الرئيسية / مقالات / يا.. ” مولانا “

يا.. ” مولانا “


إنصاف قلعجي *

(ثقافات)



    ” مولانا ” عنوان رواية الصحافي والكاتب الساخر المصري إبراهيم عيسى، وقد صدرت عام 2012 ، بلغة سلسة تجمع بين العامية المصرية واللغة التراثية وموضوعات ذات صلة بالقرآن والفقة والحديث والتفسير، وموضوعاتها تناولت المعتزلة والتشيع وأهل الذمة والإرهاب وظاهرة بعض شيوخ الفضائيات، ومنهم بطل الرواية الشيخ حاتم الشناوي الملقب ب “مولانا ” في الرواية الذي هو شيخ عصري يخفي في قلبه حبه للمعتزلة ولكنه يراعي الظروف الاجتماعية والدينية والسياسية في مصر. ويكشف الكاتب إبراهيم عيسى علاقة بعض شيوخ الفضائيات بأجهزة السلطة ورجال الأعمال، ويبين كيف يسيء بعض رجال الدين إلى الدين نفسه.
يقول إبراهيم عيسى: ” بدأت كتابة هذه الرواية عام 2009 وأنا أعارض الرئيس السابق، وأثناء محاكماتي، ثم فصلي من الدستور(الصحيفة التي كان يرأس تحريرها) ، ثم منعي من الكتابة حتى قامت الثورة، ومرورنا بالمرحلة الانتقالية. ثم استمررت في الكتابة حتى مارس الماضي2012. إنها من أعز الروايات إلى قلبي”.
“مولانا” رواية فكرية تخلخل كثيرا من المفاهيم الدينية الخاطئة التي يفسرها بعض الشيوخ حسب أهوائهم، فهم لا يقدمون الإسلام الحقيقي، وإنما يعرضونه حسب أهواء السلطة وتوجيهاتها، وإذا ما حاول أحدهم أن يفسر آية مثلا كما تُفهم من القرآن الكريم، فإنه يمنع من الظهور على الشاشة الفضائية، وتلصق به تهم كثيرة.
“مولانا” رواية ممتعة جدا ومثيرة للكثير من التساؤلات وعلاقة الدين بالسلطة، وبطلها الشيخ حاتم الشناوي، الشخصية الطريفة المحببة. ورغم ثقافته الدينية الواسعة، إلا أنه لا يقدم إلا القليل من هذه الثقافة للمشاهدين، بل برنامجه أشبه ب” ما يريده المشاهدون”، أي يقدم لهم “ظاهر الدين” وليس عمقه. يقول الكاتب موسى إبراهيم أبو رياش: “… فالإنسان العادي لا يحب أن يسمع إلا ما يدغدغ مشاعره، ويمسح دموعه، ويربت على أكتافه. لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن خداع النفس، والنأي عن أي مسؤولية أو تبعات ترهقه أو تتعبه”، ويضيف: “ومن هنا، كان الشيخ حاتم موزعا بين علم سطحي مكرور لا يخرج عن المألوف، وبين علم يرهقه ويعذبه، ولا يبوح به إلا في الجلسات الخاصة تجنبا لمعارك وصراعات من كل الجهات وأولها مع الشيوخ التقليديين..”. 
حاتم الشناوي كان في كثير من الأحيان يشعر بالاختناق.. فقد دعي من قبل نجل رئيس الجمهورية وزوجته، طالبين مساعدته في شأن شقيق زوجة نجل الرئيس، حسن، الذي بدأ بالتحول نحو الديانة المسيحية، فكانت مهمة الشيخ الشناوي أن يعيد حسن إلى صوابه.. وكانت تلك من أصعب المهمات في حياته، ليكتشف في النهاية بأن الشاب قد جندته جماعة إرهابية متطرفة ليقوم بتفجير كنيسة…” ثقيلة هي تلك الصخور التي راكمت كل هذه السنوات فوق قلبه، حمولة القلق التي لا تريد أن تخفف وزنها، نخر سوس التوتر هو الذي يشعره في عظام قفص صدره كلما ترك لنفسه قليلا، أكثر ما كان يوجعه أنه لا يستطيع هكذا ببساطة أن يبوح، هذه الممرات البيضاء ذات الأسقف العالية التي شهدت ذيوع شهرته وبزوغ نجمه تحولت إلى جدران تحبس روحه في تلك الصورة التي صدّرتها للناس شاشة التلفزيون..”.
وربما من أطرف الموضوعات التي تتناولها الرواية في حوارية ممتعة، موضوع” المعتزلة”، واعتمادهم على العقل في تفسير الكثير من الظواهر، ومن هنا فقد تعرض المعتزلة للتكفير وأخرجهم البعض من الإسلام.
الشيخ حاتم الشناوي، ورغم محاولة القائمين على البرنامج التلفزيوني، وضعه في قوالب الشيوخ التقليديين، إلا أنه كما يقول الكاتب رشيد العناني شخصية إنسانية محببة، يجمع بين الجد والهزل، وينطوي على كثير من”الفهلوة” المصرية التقليدية، وهو عالم فقيه في أمور الدين، ولكنه أيضا عملي، يعرف ما يقال وما لا يقال، ما يصلح للفضائية الدينية وما لا يصلح، ما يجوز قوله لجمهور مقولب شبه مغسول المخ، صار يتوقع ما يسمع ولا يريد أن يسمع غيره، ويعرف أيضا ما يريد من يدفعون أجره الباهظ أن يقوله، وما لا يقبلون أن يقوله. يعرف ما يجوز الإفتاء به وما لا يجوز. يعرف ما تريده أجهزة الأمن وولاة الأمر في السلطة السياسية. وأهم من هذا كله أنه يعرف من أمور الدين ما يعينه على تلبية كل هذه التوقعات بدون أن يمسك عليه أحد خطأ ما، فالدعوة الفضائية مثلها مثل حبل مشدود كحبال السيرك من فقد توازنه فوقه سقط بدون أن تتلقاه شبكة أمان.
أنور عثمان هو المذيع الذي يستضيف الشيخ حاتم الشناوي، يسأله: تفتكر ما هو إحساس المصلين وراءك والمريدين لك وطالبي فتاواك لما يشوفوا مولانا وشيخنا يضع ماكياجا قبل التصوير؟ فرد بحسم منبسط: ما النبي صلى الله عليه وسلم يا خويا كان بيحنّي شعره وبيكحّل عينيه. النبي تتلهى يا أنور من أسئلتك الرخمة دي.
رواية مثيرة وجميلة تستحق القراءة.

* قاصة من الأردن
( المجد )

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *