الرئيسية / قراءات / «نقد التراث» في زمن التحوّلات الكبرى

«نقد التراث» في زمن التحوّلات الكبرى


*كرم الحلو

يبقى سؤال التراث من أكثر أسئلة الفكر العربي المعاصر تداولاً وحضوراً في الإنتاج النظري وفي الحياة السياسية، كونه يُمثّل سؤال «الأنا» العربية الإسلامية، الباحثة لنفسها عن منطقة توازن في محيط كوني متغير ومضطرب وحافل بالتحولات السياسية والثقافية والقيمية العاصفة.

ازدهر هذا السؤال في سبعينات القرن الماضي، في بيئة المثقفين المنتسبين الى تيارات الحداثة، من أمثال محمد أركون ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي وطيب تيزيني وحسين مروة ومحمد المصباحي وسواهم. ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة، فحرب عام 1967 أعادت الى الواجهة الأسئلة النهضوية المعلّقة، وفي مقدّمها سؤال التراث، إذ إن الحداثة الفكرية استدعت إعادة مراجعة ونقد الموروث الثقافي في الوعي وفي الذهنية العامة، في ضوء معرفي ومنهجي جديد، كان قد أخذ في التبلور منذ ستينات القرن العشرين. ولم يكن تفصيلاً الإقبال الشديد على النص التراثي من القراء والأكاديميين على السواء، فالتراث يمارس سلطاناً حقيقياً على الأفكار والمؤسسات والأفراد، زادت مساحته في المجتمع والوعي في العقود الأخيرة، نتيجة إخفاق الثورات العربية المعاصرة في الإجابة عن الأسئلة النهضوية المعلقة.
على هذه الخلفية الإشكالية، يتصدى عبد الإله بلقزيز في «نقد التراث» (مركز دراسات الوحدة العربية) لنقد التراث، باعتباره نقداً مزدوجاً للمعرفة التراثية والنظرة الى التراث، فالعمليتان في رأي المؤلف مترابطتان بل متداخلتان. أما البحث العلمي في التراث، فيبدأ من القطع المعرفي مع ثلاث نزعات مؤذية لموضوع شديد الأذى: النزعة التبجيلية للتراث، وهي السائدة في أواسط التراثويين، المتمسّكين بفرضية جاهزية التراث لتقديم أجوبة لمشكلات العصر، والنزعة الاحتقارية للتراث المتمسكة بفرضية أن المستقبل يبدأ من القطيعة مع الماضي، ثم النزعة الاستثمارية للتراث، المتمسّكة بفرضية أن التراث جبهة صراع ثقافي أيديولوجي، ومادة للاستغلال لمصلحة هذا الموقع أو ذاك.
في ضوء هذه الفرضيات، يرسم بلقزيز خريطة معرفية للمناهج المستخدمة في دراسة الموروث الثقافي في الفكر العربي المعاصر، وأولها المنهج التاريخي، ويعتمد عرض المعطيات الثقافية التراثية. وقد أخذ به فرح أنطون وجرجي زيدان وطه حسين وأحمد أمين وعبد الرحمن بدوي وفهمي جدعان وسواهم. وثانيها، المنهج التاريخي الفيلولوجي، ويعتمد الفحص التاريخي اللغوي للنص، والتنقيب في مصادر المفاهيم والأفكار التي تؤسسه. وقد استعاده بدرجات متفاوتة، عبد الرحمن بدوي ومحمد عابد الجابري. وثالث هذه المناهج، المنهج المادي التاريخي الذي يقرأ الأفكار والنصوص، بما هي مجرد تعبير عن أيديولوجية طبقة اجتماعية، وتوسّل هذا المنهج كلّ من طيب تيزيني وحسين مروة ومهدي عامل. ورابعها، المنهج الفينومينولوجي الذي يعتمد أطروحات هوسرل، والذي حاول حسن حنفي تطبيقه في دراسة تاريخ الفكر الإسلامي. وخامسها، منهج التحليل الأبستمولوجي المرتكز على تحليل المفاهيم الحاكمة للتفكير وإنتاج المعرفة داخل ثقافة ما، ويرتبط استخدامه بمحمد عابد الجابري في كتابه «نقد العقل العربي» في جزأيه الأولين. وسادسها، منهج التحليلي – النقدي الذي يعتمد تفكيك المنظومات الأبستمية للمعرفة، وهو الذي استخدمه محمد أركون في تحليله العقل الإسلامي، وفي قراءته النص القرآني. وسابعها، المنهج التأويلي على نحو ما فعل نصر حامد أبو زيد في قراءات متعددة للنص الديني، ويفترض أن للمعنى شروطاً تتغير بتغير نوع الخطاب وظروف التلقي. وثامنها، المنهج التاريخي النقدي، ويشدّد في قراءة الموروث على تاريخيته المعرفية وعدم الخلط بين أزمنة المعرفة، وتميّز باستخدامه باحثون مثل علي أومليل وناصيف نصار وعبدالمجيد الشرفي.
ويدعو المؤلف الى استبعاد النظرة العقائدية الواحدية الى المنهج لمصلحة نظرة تعددية تكاملية، ومقاربة الموضوع من زوايا مختلفة وباعمال مناهج مختلفة. وقد تناول تأسيساً على هذه النظرة، نصوصاً مؤسسة في الفكر العربي الحديث المعاصر من منحى عقلاني نقدي، من فرح أنطون في كتابه «ابن رشد وفلسفته»، وقد رأى فيه لحظة تأريخية للفكر العربي الكلاسيكي، الى جرجي زيدان في نصه التاريخي البديع «تاريخ التمدن الإسلامي» الذي دشّن التأريخ الشامل للفكر والثقافة فاتحاً أفقاً معرفياً جديداً، الى أحمد أمين في ثلاثيته الموسوعية «فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام»، والتي تعتبر أوسع تاريخ ثقافي شامل في الفكر العربي الحديث والمعاصر. لقد رأى هؤلاء وظيفة معرفية بالغة الأهمية في تكوين حقل الدراسات التراثية في الفكر العربي المعاصر، شجّعت باحثين جامعيين على التخصّص في هذا المجال والتأليف فيه، وصولاً الى أكبر مشروعين نقديين عند محمد عابد الجابري ومحمد أركون، وقد تناولهما المؤلف بالنقد العلمي والمساءلة المعرفية التي تضع اليقينيات موضع مراجعة، مدوناً ملاحظات نقدية على مشروع «نقد العقل العربي» للجابري، وعلى المشروع العلمي الدراسي لمحمد أركون، من دون أن يعني ذلك انتقاصاً من مكانة الباحثين الفكرية وقيمة المساهمات العلمية التي قدّمتها للفكر العربي دراستهما النقدية المتقدمة.
أخذ بلقزيز على الجابري إسقاطه المفاهيم الحديثة على النص التراثي بمقدار ينوء النص ذاك بحمله. من ذلك أطروحته في القطيعة الأبستمولوجية بين الفلسفة المشرقية وفلسفة الغرب الإسلامي، ما ألحق الكثير من الحيف بفلسفة ابن سينا من دون مبرّر مقنع. ومن ذلك، تضمين المفاهيم التي استعارها من الفكر الغربي، دلالات تخالف دلالاتها الأصل، فيما أسرف في الاستشهادات والاقتباسات الى حدود تجاوزت المطلوب في الدراسات العلمية. ومن ذلك أيضاً، تجاهله مساهمات باحثين عرب معاصرين عملوا في دراسة التراث، من أمثال عبد الرحمن بدوي وناصيف نصار. وقد سقط في نزعة الانتقاء والابتسار، فغطى علوماً عقلية وأعرض عن البحث في علوم أخرى إعراضاً تاماً.
______
*الحياة

شاهد أيضاً

“كوابيس الرجل الفراشة” لرشيد اغبارية.. مجموعة قصصية ذات رؤية نقدية لا تجامل أحدًا

( ثقافات )   “كوابيس الرجل الفراشة” لرشيد اغبارية.. مجموعة قصصية ذات رؤية نقدية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *