الرئيسية / نصوص / يَومُ فرحٍ

يَومُ فرحٍ


* نجيبة الهمامي

( ثقافات )

نظرت فرح في المرآة العاكسة للسيارة، أنزلت النظارات الشمسيّة قليلا على أرنبة أنفها، تثبّتت بعض الشيء في عينيها وقالت: 
-سأغيّرها… لم تعُد على الموضة… لونها لم يعد مميّزا… ربما لو تركت اللون الطبيعيّ لكانت النتيجة أفضل؟
أدارت وجهها يمينا ثمّ شمالا، أنزلته قليلا ثمّ رفعته قليلا. مرّرت يدها على رقبتها الصقيلة. سرّحت شعرها بأصابعها وقالت تحدّث نفسها: 
– ماذا أفعل أيضا؟؟ 
فكان الردّ نعيقَ منبّهات وصراخَ سُوّاق خلفها يستحثّونها الانطلاق، فالإشارةُ الضوئيةُ خضراء وهي تسدّ عليهم الطريق. لوت فرحُ شفتيها، وسوّت وضع النظارات على عينيها، ولوّحت بيدها في الهواء بإشارات استمطرت تعليقات بذيئة ردّت عليها بأحسن منها، ثم ضغطت على دوّاسة البنزين بقوة فانطلقت السيارة كطلق ناريّ.
لم تكن ترومُ مكانا بعينه، فطافت كلّ شوارع العاصمة مرارا وتكرارا ثمّ قصدت ضواحيها البعيدة وحيدة: شربت قهوة وسيجارة فوق صخرة على شاطئ المرسى المهجور من عشّاق كانوا يمرّون به فيُودِعُون رملَه وموجَه ونسائمَه أثر خطواتهم وحرارة قُبَلهم ورقّة همساتهم. اجتازت مجموعاتِ عمّال حانقين مجتمعين أمام بعض النُّزل السياحية المقفلة بعد الثورة. تناولت عصير برتقال بمشرب على ضفاف وادي مجردة الهادِر وكأنّه ينذر بفيضان وشيك… الخ. 
لم تستقرَّ في مكان. منذ مدّة وهي تفكّر فيما ستُقدم عليه. إنّ اتخاذ قرار في هذه المسألة لم يكن بالسهولة التي توقّعتها. إنّه أمر مصيريّ بالنسبة إليها، يمسّ شخصيتها وحضورها، فمظهرها في الميزان. كيف سيُنظر إليها لو أقدمت على ما فكرت فيه الآن؟! 
لقد أثنى عليه الكلُّ حتى الرجالُ، وحسدها الجميع لأجله حتى النساءُ. قالوا: إنه مناسب جدا وكأنه جُعل لها هي فقط. 
قالوا: إنها خُلقت لتتألّق هي به ويبرز هو بها. 
وبما أنّه لم يحقّق لها ما كانت ترمي إليه فكّرت فيما فكّرت فيه، ولكن، حدَّ اللحظة، أعوَزَها الحسم في الأمر فقد اشتدّ عليها قرار إزالته من مظهرها العام المعتاد. 
ازداد توتّرها وهي عالقة في زحمة حركة المرور على طريق “الروت اكس”، كانت تخشى أن تتراجع عن تنفيذ قرارها. ولما اجتازت تلك الفوضى المروريّة بعد زمن، كانت تقف أمام بناية مستقرّة على إحدى مرتفعات “المنار الثاني”، جدرانها ورديّة اللون ونوافذها كبيرة من البلور العاكس، أمامها حديقة صغيرة بسور واطئ وباب موارب. ركنت سياراتها بمحاذاة السور الواطئ ونزلت. 
اجتازت الحديقة المزدحمة بورود غريبة الألوان دون رائحة ونباتات زينة مختلفة الأشكال. دفعت الباب البلّوريّ ودخلت بقامتها الفارعة تتمايل على ظهرها جدائل شعر كثيف ذي لون أشقر بتدرّجات مختلفة، وضفائر طويلة حدّ الخصر بألوان متباينة. 
انتبه “زيزو” إلى دخولها فأسرع إليها مرحّبا بابتسامة ودودة كالعادة، فهي من أخلص حريفاته وأكثرهنّ تردّدا عليه، وبادرها: 
-أهلا، أهلا بكلوديا شيفر… أين كنت طوال هذه المدة؟ لم أرك منذ أسبوع كامل.
-أوه… يكفي زيزو. ها أني هنا لم أغادر إلى أي مكان. 
– يبدو أنك منزعجة… لا عليك… اجلسي واستريحي، سأطلب لك قهوتك المعتادة وستعتني بك إحدى البنات ريثما يحين دورك.
– لا لا لا… الأمر لا يستحقّ كل هذا الانتظار، العملية تحتاج بضع لحظات فقط. 
– ماذا تقصدين؟ ماذا تريدين؟ 
– زيزو… أريدك أن تزيل كل الضفائر وخصلات الشعر التي أضفتها لي المرة الماضية.
– كلّها؟! لماذا؟! إنها مناسبة لك وقد زادتك جمالا. لقد كنت مبتهجة بها يا فرح.
– لا أريدها!
قال “زيزو” غامزا بعينه، ملمّحا:
– لماذا؟ ألم تُعجِب سي…؟ 
– سي…؟؟!! هه… وهل انتبه إليها أو إلى أي تغيير قبلها؟ أنا لست سوى زوجَتَه… فقط. 

شاهد أيضاً

في الواحة – شعر

محمد شاكر في الواحة أقرب ما أكون إلي من حبل ضجيج خلفته ورائي موصولا بزحمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *