الرئيسية / مقالات / لا تشترِ الهاتف إلا والعصا معه

لا تشترِ الهاتف إلا والعصا معه


*جوسلين إيليا

الذكريات الجميلة لا يبقى منها الا الصور، حتى الاشخاص الذين نحبهم يرحلون ولا يبقى منهم الا قطع الورق التي ترسم عليها وجوههم وابتساماتهم التي نشتاق اليها . 

في كل بيت صندوق صغير مليء بالصور الجميلة التي تحمل تواريخ مضى عليها أيام وأيام، صور بالابيض والاسود وصور بالالوان، ولكن هذا الصندوق تجد فيه اليوم {يو إس بي} و{سي دي} هذا إذا كنت من {شبه العصريين}، أما إذا كنت من راكبي موجة العصر والتكنولوجيا الحديثة بحذافيرها فلا تجد أي شيء في الصندوق لان ذكرياتك وصورك الافتراضية مخزنة في {الغيمة الالكترونية}.
منذ فترة احتفلنا بأحد الشعانين، وهذه المناسبة تذكرني كثيراً بوالدي الذي كان يسعى دائما الى اصطحابي برفقة شقيقتي ليليان وشقيقي بسام وإلياس ونحن نرتدي أزياء العيد، الى مصور {رسمي} في البناية التي كانت تسكن فيها جدتي رحمها الله، ليلتقط لنا نحن الاربعة الصور الرسمية للعيد كل عام، واحتفظت أمي بتلك الصور ووزعتها علينا لتبقى ذكرى جميلة.
اليوم أنظر الى هذه الصور التي لا يمكن أن أقدرها بثمن، واقارنها بالذكريات التي ندونها بواسطة التكنولوجيا التي تفوقنا ذكاء واصبحت صورنا أنانية، مثلنا تماما حتى اسمها {سيلفي{ وليس هذا فحسب إنما أصبحت غبية بشكل لافت، فقلما تجد صورة من دون عصا يحمل صاحبها هاتفه الجوال ليلتقط صورة شاملة، وفي حال لم تجد عصا تجد ذراعا في الصورة، ولا يبقى من هذه الذكريات الا ما يحتفظ به الاخ الاكبر {غوغل} أو {فيسبوك} أو {إنستغرام} أو { سناب شات}. 
التكنولوجيا جميلة ولكن اشتقنا للصور الحقيقية، اشتقنا لتلك الصور التي كان يصعب الحصول عليها، أعرف أنه بالامكان طبع الصور الالكترونية (ديجيتال) التي نلتقطها في أسفارنا واثناء استلقائنا على السرير وعلى ضفة النهر والبحر .. ولكن صور الماضي تحمل معاني أعمق واجمل. 
صور اليوم لا تحمل نفس القيمة المعنوية، لانها متوفرة في أي لحظة وفي اي مكان ولاننا كلنا أصبحنا مصورين محترفين، فاللقطات التي تحدث على غفلة غالبا ما يلتقطها شخص محظوظ لعبت الصدفة لعبتها وكان في المكان وفي بعض الاحيان يمكنه أن يحقق مبالغ طائلة من تلك اللقطات.
في كل مرة أشتاق الى الماضي أعود الى تلك الصور التي تعتبر كنزا حقيقيا بعكس صور اليوم التي تنسى لحظة التقاطها.
والمشهد الذي اعتدنا عليه اليوم هو مشهد العصا التي ترافق الهاتف في الاسفار وفي الحدائق وفي المتاحف، وقد تكون العصا لا تزال في أول الطريق لان الآتي أعظم فقد يأتي ما هو أسوأ منها، وإذا صدقت الاخبار فهناك اختراع جديد في طريقه الينا عن طريق أحذية مصممة لوضع الهاتف الجوال في مقدمتها لالتقاط صور {السيلفي}، وهناك لاصق يوضع على الحائط يلتقط الصور عن طريق {البلوتوث}.
وفي انتظار ما سيأتي بعد العصا، أدعوكم الى التمعن بصور الماضي ومقارنتها بصور الحاضر ولكم حق الحكم والاختيار.
______
*الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *