الرئيسية / مقالات / المَـرأة و”التـأويـل” السّائــد

المَـرأة و”التـأويـل” السّائــد


*سعيدة تاقي

( ثقافات )

لعـله من الطبـيعي القـول في البـدء إن ما عاشـته المـرأة في العـالـم العـربي الإسـلامي و تعيـشه من تضيـيق و تمـيـيز و ظـلم و طغــيان و استغلال و انتهاك و استباحة و تقتيل، عاشته المرأة في المجتمعات المتقـدمة إبان القـرون المظلمة بطرق أخرى، و مازالت تعيشه في كل العالم المتخلّف بمستويات مختلفة. قد لا تكون المقارنة أو القـياس مع وجود الفـارق الشاسع مسعِـفَين، لكن التـاريخ الإنساني واحد و أخطاؤه و عِبره واحدة..
المرأة كانت دوماً الحلقة الأضعف في حلقات الاستبداد البشري، حتى ذلك الذي مورس باسم الفقه أو باسم الكنيسة. فمثلما كان عليها أن ترضخ لكل سلطة تصادر كل حقوقها باسم المـقـدَّسات، كان عليها أن تستسلم أمام سـطوة التفسير البشري للنص الإلهي، بل و عليها أن تؤمن كامل الإيمان بـتأويل قاصر و فج للآيات القرآنية و بتعسُّف بيِّن في الموضوع من الأحاديث النبوية. إنها مطالَـبة بأن تلزم الصمت و أن تتصالح مع كل اعتداء تتعرّض له إنسانيتها، لأن الفقهاء ـ أو مثلما هم في الكهنوت “رجال الدين” الذين يمـتلكون “التفويض الإلهي” للحديث باسم رب الكون ـ يمتلـكون في جعبتهم استدلالات يمكنها تحريم كل مـباح و إبـاحة كل محرم، و يمكنها كذلك النظر إلى المستحب أو المكروه من زوايا أخرى متعارضة.
إن الأصلَ في عـرف من يمـتـلـكون “التـفـويـض الإلهي” “رجـلٌ” معـصوم من الخطأ. و لهم في الفتاوى و الاستدلالات التي يصرِّفونها وفق ما يشتهون أداةٌ مشهورة تقضي بأن “المرأة” إنسان غير كامل الإنسانية أو الأهـلية أو القـدرة أو العقل أو الدين. فهـم يطالـبونها بمـوجب تلك الفـتـاوى و الاستدلالات بـأن تخرس صوت العقل و أن تقبع تحت سلطة الرجل و وصايته طلباً لرضاه، و أن تلبي احتياجاته و تستجيب لما يحبه منها، دون أن تكـون لها ـ في عـرف الفـقه الذي وضعـوه ـ احتـياجاتٌ تنفـرد بها، على الرجل أن يلبيها، و مواطنُ تحبِّها فيه عليه أن يستجيب لها. لذلك كان عليها أن تخصِّب الحياة و أن تقـوِّي الـنسل لـبناء الأجـيال و الشـعـوب و الأمـم. و كان مطـلـوبا منها من جهة ثانية أن تلزم التـسامي و أن تلجـم جسدها و تمنحه لمالكه الشرعي كي يستمتع به بأن تمكِّن زوجها أو “مالكها” من كل حقوقه على جـسـدها الذي يمتـلكه متى شـاء و كيـف ما شـاء بمـوجـب “السـلـطـة الديـنـية” و “القـوامـة” و “الحـرث الحـلال”، و خـشــية “النـشـوز” و “اللـعـان” و “الضرب غير المبرّح” و “التعدُّد” أو خشية البيع من جديد في سوق النخاسة…
و كانت مسؤولياتها في هذا الجانب (و مازالت في أوطاننا إلا من رحمهن الله) مضاعــفة؛ فهي تحاسَب على ما يخــصها، و تحاسب كذلك على ما يخــص الرجل الذي له أن ينفرد بالقــيادة و القوامة و العصمة، و أن ينعَم بامتيازاتها.
إن عملية تنشئتها تتم وفق موقف مختل و مريض يجمع في تعامله معها بين متعارضات في منظور واحد، فهي الإنسان الناقص و الأنثى العورة و الجـسد المشتهى الفاتن والأمومة المعطاء التي لا تكل و لا تمل و لا تــتوانى عن العطاء استجابة لأدوار قد حـدِّدت لوجودها في الحـيـاة، و مُرِّرت إليها عبر ضوابط التربـية التي كانت تميِّـز منذ الطـفـولـة بينها و بين شقـيقـها أو قريـبها على مسـتـوى التـعـامـل و التـنـشـئة و التـدجـيـن و الإكـراه… و كانـت (و مازالـت) كل الأوامـر و النواهي تمضي في اتجاه واحد تشحن به الفتاة أو الطفلة قبل أن تدرك معنى الأنوثة. فعليها هي الأنثى أن تلزَم العفة و الحشمة و الاستجابة لكل قـيود الأعراف المجتمعية مهما كانت قاسـية أو متغـطرسة، و عليها كذلك أن تتحمل وحدها مسؤولية انحراف الذكر و ضلاله و إطلاقه لصوت شهوته و نهمه الجنسي دون أي رادع أخلاقي أو اجتماعي أو ثقافي أو ديني، بـتكميم جسدها و تغليفه حرصا على تسامي “الذكر” المصطَـنع. و عليها بمفردها لاحقا عند اتهامها ـ حتى دون إثبات شرعي يستوفي شروط الإقرار البيِّن المؤكد أو شهادة أربعة شهود عدول بواقعة المِرود في المكحلة والرشا في البئرـ و الحدود شرعاً تُدرأ بالشبهات.. عليها بمفردها أن تتحمل العقاب قتلاً في قضايا الشرف بعيدا عن بنود القانون و مراسيم حقوق الإنسان الدولية، أو جلداً حتى الموت على عيون الأشهاد، دون أن يلحق أيُّ إيذاء شريكَها الجنسي في واقعة الاغتصاب/الزنى المُفترض دون إثبات شرعي.
هذا الواقع البـشع الذي يخـتصر المـرأة في وعـاء للتـخصيـب و الحـمل، أو سـرير للمـتعة و للهجران، أو جسد للاشـتهاء و التكـمـيم، أو تـابـع للخـدمـة و للضـرب قد يُـسـبى و يـباع في سـوق النـخـاسة مثلما يُستـثمر في زواج المـتعـة و غيره، مثْـبتٌ في سـجـلات المـحاكم و توثـيـقات الحقوقيين و هـيـئات المجتمع المدني، فحين يستقوي الاستبداد الاجتماعي و الجمعي بسلطة تأويـل الديـن و تفسيره يغدو الأمر صعب التغيير، رغم التوقيع السياسي للدول العربية و الإسلامية على البيان العالمي لحقوق الإنسان و التزامها بحماية بنوده.
لا يرتبط الأمر فحسب بنظرة فئة متطرَّفة في كل شيء إلى المرأة في المجتمعات العربية الإسلامية، اتخذت تلك الفئة من “فـقـه” اصطنعـته على مقاسِها قـوتَها و اسـتـبدادَها في كل الأزمنة، و إنما يرتبط بنظرة الذات “الجمعية” العـربية الإسلامية إلى المـرأة و إلى هويتها وإلى حقها في الحياة بعدالة و كرامة. و هي نظرة “جمعية” يحملها المجتمع بأكمله للمــرأة منذ قرون ساد فيها ذلك “الفقه” و بحثَ لنفسه عن أسباب الخلود بعيدا عن الفكر أو الوعي أو أسباب التغيير.. فالثــقافة “الذكـورية” التي استبـدت بتـفـسير الـدين من منطـلقـاتها القاصرة، و استبدت بإضفاء طابع التـقـديس على نـص التفـسـير البـشري قطعت أشواطا في المغالاة و التشدّد في صلتها بالمرأة. و تعيد تلك الثقافة إنتاج ذاتها “المعصومة من الخطأ” في التربية و التعليم و التنشئة الاجتماعية. و تتحمل المرأة عزلاء من كل حـماية شرعية أو قانونية أو أخلاقية أو اجتماعية أو فكـرية توابع ذلـك التفسير و نوازغه، فالجهـود الفـكرية و القانونية التي تبذل ما زالت غير قادرة على استيعاب كل فئات المجتمع و على التغلغل عميقاً في ثوابته. و قد تحمل المرأة صنيعة “المجــتمع الذكـوري المتـشدد” بـدورها، نـفـس النـظـرة الـدونية لـذاتها في كثير من الأحـيـان و تشارك في ترسيخها، عن جهل مركَّب أساسه تقديس التفسير البشري للدين، و تمرِّرها بدورها دون وعي أو إدراك عبر التربية للجيل اللاحق.
لا يختلف الأمر عما كانت تـمـارسه السـطـوة الـذكـوريـة بـرعايـة سـلـطـات الكـنـيـسـة و “التفويض الإلهي” في مجتمعات الكهنوت في حق المرأة. فقد احتاج الوضع إلى أكثر من ثورة تحريـرية لإعـادة النـظـر إلى الـمـساواة بين المـرأة و الـرجل من منـطلـقات العـدالـة و التكامل، و لم يفضِ ذلك إلى تجاوز إرث الماضي كلياً. لأجل ذلك منذ بدء التعامل مع مفهوم “التمكين” (Empowerment) في أفق الدراسات الإنسانية و الثقافية لفائدة الفئات التي تم تاريخيا اقصاؤها و تهميشها، برزت إلى السطح رؤى و تصورات مدهشة أنثتِ العالَم و سعت إلى أن تعيد إليه معايير التوازن المنشود. لكن في أوطـاننا الأمر ما زال صرخةً في واد، لا تلقى الأصداء المرجوة منها لأسباب اجتماعية بالدرجة الأولى، أساسها تسيـيد تأويل واحد للنص الديني. و هو تأويل قاصرٌ مغرِق في الظاهر و الالتصاق بالحرفية، ملتزِمٌ بأنساق لا علاقة لها بالدين قد تم التشكيك في صلاحها. لأن ذلك التأويل البشري قد أملـته سياقات سيـاسية و فكرية معيّنة في تواريخ و جغرافيات ندرك تفاصيلها، لكنه لا يملك حـق التـقـديس و لا يُـقـنع بصوابه أو بحسن اجتهاده في ضوء مـفاهـيم “إعمال العـقـل” و “درء السيئة بالحسنة” و “تحريــم قـتل النــفس” و “العـدل” و “الـحـق” و “العفو” و “المودة” و “الرحمة” و “التعاون” و “الجمال”… غير أن ذلك الاجتهاد البشري سائد بـقـوة العُـرف و العـادة النافـذين، تبلغ قوتهـما في مـداها التـقـديـس و في سـطوتها الـقـتـل. و للأسف لا يرى ذلك السائد من التأويل البشري للتنزيل الإلهي، في المرأة سوى التـابع النّـاقص و العـورة الفـاتنة و الخادم المُلبِّي لاحتياجات الرجل.
و للمرارة غدا وضع انحسار فـعـل الاجتهاد و انحصار آفاق التأويل القاصر للوحي الإلهي ـ بفعل التـقـادم التاريخي و البـؤس الحالي و سـيـاسات التجـهيل و الإلـهاء التي تنهـجها الـدول و مؤسساتها و أجهزتها الاستخباراتية ـ في بعض المناطق و الأقطار المنكوبة بأوهام “الجهاد المقدَّس” بمثابة “تفويض إلهي”، يمتلك بموجبه ذلك “الحيوان العاقل” فاقدُ البصيرة و البصر الذي يرى نفسه خليفة للإله على الأرض، “إلـهاً” ظالما يمتلـك بالطغـيان الأجـساد و يمثِّـل بها و يسفـك الدماء و يستـبيح الحـرمات و يقبض الأرواح و يحرق الأخضر و اليابس و يحطم التاريخ و الحضارة…
___________
*كاتبة من المغرب/ نشر بالقدس العربي

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *