الرئيسية / قراءات / هدى بركات: تعذبتُ في السيطرة على شخصية الرجل برواياتي

هدى بركات: تعذبتُ في السيطرة على شخصية الرجل برواياتي



*رشا المالح

بدأت الروائية هدى بركات (مواليد 1952) التي تعتبر من رواد عهد أدب الحداثة، رحلتها بالتدريس والصحافة والترجمة في مسقط رأسها لبنان، لتنشر أول عمل أدبي لها عام 1985 بعنوان «زائرات»، وهو مجموعة قصصية قصيرة. وسافرت بعدها لتستقر في فرنسا، وتصدر روايتها الأولى «حجر الضحك»، ولتتبعها بأربع روايات هي؛ «أهل الهوى» و«حارث المياه» و«سيدي وحبيبي»، وروايتها الأخيرة في نهاية عام 2012 بعنوان «ملكوت هذه الأرض».

بركات من الروائيين الذين يعتنون بنوعية المضمون، والحبكة، وبناء الجملة والفقرة والحوار وأصوات الشخصيات ومصطلحاتهم الخاصة، ولذلك تقول إنها تعذبت في السيطرة على شخصية الرجل في بعض رواياتها. في أعمال هدى الروائية عوالم غير مرئية الدخول إليها أشبه بالمغامرة سواء للكاتبة أو القارئ، ويمكن اكتشاف هذه المغامرة من خلال الحوار التالي مع «بيان الكتب»:
مسافات

هل تتماهين مع شخصيات روايتك أم تتركين مسافة؟
أنا كالممثل الذي يسيطر على شخصية دوره ولا يندمح فيها، والمسافة التي يتركها هي هامش الإبداع الذي يساعده على امتلاك أدواته لتأديتها بصورة استثنائية.
متى تفرضين على نفسك التوقف عن الكتابة؟
حينما أتأثر أو أستغرق بالأحداث التي أكتبها بين البكاء أو الضحك، أتوقف. الحالة التي أكتب خلالها مزيج من البرودة والقوة يمكنني من السيطرة على الشخصيات، لأبقى سيدة الموقف.
انفصال عن النص
حدثينا عن حالتك النفسية خلال الكتابة وتفاعلك مع الشخصيات.
مهم جداً المعرفة بأن الكتابة الروائية ليست تفريغاً للانفعالات والأفكار، فجزء كبير منها مهني يحتاج إلى لياقة نفسية وبدنية عالية، فالكتابة عندي أشبه بقفزة في الفراغ. هذه القفزة تكشف لي عن مناطق داخلية خطيرة كالأفخاخ، وعليه لا بد من تسلحي بالقوة، لأذكر نفسي أني لست أنا، فلا بد للكاتب الانفصال عن نصه ليحسن السيطرة.
وعندما أتعاطف أو أتفاعل كثيراً مع إحدى الشخصيات، أقوم بإبعادها، كما حدث معي خلال كتابتي رواية «أهل الهوى»، فقد تعذبت كثيراً في السيطرة على شخصية الرجل والبطل والراوي المطلق في العمل.
كانت شخصيته ذكورية متعبة، فهو مضطرب جداً وضعيف من الداخل، لدرجة أنا نفسي فوجئت بكيفية تركيبي مثل هذه الشخصية المعقدة من الخيال بالكامل، والمختلفة عن بقية شخصيات أعمالي. وكم دهشت مما أخرجته أعماقي، وأشفقت على ما فيها من عذاب وعنف ورفض لهذا المجتمع ولقانون الجماعة، وللعالم الخارجي وللكثير غيرها.
حزن ما بعد الرواية
هل تترك الرواية التي تكتبينها أثراً في نفسك بعد إنجازها؟ وإلى أي مدى؟
بعد كل رواية وبدون ادعاء، أصبح شخصاً مختلفاً عما كنت عليه، فمع كل عمل أكتشف أشياء في داخلي لم أكن أعرفها، تشعرني بالنضج وبنقلة نوعية في إنسانيتي وفكري. ولهذا السبب توجد مسافة زمنية كبيرة نسبياً بين أعمالي، وعدم تشابه بين رواياتي إلا في بعض الملامح. يمكنني تشبيه هذه النقلة النوعية بالمرأة التي تصبح أماً.
وحشة الغربة

كيف تحتفلين بفرح إنجاز روايتك وأنت في الغربة؟
في الغربة تشعرين بالوحشة، فليس هناك من يشاركك معنى هذه الفرحة، حتى عملك يُطبع في بلد آخر، ولا تكونين أول من يمسكه بين يديه. أن أكون بعيدة عن مثل هذه «الاحتفاليات»، يجعلني شخصاً متواضعاً للغاية. ففي بلداننا كثيراً ما يدخل الكاتب في حالة الوهم من مبالغة الأصدقاء وحماسهم، سواء في المقهى أو في حفلات التوقيع التي لا أشارك فيها على الإطلاق، لكونها أصبحت كالبروتوكول، فهي تفرض على الكاتب حساسية هو بغنى عنها، نتيجة من حضر ومن غاب من الأصدقاء.
ولا ننسى أن معظم المثقفين العرب يجاملون بعضهم بعضاً، وبصفتنا ميالين إلى تصديق من يصفنا بأننا عباقرة، فإن الغرور سرعان ما يسيطر علينا، ويفقدنا خصوصية حالتنا الداخلية.
بالمقابل يعنيني ويهمني جداً تلقي نقد أعمالي والانطباعات، خاصة أني أكتب بالعربية وعن العالم العربي، كل ما هنالك أن الغربة تجعلك أكثر تواضعاً، وعندما تعتادين عليها تعرفين كيف تتفاعلين معها ومع شؤون حياتك.
ولكون أعمالي ذات عمق وقيمة فكرية وأدبية، فأنا لست كاتبة ذات شعبية، لذا فإن أية رسالة تصل إليّ من قارئ أو ناقد أو دعوة عربية للمشاركة في فعالية ما، تشعرني بالغبطة، وتعوض شعوري بوحشة الغربة.
لعبة الشهرة
هل شهرة الكاتب العربي برأيك نعمة أم نقمة؟
لعبة الشهرة حزينة، وفيها الكثير من المآسي والنجاحات، بالنسبة إليّ أراها بمنظور مختلف، فحينما أقرأ كتاباً جميلاً أحتفي به مع نفسي ومع الآخرين، لذا أفاجأ من نزعة القول «آخذة أكبر من حجمها»، وغيرها من الانتقادات الجارحة التي تعتبر جزءاً من قانون اللعبة.
وفي قانون اللعبة الإنسان كائن اجتماعي، والبعد عن الوحدة فيه الكثير من المكاسب، لكن الوحدة أيضاً تساعد على اكتشاف الإنسان مكامن قوته وضعفه وتطويرها، والتمسك بالكتابة دون شوائبها.
لغة وجذور
تعيشين في الغربة منذ عام 1989، ومصرّة على الكتابة بلغتك العربية، لماذا؟
أولا ً أنا لم أهاجر من بيروت لأن لدي مشروعاً، بل هربت من الأحداث، ووجدت عملاً اعتماداً على مؤهلاتي الأكاديمية في اللغة الفرنسية والعلوم والحضارة والثقافة.
وحتى الآن، رغم حصولي على الوسامين، واهتمام الصحافة الفرنسية وتغطياتها لأعمالي، فإني لست إلا على هامش الهامش من الثقافة الفرنسية، فأنا لست من مجموعة الفرنكوفونية، فما أكتبه دائماً بالعربية، حتى في مقابلاتي مع الصحافة الفرنسية، أكتب لهم بالعربية، ويسألونني عن سبب ذلك مع معرفتي بإجادتي للغتهم.
هذا الإصرار لقناعتي أن لديّ لغتي الأم التي تعبت عليها، وفي داخلي أقول أنا لا أكتب لكم. موضوعي وعالمي الأساسي هو اللغة والعالم العربي وما فيه من أحداث. العالم الغربي أراد 10 – 15 سنة في فهم ما يجري عندنا في الشرق، وأدرك أخيراً أن عليه فهم ثقافتنا وحضارتنا، لذا بادر بترجمة الأعمال المكتوبة بالعربية، واعتمد الغرب مقولة لمعرفة ما يقوله ويفكر فيه هؤلاء البشر: «اذهبوا إلى لغاتهم»، وإن كنت كاتباً مميزاً، فحتماً ستكون ضمن دائرة اهتمامهم.
المعادلة الجديدة جعلت كتّابنا العرب يقفون في مصاف رواد الأدب عندهم، وليس في مصاف كتّاب الفضائح! خاصة بعد إدراكهم ما أغفله المستشرقون بنظرتهم الدونية لأدب الغير. أنا عملياً قابلة بهذه المعادلة وممتنة لها، وتشكل بالنسبة إليّ إضافة موضوعية لأعمالي وللغتي العربية.
نوازع هوية
كيف تستلهمين فكرة رواياتك؟
كل رواية لها حكاية، وحكاية روايتي الأخيرة «ملكوت هذه الأرض» بدأت بالإعداد لها منذ زمن بعيد، لاحتياجها إلى بحث طويل عن المصادر للمرحلة ما بين 1920 وبداية الحرب الأهلية في لبنان، كذلك الحاجة إلى التفرغ الكامل. وهذا البحث بعيد عما سجله تاريخ المنطقة الذي كان وهماً، خاصة بغياب وجود تاريخ علمي عقلي، فتاريخنا محكومٌ بنوازع هويتنا الطائفية والدينية، لدينا تواريخ متنوعة للاعتداد بالنفس والاستعلاء على الآخر.
هذه النوازع فتتت مجتمعاتنا، وأؤكد هنا أننا لم نصل بعد إلى مفهوم اللحمة الوطنية الجامعة لأبناء الوطن، أو المواطنة والهوية الوطنية. ما زالت دولنا العربية حديثة العهد بهذا المفهوم.
Ⅶ عوالم غير مرئية في أعمالها تراها مغامرة بالنسبة إليها وإلى القارئ
Ⅶ مُقلّة بنتاجها غنية في مضمونها وبليغة بأدبها
Ⅶ حينما أتأثر بالأحداث التي
أكتبها أتوقف
Ⅶ الكتابة الروائية ليست تفريغاً للانفعالات والأفكار
Ⅶ بعد كل رواية أصبح شخصاً مختلفاً
Ⅶ بُعدي عن الاحتفاليات يجعلني شخصاً متواضعاً للغاية
Ⅶ تعايش الإنسان مع الوحدة يساعده على اكتشاف مكامن قوته
جوائز
منحت هدى بركات عام 2002 وسام الثقافة والفنون برتبة فارس من فرنسا، ومن ثم وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي برتبة فارس لقاء إبداعاتها في الأدب والصحافة عام 2008، إلى جانب فوزها بالعديد من الجوائز الأدبية، من ضمنها على الصعيد العربي جائزة مجلة الناقد للرواية عام 1990 عن روايتها «حجر الضحك»..
وجائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي عام 2000 التي تقدمها الجامعة الأميركية في القاهرة لأفضل عمل روائي منشور باللغة العربية عن روايتها «حارث المياه». كما فازت على صعيد الترجمة بجائزة «أمالفي» في إيطاليا عن أفضل كتاب مترجم إلى الإيطالية من بين لغات المتوسط. وترجمت رواياتها إلى العديد من اللغات الأجنبية في مقدمتها الفرنسية والإنجليزية والألمانية.
«ملكوت هذه الأرض».. أوهام وميثولوجيا وخرافة
في رواية «ملكوت هذه الأرض» اختارت هدى بركات معظم شخصيات روايتها من هامش الحياة، بأسلوب من يرغب في حديث عادي مع القارئ دون معرفته ما المغزى من الحديث إلا بعد حين. وليس في أعمالها فكرة أو إيديولوجيا أو فلسفة محددة تحاول برهنتها أو فرضها على القارئ، لتنبش، من خلال الأوهام والميثولوجيا والخرافة، ما في أعماق الزمن والنفوس والتاريخ والحب والمكان والحرب والسياسة، وصراع العلاقات الإنسانية.
تحكي الرواية مسيرة ثلاثة أجيال من حياة عائلة من إحدى الطوائف المسيحية في قرية بشري بجبل لبنان منذ بدايات القرن العشرين، ويتعرف القارئ إلى سكانها وطبعهم الناري بتاريخهم وأرضهم وقديسيهم وأشجار الأرز التي يعتزون بها.
ويقوم بدور الراوي بالتناوب كل من البطلين سلمى وشقيقها الصغير طنوس، ليحكي كل منهما قصة حياته منذ وفاة والدهما المفاجئ ومن ثم الوالدة. وتتداخل الحكايات بنسيج تغزله هدى بجماليات لغته المطعمة بالمحكية تبعاً لخلفية كل شخصية، لنتعرف إلى سلمى الكبيرة التي تعتني بشقيقيها وأخواتها الثلاث، مكرسة نفسها لرعايتهم.
ويتعرف القارئ من خلالهما إلى تفاصيل مجتمعهم وشخصيات متنوعة بقناعاتها وتعصبها وضعفها وقوتها، والطمع الذي يتغلب على صلة الدم، والتعاطف والنزعة للجماعة، والتكبر الأعمى مثل مصير أطباء الأشجار الأجانب الذين قالوا إن الأرز مريض قليلاً، فضحك الناس ولم يصدقهم أحد، وأثيرت الأقاويل كالقناعة أن الأرزات لا تمرض، لأنها محمية منذ الأزل، وهكذا تتحول الأرزات إلى ما يشبه الأسطورة الغامضة بين السكان.
وتدخل الروائية في عمق شخصية البطلين، إذ تستيقظ سلمى فجأة من سبات حياتها وتتساءل، «استعرت حياة من أحببت ولفقت حياةً لي. استدنت حياتي ديناً، واعتقدت أنها ملك لي فيه صكوك. كان أجدى ألا أستفيق الآن».
_________
*البيان

شاهد أيضاً

الشمولية و التأثير في كتاب النكبة الحداثة للدكتور سمير مراد

 زيد الطهراوي  يبدأ الباحث الدكتور سمير مراد كتابه “النكبة الحداثة” بمقدمة رائعة وافية أظهر فيها السبب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *