الرئيسية / مقالات / الفراغ الثقافي

الفراغ الثقافي


*سعيد يقطين

في غياب نموذج ثقافي مبني على التواصل والحوار. وفي تغييب أي تأطير ثقافي جاد يسهم في رفع الرأسمال المعرفي لدى المواطن للارتقاء به إلى مستوى الإحساس بالذات في تفاعلها مع الآخر، لا يمكن أن يتولد سوى الفراغ الثقافي لدى الفرد والجماعة.

لا يمكن أن ينجم عن هذا الفراغ، في ظل شروط اجتماعية واقتصادية وسياسية متدهورة، سوى العمى بمختلف صوره وأشكاله. إنه يترك الفرد نهبا لمشاعر التوتر واليأس التي تجعله يحس بالغربة وسوء الاعتبار. عندما يصل المرء إلى هذه الدرجة من العمى، يصبح عرضة للخضوع لأي مؤثر يملأ ناظريه بأمل متوهم في أن يكون مثل الآخرين. فلا يكون أمامه سوى أحد الخيارين: تعاطي المخدرات أو السقوط في الاكتئاب أو التفكير في الانتحار، من جهة، أو الوقوع في أوهام الهجرة السرية أو اللجوء إلى العنف ضمن عصابات إجرامية، أو الانخراط في الجماعات الإرهابية، من جهة أخرى.
إن انتشار كل الظواهر السلبية، وبقوة وعنف لدى الأوساط الشبابية، وليد هذا الفراغ الثقافي الذي لا يحول بين المرء وبين ما يمكن أن يقوم به من أفعال رهيبة تقشعر لها الأبدان: لا فرق في هذه الأفعال بين الإقدام على الانتحار بتعليق الذات على شجرة، أو اغتصاب جماعي وحشي لطفلة دون العاشرة، ثم رميها في بئر، أو ذبح إنسان من لدن جماعة دينية، كي لا أقول إسلامية، وهو ينطق بالشهادتين، ويكون بعد ذلك التمثيل بجثته.
إن السؤال الذي يمكن أن يطرح على الباحث في مختلف الاختصاصات الإنسانية والاجتماعية والثقافية هو: ما الذي يمكن أن يحول «إنسانا» عاديا في مرحلة من عمره إلى «شخصية» أخرى يمكن أن تصبح موضوعا لوسائل الإعلام أو الشبكات الاجتماعية الرقمية، أو بطلا في عمل سردي، يقوم بأعمال تشيب لهولها الولدان؟!
بالنسبة إلي لا أميز بين تناولي لهذه الشخصيات بين «الإرهابي» و»المهاجر السري» و»المنتحر» و»المجرم»، يمكن للمحلل السياسي أن يعنى بالإرهابي، وللمحلل النفسي أن يهتم بالمنتحر، وللمحلل الاجتماعي أن يتناول المجرم والمنحرف. لكن عزل تحليل هذه «الشخصيات» في هذه الاختصاصات، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى معالجة ناقصة وضيقة للموضوع: فشخصية الفارغ ثقافيا يمكن أن تتحول من ممارسة إلى أخرى بحثا دائما عن منفذ تبرر من خلاله وجودها، وموقفها الانتقامي من المجتمع والعالم. فالمهاجر يمكن أن يتحول إلى المنحرف أو إلى الإرهابي. كما أن المكتئب مؤهل للتبدل إلى مجرم خطير، فما دام الإنسان لا يولد إرهابيا، ولا مجرما، فهو يجد التربة التي تمكنه من التحول من حالة إلى أخرى. 
يدفعنا سؤال التحول المطروح إلى البحث في الأسباب الجوهرية التي تولد الفراغ الثقافي وتؤدي إلى الفعل المضاد للمجتمع. كانت وسائل الإعلام تتداول بين الفينة والأخرى أنباء عن الهجرة السرية، وعن الانتحار والاكتئاب والجريمة، وصارت الآن تتحدث كثيرا عما صار يعرف بـ «مغاربة داعش»، لقد بات هؤلاء يشكلون ظاهرة تستحق البحث والدراسة: فأعدادهم تتجاوز ألفي مقاتل في صفوف الجماعات الدينية في العراق والشام، مشكلين بذلك ثالث قوة عربية بعد تونس والسعودية. كما أصبح ناقوس الإنذار يـعـــلــن الحرب على هؤلاء وتعريضهم بعد الرجوع إلى المتابعة خشية تنفيذ أعمال إرهـــابية. وليست هذه الحرب سوى جزء من مشـــروع حرب شاملة تجيش أمريكا لها الدول العربية للانخراط فيها على اعتبار أنها تمثل خطرا على الأمن الأمريكي؟!
لقد خاضت أمريكا مع حلفائها حربها ضد القاعدة، وتابعت بن لادن حتى التصفية الجسدية. فهل انتهى الإرهاب؟! كانوا يلاحقون قاعدة، فصاروا أمام قواعد أشرس وأعتى. سينجحون في إعدام الخليفة، ولا شك أن خلفاء آخرين سينبتون ما دامت التربة مهيأة لإنتاج المزيد من الظواهر التي تنجم عن الفراغ الثقافي والفساد السياسي والاقتصادي والاحتلال الصهيوني. إن هذه الحروب العسكرية والأمنية لا يمكنها أن تؤتي أكلها ما لم تخض على مستويات أخرى تتصل بملء الفراغ الثقافي، وانتهاج استراتيجيات أخرى للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وإلا فإنها على العكس من ذلك ستدفع بالآلاف من الفارغين إلى التحول إلى شخصيات أخرى للفضاء الإعلامي والإنتاج السردي.
يتحدث الكثيرون عن «مغاربة داعش» بأنهم نتاج الدعاية الدينية، ويلصقون الاتهام بالإسلام؟! لكن الفعل أو العمل الذي يمارسونه يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنهم ظاهرة اجتماعية أكثر مما يمثلون وجهة نظر دينية. والدليل ما يرتكبونه من أعمال لا تختلف عما يأتي به المجرمون والمنحرفون من فظائع الأفعال وهم يتعرضون سبيل المارة بدون تمييز ولا إعمال لـ»العقل». ما الفرق بين تكفير المسلم المختلف وذبحه بدم بارد؟َ! وبين تقتيل شخص بريء بهدف سلبه ما في جيبه؟! ما هي هذه الأدبيات الدينية التي يستند إليها الإرهابي في ممارسته العنف؟! إنه الفراغ الثقافي والديني بجلاء، ولسنا سوى أمام رد الفعل السلبي.
إن الامتلاء الثقافي الذي يكون مدخله التعليم، والإصلاح الاجتماعي الذي يراعي مصالح المواطنين بدون تمييز يمثلان الحرب الحقيقية ضد الفراغ الذي يولد الانتقام الاجتماعي.
٭ كاتب مغربي/القدس العربي

شاهد أيضاً

الكتابة… حدود الوصاية

د. رامي أبوشهاب  لطالما شكلت الكتابة عنصراً مُقلقاً للآخر، ولاسيما القوى المحافظة بمظهريها المؤسساتي أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *