الرئيسية / مقالات / مشاكسة الذاكرة

مشاكسة الذاكرة


*خليل قنديل


ها نحن نعيد ترتيب أثاث الروح من جديد، ولا نعلن التوبة من اقتراف الحلم والتمرجح في أحابيله المغرية. تلك الأحابيل التي تعيد لنا طفولتنا الجميلة التي فقدناها على حين غرة.
ها نحن نعيد الكرّة من جديد كي نبدو مثل طلبة أغبياء، ونحن نعيد اللثغ الجميل بتلك المفردات التي تدل على الواجهة النجيبة للروح، كي تعاود الروح تزينها بالمفردات النبيلة التي تدلل على إنسانيتنا.
ها نحن نعود إلى طفولتنا حيث «لا معلم يضرب ولا شريك يحاسب»، حيث ذلك الترنخ الجميل المثقل بماء الطفولة، وحيث تلك الرائحة المستقرة في أرنبة الأنف الصغير للأم، وذلك الحضور الذي لا يشبع من البسملة، ورعب الطفولة من هذا الاستدعاء المباغت. وها نحن نصطف في حبل الدبكة، ونحن نشبك الأيدي ببعضها، ونحن نحس بحنو القبضة وحنو ملامسة الأصابع.
ها نحن نمسك بطفولتنا بذاك الدهاء الذي استقبلتنا فيه لأول مرّة ونحن نعي ملامسة الدهاء الذي يدعي غبن الوعي في العناق أو في الملامسة. نفعل هذا ونحن نبتهج لهذا الغباء المتعمد الذي استطعنا إحضاره من جديد.
ها نحن نعود إلى القبض على الأكرة الهرمة لبوابة البيت، نقبض عليها جيداً كأننا نخاف منها أن تهرب وتتيه في زواريب الطفولة ودهاليزها. ونتقدم قليلاً كي نتوه في شعاب التذكر، نتذكر واجهة البيت الهرم وحنو ذاك الباب الكبير وضجة الإخوة الصغار في جنباته وذاك الزعيق الشيطاني لأصغر الإخوة.
ها نحن نعود إلى طلسم الحارة كي نبعث الحياة المتجلدة في وجه بقال الحي وفي مقعده الذي تحطب من المواكبة على الجلوس، ومن التحديق الممل بالمارّة، والانتظار المزمن لمجنون الحارة «عطية الأعرج» وهو يهرول ويتبعه أطفال الأحياء القريبة والبعيدة وهم يتصايحون بأصواتهم العصفورية «عطية المجنون عطية المجنون»، يرتعش رعباً وهو يراقب عطية الذي لم يغتسل منذ سنوات، ويتمنى لو يستطيع أن يغسله بالماء والصابون، ومن ثم يعصره بكل ما أوتي من قوة، وهو يرقب وسخ الأسواق، وهو يتشكل قطارات وسخة بحجم وساخة هذي المدينة وأسواقها.
ها نحن نعود كي نلم شمل الأعمار التي تبددت على حين غرة وتركتنا نجوب حمى التذكر، وكي نسترد من كل مرحلة تألقها وتوهجها، ربما كي نستريح قليلاً من قهر اللحظات المتراكمة وهي تندفع إلى هاوية العدم والتبدد.
ها نحن نعود كعادتنا من جديد كي نخط تداعيات العمر ونوزع تعرجاته على أرواحنا، فنمنح استطالة العمر تلك البهجة التي تظل تزين الأعمار، وذاك الإقدام الفحولي في اختيار خشونة التعامل مع الجسد الذي أخذ يتبدد رويداً رويداً.
ها نحن نعود كي نؤثث لأيامنا القادمة كي نستل بعض الأمراض المزمنة وصفة الغدر من أمراض الشرايين والقلب وتخثرات الكولسترول وضغط الدم كي نعيد للجسد ذاك البهاء وتلك الإطلالة.
نعود كي نحرر الذاكرة من الأثقال المرضية، نعود كي نمسك بيد أخينا الجسد ننقذه من كل هذه الأوهام ونتوّجه سيداً وعصياً على الخضوع كعادته.
ولتبتهج إذن أيها الجسد، وتعالَ كي نرفع شارة النصر.
________
*الإمارات اليوم

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *