الرئيسية / فنون / محمد القباني مصاباً بالحياة

محمد القباني مصاباً بالحياة



*بسمة النسور
في لحظةٍ مضيئة، باهرة، شديدة الخصوصية والجمال، سوف يتذكرها جمهور المسرح، وتنطبع في وجدانه زمناً طويلاً، كونها درس مباشر، شديد البلاغة والوضوح، في كيفية عشق الحياة والتشبث في ما تجود به أيامها من فرح وحب، والتصدي لقسوتها، مهما أبدت من أسباب تمنع واستعصاء وجحود، والاحتفال بالقدرة على تجاوز السواد الذي يشوش بعض مفاصلها، والانتصار على منغصاتها الكامنة في مفاجآتها غير السارة في أغلب الأحيان.
كان مشهداً حياً وصاخباً وموجعاً ومفرحاً وحارّاً، ومؤثراً بكل المقاييس، يبعث على القشعريرة في أوصال الروح، ويبث بها شحنة كبرى من الأمل والتوق واليقين، حين حمل الفنان الأردني الكبير، محمد القباني، على أكتاف محبيه الكثر من زملائه الفنانين، في حين اشتعلت أكف الحاضرين الذين اكتظّت بهم جنبات مسرح المركز الثقافي الملكي في العاصمة عمّان، تصفيقاً لهذا المبدع الاستثنائي الفارس الشجاع الذي تحدّى حقيقة ضعف ووهن جسده، المشرع على جرعات الكيماوي، شديدة المرارة، مع الإقرار، مستسلمين حانقين بضرورتها، حبل نجاة وحيد وحتمي، واعتبارها بارقة أمل، في مواجهة هذا الداء، بالغ الخبث والدهاء الذي يتسلل بخفة لصٍّ بارع، ويضعنا في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الغضب والحزن والخوف الكفيل بتكبيل طاقات الروح، والحدّ من قدرتها على التحليق والإبداع، والمضي قدماً في درب الإنجاز. قام بدور رئيسي أبدع فيه، وتألق على نحو خاص، كعهده دائماً، فأضاف، ببراعته ممثلاً قديراً، وبجاذبية ورقي ودفء حضوره الإنساني النبيل، الكثير إلى مسرحية (عصابة دليلة والزيبق)، للمخرج الأردني المبدع، حكيم حرب، في أعمال مهرجان المسرح الذي أقيم، الأسبوع المنصرم في عمان، فانتزع إعجاب الحضور، وألهب حماسهم في عرض مسرحي، غير مسبوق من حيث عدد الحضور.
يقول مخرج العمل، حكيم حرب، المعروف بمدى دقته وعصبيته، إن محمد القباني لم يتغيب عن بروفة واحدة، وكان حضوره كفيلاً ببث الطاقة الإيجابية بين طاقم العمل، “وهو الأستاذ الكبير، صاحب الفضل على فنانين كثيرين. لن أنسى كم العطاء والحرص والاكتراث والدعم الذي قدمه محمد في بدايات عملي، في حقل الفن، حين كان رئيساً لرابطة الفنانين، وهو حالة إبداعية كبيرة، له وزنه وبصمته الواضحة في المشهد الفني العربي. وإلى ذلك، ظل أنموذجاً في التواضع والمحبة واحترام الصغير قبل الكبير، ومد يد العون كلما أتيح له ذلك، فحاز محبة الجميع واحترامهم، وواصل العطاء كأي فنان عريق محترف، يدرك تقاليد العمل المسرحي ويحترمها”. وأضاف حرب “القباني تركيبة شديدة الخصوصية، من حيث الدماثة والخلق الرفيع، ولديه قدرة سحرية على تحويل أقصى درجات التوتر إلى حالة من الضحك، حين يدخل على الخط بين الأطراف المتنازعة، ويحل برشاقة، كصمام حب وحكمة واتزان، أسباب الخلاف التي تتبدد مبرراتها على الفور. لم يظهر خلال التدريب أي حالة تبرم أو ضيق، صلب، عنيد، مكابر، في مواجهة الألم. تخيلت، برهةً، أنني سوف أساهم برفع روحة المعنوية، من خلال الانهماك بالمسرحية، لأكتشف أنه يمدني بالقوة والأمل والصبر. لا يوجد في قاموس القباني مفردة غياب، بل إنه يتحدث، بشوق وتطلع إلى الغد، ويكثر الحديث عن عروض مستقبلية في القاهرة والقيروان وعواصم عربية أخرى”.
تحية حب وتقدير لروحك الشاهقة، يا محمد القباني. ولتظل، أيها الصديق الغالي، مسيجاً بحب الناس الطيبين، مصابا بالحياة والفرح، فناناً حقيقياً، وهب ذاته السخية خدمة للجمال والإبداع والكلمة الحرة والفن الأصيل.
__________
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

بوب ديلان..قصيدة إلى جواني

* خلدون الشمعة إذا صح ما يقوله الناقد الإنكليزي جون رسكن من أن “الشعر الغنائي” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *