الرئيسية / إضاءات / الفايسبوك.. تقنيات الحماية

الفايسبوك.. تقنيات الحماية


*ايمان حميدان

بعض الناس يبدون أجمل وأظرف على الفايسبوك مما نعرفه عنهم في الشارع والمقهى وفي تاريخ العلاقة بيننا. لا ضير في أن نتعامل مع تلك الصورة الجديدة، بل هي تعطي للعلاقة الأولى أبعاداً لم تكن موجودة سابقاً. لكن نستمرّ في الشارع والمقهى في التعامل معهم بشخصياتهم القديمة خارج ما اكتسبناه على الصفحة الافتراضية. الفايسبوك بهذا المعنى لا يستطيع أن يمحو صورة قديمة نعرفها عن شخص ما. الفايسبوك لا يستطيع أن يُراكم. هو يساهم في معرفة أفقية للناس وللعلاقات.

والفايسبوك ـ حسب الخبرة معه ومع قلة من الناس الذين تعرفت إليهم عبره ثم التقيت بهم ـ يبدو أحياناً مع البعض وكأنه يلعب دور الفوتوشوب الذي تلعبه التقنيات مع صور الممثلين. يُظهر الجميل، لأن ما يظهر على الصفحة هو تحت مراقبة صاحبه. يكتب ويعيد، ثم يكتب ثم يمحو حتى يخرج بالصورة التي يريد من كلماته أن تكون عليها، وليس بالتي هي عليها حقيقة.
لا بأس، لمَ لا؟ فالناس يعبّرون عن طموحاتهم الشخصية بوسائل شتّى بما فيها نشر أحلام من يريدون أن يكونوا وكيف يريدون أن يكونوا، وكيف يريدون أن يظهروا في تفكيرهم.
إذاً هي الصورة، أيضاً صورة الأفكار والمُتَخيّل حول من نتواصل معهم. هي صورة افتراضية أيضاً. لكن الصورة – أي الصورة المادية لشخص ما – ما زالت هي الأقوى لأنها إثبات مادي لوجود الآخر رغم الفوتوشوب الذي يُظهر لنا آخر مختلفاً. ورغم أن الصفحة تحوّلت إلى منبر لموقف أو نكتة أو نثر أو شعر أو حتى شتيمة أحياناً، تبقى الصورة أو البورتريه هي الأقوى والأكثر تعبيراً، إذ تحصد أكبر عدد ممكن من «اللّايكات».
شواهد
في روايتها الأخيرة «طشّاري» وصفت الكاتبة العراقية إنعام كجه جي كيف يصنع العراقيون المهاجرون عبر مواقع التواصل مقابر وشواهد لأحبائهم الذين رحلوا ولم يستطع أهلوهم دفنهم في أرض الوطن. الأماكن الافتراضية تصبح أرحم من أماكن ولادتهم.
أصدقاء لنا بنينا حياة افتراضية معهم يدخلون صفحاتنا ويتركون كلمات لطيفة، ثم يرحلون. الصديق الجميل بشير هلال الذي دخل الفايسبوك بعد إلحاح مني العام 2011، كان له حضور كبير ومؤثر على صفحاتنا. هو أيضاً رحل. تتحوّل الصفحات إلى شواهد في غياب أصحابها.
نرى الموت على صفحات الفايسبوك، لكن الموت له وجه آخر وأكثر قسوة. الفايسبوك مخيف. يغدو مروّجاً للموت، مخترعاً جماليات له وتقنيات… الموت فحسب، ويبدو الموت لا صوت له، لا رائحة، لا دم، لا خوف. ابتذال الموت والخوف، تتفيهه، إسكاته واعتياد حصوله كل يوم بل كل لحظة كجزء من حياتنا. الصورة التي وُزّعت منذ أقل من أسبوع في كل أنحاء العالم وعلى كل المواقع الافتراضية وصفحات الفايسبوك عن القارب الذي وقف على متنه مئات الناس. صورة ملوّنة واضحة سوريالية. كيف استطاع المصّور أخذ صورة مشابهة ونشرها على صفحات الفايسبوك؟ كيف استطاعوا تصوير لاجئي القوارب هؤلاء وهم في عرض البحر، لكنهم تركوهم يغرقون، يموتون، ولم يستطيعوا إنقاذهم؟
هل الصورة حلّت مكان الحياة؟ فتنة الموت مكان رفض الموت. لكن الموت حقيقة! هؤلاء ماتوا، غرقوا. هل افتُتِنَ عالمُنا، الذي يغرق ببطء في خدر إنساني، بعالم آخر افتراضي؟ هل غرق في جماليات الموت وأصبح الضحايا يشبهون شخوص الألعاب الالكترونية؟
تتحوّل حينها صفحات الفايسبوك إلى سينما. والسينما سبقت الفايسبوك بمئة عام ومهّدت له.
لكن يبقى هناك دم… دم كثير.
جندرية جديدة
«الانبوكس» هو الغرفة الخلفية للعلاقات الافتراضية. هناك قد يتمّ أي شيء. من نميمة إلى غرام إلى شتيمة إلى تحشّر. الأخير يحبّه الكثير من الفايسبوكيين العرب. ولا أجد وصفاً لهؤلاء الذين يتركون كلماتهم في المكان المخصص للرسائل، وهم لم يدخلوا سابقاً إلى صفحتي ولم يشــتركوا ولا مــرة في أي نقــاش. يبدو لي أنهم يتعاملون مع «الإنبوكس» وكأنه ساحة لاستعراض ذكورة يساهم الفايسبوك لسوء حظهم في القضاء عليها.
في مواقف مشابهة يطوّر الفرد أنظمة الحماية الفايسبوكية بشكل شخصي، وهذا صعب، ذلك أن صفحتي مثلاً عامة، أي أن كائناً مَن كان يستطيع أن يرى صوري ويقرأ ما أكتب ويعلّق. حين وُلد الفايسبوك العام 2004 لم يكن لديه أي كتاب إرشادات تقريباً للحماية الشخصية. مارك زوغربيرغ ربما لم يكن واعياً للأذى الذي يمكن أن يسبّبه مستخدم لاحق لهذا الابتكار. تقنيات الحماية بدأت بالتطور مع تطور الأذى والانزعاج الشخصي الذي يمكن أن يصيب الفرد من آخرين. الأذى لا يقتصر على إرسال صورة أو شتيمة جنسية أو اتهام سياسي بل هو أشمل من ذلك، إذ العنف أنواع. أتفاجأ أحياناً كيف يتحوّل الفايسبوك إلى صحراء تحتلّها البداوة في التفكير وفي السلوك. صراع بدائي. الحماية هنا ليست أن نستعمل تقنيات فيسبوكية بمنع أحدهم من ترك رسالة من دون موافقتنا فحسب، بل الأهم تطوير أخلاقية علاقات بين الفايسبوكيين. لنسمّه عقداً اجتماعياً بين المستخدمين، أو عقداً أخلاقياً. هذا ما نفتقده نحن مستخدمات ومستخدمو الفايسبوك. أخلاقية تمنع تلك الرسائل التي ذكرت ولكن أيضاً تمنع بعض المستخدمين من الشتائم والاتهامات أو «البصق الدائم» فعلاً بصق دائم حرفاً بحرف… على صفحاتهم الشخصية أو على صفحات الآخرين. يقومون بذلك في الغالب لوصف من يعترضهم سياسيّاً، يجعلك ذلك تتساءل هل انتهت لديهم مفردات اللغة لغة الحوار؟ هل يفتقدون إلى أدنى درجة من البُعد الإنساني في ثقافتهم وفي وجدانهم؟ ثم تتخيّلهم يكتبون تعليقاتهم وهم جالسون في مراحيض بيوتهم!
الصمت
نشر معلومات حول تقنيات الحماية هو بأهمية استخدام الفايسبوك نفسه. والحماية تأخذ أشكالاً جديدة، منها أن يُنشر الأذى على صفحتنا ونشير بالاسم الكامل إلى مسبّبها. أفكر هنا بما قد يصل مستخدمة الفايسبوك تحديداً من رسائل لمستخدمي الفايسبوك من الذكور على علبتها البريدية. بعض النساء يخترن الصمت، وهو بهذه الحال يشبه صمت من تتعرّض للتحرش في الشارع أو حتى الاغتصاب، ولا تريد أي تشهير اجتماعي، لأنها خَبرت أن الضحية في مجتمعاتنا تغدو في موقع الاتهام بسرعة ضوئية. أحدهم يوماً يدخل صفحتي ويكتب في بريدي كلاماً غير لائق. سرعان ما وضعتُ جملته مع اسمه على صفحتي. كان هذا عملاً لم يتوقعه. فهو اعتاد على دخول صفحات الفايسبوكيّات والتعامل معهن كما يتعامل الذكر العربي مع النساء أينما كنّ. دخل صفحتي ثانية وهدّدني، ردّة فعل تلقائية تعكس ذهوله. لم يعتَدْ أن تفضح امرأة عمله، لأن التفكير الاجتماعي السائد والاتهام الضمني للمرأة أنها تشجع الرجل على التحشّر طالما منع المرأة من الردّ. لكن الفايسبوك يحمي. لدى المرأة دليل مكتوب يبيّن ما حدث!
الفايسبوك بهذا المعنى قد يؤسس لعلاقة جندرية جديدة لم تستطع القوانين القيام بها. أين هي القوانين في عالمنا العربي على أية حال؟
قلائل هم المستعدون للنقاش من دون شعور أنه مهجوم عليهم في عقر دارهم. هناك نوع من البداوة في العلاقة مع الفايسبوك. جداري لي، ولا شأن لك بما أكتب… وإذا أردت المناقشة فيجب أن تقبل بما أقول أولاً ثم أهلاً وسهلاً بك في ساحة النقاش. لكن أي نقاش هذا؟
ربما وجبت تسمية الفايسبوك حينئذٍ «ستايتمنت بوك» Statement Book لأن ما يُكتب لا يُكتب للنقاش. هو يُكتب والسلام.
من الصعب أن يتحوّل الفايسبوك العربي إلى «هايد بارك». في الـ «هايد بارك» كانت الناس تستمع وتعارض أو توافق. في رواية حنان الشيخ الأخيرة «عذارى لندستان» تغلغل إلى الـ «هايد بارك» أو الـ «سبيكرزكورنر» إسلاميون منعوا الكلام والتعبير عن الآخرين. هم وحدهم لهم الحق بالكلام وإن عارضت إذاً فأنت عدو الإسلام. في الفايسبوك هذا أيضاً موجود بقوة، وليس من الضروري أن يكون الفايسبوكي متشدداً دينياً كي يمنع عن المختلفين الكلام. الدكتاتورية ليست فقط لدى المتدينين!
لكن للفيسبوك لحظات ظريفة ومدهشة أحياناً، وهذا ربما عائد لطبيعته إذ إنه بطبيعته لا يحتمل الكذب. لا يحتمل الكذب ولا التجميل. كذلك لا يحتمل الألقاب، فكلمة المفكّر، أو الدكتور، أو الشاعر، أو الكاتب التي تسبق الاسم تبدو وكأنها في غير موضعها على الصفحة، إلا انها تدعونا إلى الابتسام وإلى نكات لطيفة، وأحياناً أخرى إلى الضحك خاصة حين ينشر أحدهم مقالاً في جريدة واصفاً كيف أن «العالم العربي» كله يحتفل بعيد ميلاد روائية عربية، ويضيف أنها أثّرت على الثقافة العربية وغيّرتها! لكن لا يُظهر المقال أي اتجاه أخذ هذا التغيير! حينها نضحك ونبكي على ثقافتنا، في آن معاً، ونشعر أننا لا نرى على الشاشة أمامنا سوى ألياف زجاجية تطوف على وجه العالم الافتراضي، وعلى وجه هذا الخراب ولا تغيّر شيئاً.
_______
*السفير

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *