الرئيسية / مقالات / عن ” الملُول ” و ” غزالته ” الشاردة

عن ” الملُول ” و ” غزالته ” الشاردة


*جهاد الرنتيسي

( ثقافات )

لم يكن مشهدا مالوفا ، لطفل جاء من اطراف الصحراء ، يبحث عن بعض بدايات الحكاية ، او ما تبقى من اطرافها ، استقرت في البال ، غابة الزيتون ، على كتف المكان ، غزالة شاردة اشار اليها احد الاقرباء لاراها ، ذيل طائرة استقرت في مطار اللد ، تحت سماء صافية ، تتوسطها شمس الصباح .
كأنه يعرفني على قريب يلتقيه بعد غياب ، يشير أبي بسبابته الى اشجار زيتون ، تشابهت بين سلاسل حجارة ، يسمونها سناسل ، اخرجتني عبارته “هذا رزقنا” من دهشتي بالمكان بضعة دقائق ، القي نظرة عابرة الى مدى اشارته ، لا يوجد ما يميز “رزقنا” عن “رزق” غيرنا من اهالي البلدة ، اتلفت يمينا وشمالا ، بحثا عن الغزالة التي اختفت ، قبل ان تستقر عيني على الطائرة .
تتغير نبرته بين لحظة واخرى ، كمن يعري تداخلات ظلال دواخله ، تشوب صوته بحة يأس ، ويرد ” الرزق لاصحابه ” حين يلتقط احدهم حجرا ، يعيده الى ” السنسلة ” قائلا ” سنسلتكم مهدودة ” لادرك بالفطرة انها مغالبة ” النوستالجيا ” والاستسلام لندم ، على غلطة الرحيل .
بقي ” الملول ” شاهدا على تلك الزيارة ، وفيا لصحبة لم تدم طويلا ، يرافقني بين حين واخر ، يطيل الغياب ليحتفظ بهيبته على اطراف رنتيس ، لا اتحين فرصة استعادته ، يطل دونما استئذان ، اصفه بعناية لمن حولي ، غابة الزيتون على كتفه ، الغزالة و الطائرة التي استقرت في الجانب الاخر ، كمن يعيد رسم لوحة تشكيلية ، رآها في الحلم .
تصحح امي الصورة بعفوية الفلاحة ، تذكرني بان في الجانب الذي اصفه بالاخر ، حقول قمح فقدها جداي ، واعي بعد سنوات على رحيلها ، بانها كانت تريد القول , ان الاخر هو الذي خرج من الاسطورة ، ليصير واقعا ، يزاحم المكان على صورته .
صار ” الملول ” فاصلة ، بين نكبة توهمت عزل المكان عن ناسه ، ونكسة ارتدادية ، اقرب الى توابع الزلازل ، العاجزة رغم جبروتها ، عن حرمان الارض ، من روح قلقة ، تتملك اصحابها اينما حلوا .
استدعته يوما صورة الوطن الحلم ، في خيالات ” فتحاوية ساذجة ” تعاملنا معها باستخفاف ، رغم قلة وعينا ، لم ينتبه اصحاب تهويمات ذلك الزمن ، ان البيارات لا تعنينا ، لاننا لا نعرفها ، واننا جئنا لحمل البنادق بحثا ، عن تعويض جرح استقر في غور الكرامة ، وان الثورة قدر المحرومين من الارض ، حتى لو كانت جرداء بلا ثمر وماء .
يمر طيفه مع قصيدة او رواية ، اسهب كاتبها في وصف الريف ، لاجد “ملول” في امريكا اللاتينية ونحن نعيش قهر اهلها ، آخر في اوروبا التي تشارك ” رنتيس ” مناخات البحر المتوسط ، اوشمال افريقيا حين تتمايل اغصان زيتونه ، بلهفة الباحث عن سلام ، لروح يراودها الرحيل ، في مراكب الموت.
يحدد ذلك المشهد شرط وميضه في الذاكرة ، لحظة تأمل لا يشغلني فيها عنه شاغل ، تشدني الى حبكة فيلم رومانسي ، تماهى بطله مع الحنين ليصير جزء منه ، وصار اللقاء قطرة مطر على شقوق الجفاف .
بين حين واخر ، تمثلت الحالة الشعورية ، لفلاح اقتلعت جذوره ، تخيلتني في بعض الاحيان ابني بيتا على كتف الملول ، بين اشجار الزيتون ـ التي يختصرها الفلاحون بـ ” بالزيتون ” ولا اجد تفسيرا للاستغناء عن كلمة شجرة ـ ادعو اليه الاصدقاء ، كما يفعل مثقفون زرت بيوتهم الريفية ، ربما تمر الغزالة ، دون موعد ، ذات يوم .
يتندر اصدقاء على العوالم المتخيلة ، يجدون في ” الملول ” اسما مغرقا بفلاحيته ، ويستهوي سردي للحكاية ، اصدقاء ادمنوا البحث عن اوطان في الخيال ، بعد غياب معنى الوطن ، في بلاد ادمنت الشتات .
لم اكن بعيدا عنه ، خلال زيارة لاحقة لرام الله ، لكنه ابى الا ان يغيب عن الذهن ، استفزني سؤال احدهم ، وهو يقود سيارته من اللبن الغربي الى رنتيس ليلا ، عن ما تعنيه لي بلاد لم اعش فيها ، اجبته بشكل ” اوتوماتيكي ” يصلح للتعبير عن اي شئ ، غير المشاعر ، كأنني ارد تهمة بجريمة لم ارتكبها ، ادركت بعد دقائق انني لم اقل الحقيقة ، احتجت زمنا اطول ، لاكتشف ان توحش جمال ومضة الملول ، لا يهادن مدنا لقيطة ، ضاقت ببؤس سكانها ، وفقدت ملامحها . 
في الطريق من رام الله الى رنتيس قبل الغسق ، سلسلة من التلال ، تحمل العشب على اكتافها ، التفت اليها من نافذة ” التاكسي ” لتسرح الذاكرة الى الجانب الاخر من المتوسط ، تغيب ومضة الملول عن الذهن مرة اخرى ، كانما تعاند قتامة الصورة ، التي جئت بها من المدينة ، ابقي ابواب الذاكرة مشرعة لها ، ولا افكر في استدعائها .
خبر على ” الفيسبوك ” بمصادرته لاسباب امنية ، كان كافيا لمرور ” الملول ” امامي شريطا سينمائيا ، بعد ثلاثة عقود ونيف ، على ذلك اللقاء اليتيم ، غاب عني معنى تسميته ، طوال سنوات مضت ، ظننت اسمه يوما من مخلفات غزاة ، مروا على القرية وتركوا فيها اثارهم ، اكتشف ونحن نتعارف من جديد ، كعاشقين غدرهما الزمن ، انه منسوب لشجرة ، تنمو في المناطق شبه الجافة ، لتحافظ على التنوع الحيوي ، يجر الاكتشاف سلسلة من الاكتشافات ، هو تعددي بفطرته اذن ، يستعصي على اسقاطات الايديولوجيا والاديان ، و قادر على الحياة في اصعب الظروف … 

شاهد أيضاً

الكتابة… حدود الوصاية

د. رامي أبوشهاب  لطالما شكلت الكتابة عنصراً مُقلقاً للآخر، ولاسيما القوى المحافظة بمظهريها المؤسساتي أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *