منذ بداية نزوله بتعلّة عدم القيام بركن من أركان الدّين؟ وهل يستوجب ذلك التأثيم والتكفير؟ لقد أرّقت هذه المسائل الفكر الأصوليّ، وتوصّل من خلال نظرية المقاصد كما تجلّت عند الشاطبي وغيره إلى اعتبار مصلحة الأنام أصل الأصول ومقصد الشرع وعلى هذا الأساس اقترح الفكر المقاصدي توزيعًا جديدًا للأصول والفروع.
إنّ ما نلاحظه اليوم من خطابات إسلامية تنزع نحو الإقصاء والتكفير المعلن والضمني يرجع حسب ظنّنا إلى قلب سلّم الأولويات وتبجيل المهمّ على الأهمّ وتقديم الفروع على الأصول وأصبحنا نسمع بشطحات تكفير غريبة وعجيبة هنا وهناك، حتّى أنّ الناس لا شغل لهم -أحيانًا- إلاّ تكفير هذا لخطأ في صلاته أو صيامه، أو تكفير ذاك لأنّه اتّبع بدعة في لباسه أو أكله أو سلوكه الاجتماعي، “وكلّ بدعة ضلالة”، وربّما اقتحموا بواطنه وبحثوا في مدى صدقه مع ذاته ومع ربّه وخصّوه بالأسماء والألقاب المناسبة ثمّ نظروا في جزائه فاختاروا له النار عقابًا وتنكيلاً….
إنّنا بوصلنا بين “الماضي والحاضر” نؤكّد أهمية ذاكرة الكفر والإيمان في مسار الحوار الإسلامي – الإسلامي اليوم، ولا نبالغ إذا اعتبرنا هذه الذاكرة معوّقًا حقيقيًّا من معوّقات الحوار ومدعّمًا أساسيًّا لثقافة التكفير والإقصاء. ونظرًا لارتباط هذه الذاكرة بمخيال جمعيّ تراكميّ تناقلته الأجيال بعد الأجيال فإنّ تذليل الصعوبات المتعلّقة به ليست بالأمر الهيّن إذ يتطلّب شجاعة في المواقف وقدرة على نقد الذات قبل نقد الآخر وحدّ من تقديس الماضي والاستهانة من رهانات العصر وقضاياه.

[1] تثير مسألة البدعة في الفكر الإسلامي عدّة إشكاليات من حيث علاقتها بالإبداع والاجتهاد وتطوّر المنظومة التشريعية الإسلامية كما أنّ أدبيات “الحوادث والبدع” مثّلت وجهًا من وجوه تراجع الفكر الإسلامي وتأزّمه في عدّة حقبات من تاريخه.

[2] صنّف القدامى عدّة كتب في مجال “الحوادث والبدع” كما اهتمّ المعاصرون اهتمامًا كبيرًا بالبدعة وضوابطها.

[3] نحترز من استعمال هذا المصطلح لأنّه مصطلح إشكالي يستنبط خلفيات إيديولوجية مذهبية سياسية.

[4] لا يعتبر الإباضيون(وهم أعرف النّاس بأنفسهم) أنفسهم فرقة من فرق الخوارج.

[5] تحتوى كتب الحديث السنية والشيعية والإباضية كمًّا هائلاً من الأحاديث تنهى عن الغلوّ في الدين وتؤكّد عصمة من قال لا إله إلاّ الله في ماله ودمه وتخصّ الجنّة بكلّ المؤمنين وتحريم النار على كلّ من نطق بالشهادة.

[6] عزّ الدين الجزري ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الفكر، القاهرة، ج1، ص 80

[7] أمرهم الصدّيق بأن “يبدأ النّاس بالتأذين فيهم ثمّ الإقامة فإذا أذّنوا وأقاموا فقد عصموا دماءهم وإن ردّوا فالإغارة ثمّ القتل كل قتلة،… أمّا إن امتنع القوم عن أداء الزكاة فالإغارة دونما سواها” ابن الأثير المصدر نفسه

[8] الحافظ ابن الكثير، البداية والنهاية، منشورات مكتبة المعارف، بيروت (د، ت)، مجلد6، ص 321

[9] كفّرت المحكّمة الأولى عليًّا لثلاثة أسباب:

– لأنّه أباح النظر في استقامة عثمان وظلم قتلته

– لأنّه توقّف عن قتال معاوية: الفئة الباغية

– لأنّه أباح في جموع الجمل أخذ المال دون السبي

ولعلّ ما يؤكّد ما ذهبنا إليه ما أورده الطبري، ج1، ص 2914 من كلام لمصعر بن فتكي وزيد بن قصين الطائي (من أعضاء المحكّمة) وجّهاه إلى علي بن أبي طالب جاء فيه “يا علي أجب إلى كتاب الله عزّ وجلّ إذا دعيت إليه وإلاّ ندفعك برمتك إلى القول أو نفعل بك كما فعلنا بابن عفّان”.

[10] ناجية الوريمي بوعجيلة، الإسلام الخارجي، دار الطليعة، بيروت، 2006، سلسلة “لإسلام واحدًا ومتعدّدًا”، ص 53

[11] ناجية الوريمي بوعجيلة، المرجع نفسه، ص 158

[12] ناجية الوريمي بوعجيلة، المرجع نفسه، ص 158
_____-
*مؤمنون بلا حدود

شاهد أيضاً

المعتقد الذي ألقى الله عليه

أحمد إدريس “أدين بدين الحُب ؛ أنَّى تَوَجَّهتْ ركائبُه، فالحُب ديني و إيماني.” (ابن عربي) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *