الرئيسية / إضاءات / فصول من السيرة الذاتيّة لـ”كولن ويلسون”(5)

فصول من السيرة الذاتيّة لـ”كولن ويلسون”(5)


*ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي


القسم الخامس
الفصل الثاني
قرأت كتاب ( حرب العوالم ) للكاتب ( إج. جي. ويلز ) ثمّ مضيت في التهام كتبه الأخرى : ( آلة الزمن ) و ( الرجل اللامرئيّ ) وتبرعمت رغبتي المستقبليّة لأكون عالِماً..
عندما اكتشفت العلم وأنا في الحادية عشرة شعرتُ بفجوة نفسيّة متعاظمة بيني و بين الناس و اندفعت في الحلم بيومٍ يرتقي فيه الإنسان ليكون كالآلهة ..
عندما بلغتُ قرابة الرابعة عشرة من عمري أخبرتني والدتي بتفاصيل اللحظة التي قادت إلى حملها بي : كانت هي ووالدي الذي كان في التاسعة عشرة يومذاك يودّعان بعضهما بعد لقاءٍ خارج بوّابة الحديقة وشعرا فجأةً بدافع قويّ يدفعهما إلى الالتحام الجسديّ الكامل ،،، حصل هذا في أواخر أيلول 1930 ، وبعد شهرين كاملين من غياب دورتها الشهريّة راجعت والدتي طبيباً فاخبرها انّها حاملٌ ، وعندما أخبرت والدي بالأمر قرّر فور سماعه أن يتزوّجها في عيد الميلاد من تلك السنة . علمتُ لاحقاً أنّ ( كوني Connie ) الشقيقة الكبرى لوالدتي هي من دفعها للوقوع في حبائل والدي : كانت خالتي كوني مخطوبةً إلى رجل أرملٍ يعمل في تصنيع عدسات النظّارات Optician يدعى ( فرانك كارلايل ) ، و حصل ذات يوم أن دعت عمّتي إيثيل والدتي و أختها الكبرى كوني للمبيت في منزلها الواقع قرب دونكاستر و كان فرانك ووالدي مدعوّين أيضاً ، و كان لزاماً بسبب ضيق المكان أن تنام والدتي و أختها في سرير مزدوج واحد في إحدى غرفتي النوم و مثل هذا فعل الرجلان عندما ناما في سريرٍ مزدوجٍ في الغرفة المجاورة ، و عند منتصف الليل تسلّلت خالتي كوني بخفّة إلى الغرفة المجاورة و حشرت نفسها إلى جانب فرانك !! و عندما علم والدي بالأمر أسقط في يده و لم يكن أمامه بدٌّ من أن ينام في سرير والدتي !!! . أخبرتني والدتي – التي كان اسمها الحقيقي أنيتا و لكنّ الكلّ كان يدعوها هاتي – بكلّ هذه التفاصيل الشخصيّة و أنا لم أتجاوز العاشرة بعد ، وقد صعقني بخاصّة الحديث عن حالات الحمل من غير زواجٍ رسميّ لا لانّني كنت محتشماً ميّالاً إلى الحياء – إذ لا أظنّ أنّ طفلاً في العاشرة يمكن أن تكون له حساسيّة محدّدة و صارمة تجاه أيّ من الموضوعات الأخلاقيّة – و لكن لانّ الحمل في ذاته بدا لي آنذاك أمراً كارثيّاً متى ماحصل ، و أقسمتُ منذ ذلك الحين أنّ هذا الأمر لن يحصل مع أيّة فتاة أعرفها لاحقاً و لكنّه حصل فعلاً بعد تسع سنوات من ذلك التأريخ و اكتفيت حينها بأن رأيت في الأمر نوعاً من حتميّة لم يكن أمامي ثمّة وسيلة لتفاديها !!! . 
لم تكن والدتي تأنسُ لمسألة كونها متزوّجةً ، و فعل أبي أكثر من مجرّد عدم الاستئناس لزواجه من والدتي ، و لكنّ الإثنين حاولا ما استطاعا سبيلاً أن يحصلا على أفضل ما يمكن الحصول عليه من زواجهما و هو ذات ماكان يفعله أبناء الطبقة العاملة . أحبّ والدي احتساء البيرة ، وكان معتاداً على قضاء مساءاته في الحانة القريبة من منزلنا بينما كانت والدتي تمكث معظم الوقت في المنزل لتعتني بي و بأخي ( باري ) الذي انضمّ إلى العائلة بعدي و كانت تقضي الوقت القليل المتاح لها بعد قضاء واجباتها المنزليّة في قراءة المجلّات الرومانسيّة الحالمة . كان والدي حادّ المزاج دوماً و مستثاراً طوال الوقت بسبب ماكان يشعر به على الدوام من امتعاض إزاء اضطراره للزواج و قضاء حياته عاملاً بسيطاً في معمل أحذية وكنّا جميعاً نتطلّعُ بشغف إلى تلك الأوقات التي يغادر فيها والدي إلى الحانة مساء كلّ يوم ، و مع أنّ والدي كان عاملاً بارعاً و كدوداً و يقيم أود عائلته بكلّ نزاهة و شرف و لكنّه لطالما شعر بالحيف و المرارة ينهشان فؤاده عندما كان يتسلم أجره الأسبوعيّ البسيط ذا الجنيهات الثلاث : فقد رأى في هذا الأجر تعويضاً غير عادل عن عمله المضنيّ لثماني و أربعين ساعة في الأسبوع . 
كنتُ طفلاً ذكيّاً و جميلاً – ليس هذا ادّعاءً منّي ، فَصُوري الفوتوغرافيّة الملتقطة لي آنذاك تشي بما أقول – و لطالما اعتبِرتُ الأذكى في العائلة ، و كان ابن عمّي ( جون ) ذكيّاً أيضاً و لكن بدا لي انّ الدلال المفرط أفسده تماماً بسبب كونه الطفل الأوحد لأبويه . لم يحصل أن ضرب والدي يوماً ما والدتي رغم انّهما كانا كثيراً ما يتشاجران ، و كانت والدتي امرأة قويّة الشكيمة ووثقت بي كثيراً و أسرّت لي بالكثير من أسرارها الشخصيّة و ربّما وجدت فيّ منقذاً لها من حالة الضجر المزمنة الملازمة لحياة الكدح الرتيبة الّتي يحياها أفراد الطبقة العاملة ، و عندما كانت تكوي الملابس أو تنشرها على مجفّفة الملابس الملصقة بمنضدة غرفة الجلوس كنّا أنا و اخي باري نضطجع على السجّادة أمام موقد النار و نخاطبها “أخبرينا المزيد عنكِ عندما كنتِ طفلة صغيرة” . كانت والدتي عضواً في عائلةٍ تتالّف من سبعة أفراد عاشوا في وضعٍ أكثر فقراً بالمقارنة مع عائلتنا مع أنّ والدي لم يكن ليكسب غير ثلاث جنيهات في الأسبوع !!! ، و كانت روايات والدتي عن أوضاع عائلتها الفقيرة تبدو لي رومانتيكيّة للغاية و جعلتنا أنا و أخي نتذوّق طعم الرّضا و القناعة لكوننا وُلِدنا في كنف أبٍ يعمل بثلاثة جنيهات أسبوعيّاً !! . 
عندما أعود بذاكرتي إلى أيّام طفولتي الباكرة في حضن عائلة من الطبقة الكادحة فإنّ أكثر ما يصيبني بالصدمة هو أنّ كلّ من كنّا نعرفه كان قانعاً بحياة الكدح الشاقّة التي رأى نفسه ملقىً في أتونها و لم يكن بينهم من يحلم بالهرب من واقعه المزريّ لأنّهم باتوا مقتنعين قناعة راسخة أن ما من طريقة متاحة أمامهم للهرب ، و بدلاّ عن التفكير في وسيلةٍ للإفلات انغمسوا في شرب البيرة مساء كلّ يوم بعد انتهاء عملهم أو لعب كرة القدم بعد ظهر كلّ يوم سبت ، وعلى العكس من والدي فإنّ والدتي و عمّتي دورا كانتا قارئتين نهمتين و لطالما التهمتا كتب المكتبة العامّة في مدينتنا و كانتا تكنّان إعجاباً كبيراً بكتّابٍ على شاكلة ( دي. إج. لورنس ) و ( أي. إج. كرونين ) لانّهما تناولا في أعمالهما كثيراً مشكلة الفقر و الإحباط التي تعاني منها النساء الذكيّات من اللواتي دُفِنت مواهبهنّ في أتون حياة الكدح التي تعيشها الطبقة العاملة . ايءقتفيتُ خطى والدتي بصورة طبيعيّة للغاية و طفقت أقرأُ كثيراً و بخاصّة تلك الكتب التي أكملت والدتي قراءتها و أفادني كثيراً ملخّص الحبكة التي كانت والدتي ترفقها مع كلّ كتاب تقرأه و كم سهّلت ملخّصاتها تلك عليّ فهم و استيعاب الكتب ولاسيّما في الكتابين الرائعين ( مرتفعات وذرنج ) و ( أبناء و عشّاق ) ، و مع أنّني بدأت مشواري في القراءة بكتب الكوميكس الشائعة غير أنّني وجدت نفسي ميّالاً أكثر إلى كتب الكِبار التي كانت تُشبِعني أكثر من سواها و كنت أشعر معها بكثيرٍ من الراحة .
بدأت أمورنا الماليّة تتحسّن عندما بلغتُ قرابة الرابعة عشرة من عمري ، و أذكر أن العم فرانك كارلايل أعطاني مرّة كتاباً لأقرأه بعنوان ( أعاجيب العلم و أحجياته The Marvels and Mysteries of Science ) و منذ ذلك الحين صرت مفتوناً بعلم الفلك ، و بعد أن سمعت عن افتراضات ( بيرسيفال لوويل ) الحدسيّة القائلة أنّ الأخاديد التي تظهر على سطح المرّيخ يمكن أن تكون قنواتٍ للريّ عبر صحراء ذلك الكوكب اندفعت في قراءة كتاب ( حرب العوالم ) للكاتب ( إج. جي. ويلز ) ثمّ مضيت في التهام كتبه الأخرى مثل : ( آلة الزمن ) و ( الرجل اللامرئيّ ) ، و في خضمّ تلك الأوقات السعيدة و أنا أقرأ تلك الكتب الرائعة تبرعمت رغبتي المستقبليّة في أن أكون عالِماً . 
أهدتني والدتي عُدّةً كيميائيّة للعمل المختبريّ في عيد ميلادي الحادي عشر و كانت عدّةً رخيصة الثّمن غير انّها احتوت على دزينةٍ من المحاليل الكيميائيّة الموضوعة في أسطواناتٍ كما احتوت بضعة أنابيب اختبار فضلاً عن كتاب تعليماتٍ ، و سرعان ما وجدتُني أشرح لأخي باري كيفيّة مزج اثنين من المحاليل العديمة اللون للحصول على محلول ناصع الزرقة أو آخر برتقاليّ داكن ، و في هذه الأوقات كنت هجرتُ مدرستي الابتدائية و حصلتُ على منحة دراسيّة في مدرسة ثانويّة ، و كان من المصادفات الجميلة أن أعثر في مدرستي الثانويّة على نسخةٍ منزوعة الغلاف من كتاب ( هولميارد ) الواسع الشهرة آنذاك و المعنون ( الكيمياء الأساسيّة ) وكان الكتاب مركوناً على سطح أحد خزانات الطلبة Locker و لم يخامرني أدنى شعور بالسرقة عندما أخذت الكتاب و مضيتُ بهدوء في طريقي ، و بعد أن أكملتُ قراءة كتاب هولميارد بدأت باستعارة كتب الكيمياء المجلّدة الأنيقة و السميكة الأغلفة من المكتبة العامّة ، و حصل أنّني عندما اكتشفت العلم وأنا في سنتي الحادية عشرة بالضبط شعرتُ بفجوة نفسيّة متعاظمة بيني وبين الناس حولي و اندفعت في الحلم بيومٍ يرتقي فيه الإنسان ليكون كالآلهة كما حلم ويلز في بعض كتاباته.
______
*المدى

شاهد أيضاً

ركوّة فيلليني: حول رواية “حذاء فيلليني” للكاتب الروائي وحيد الطويلة

(ثقافات)*طلعت قديح هناك من الروائيين من لا يصح أن تقرأ لهم بطريقة تقليب الصفحات؛ حتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *