الرئيسية / نصوص / قصص قصيرة جداً

قصص قصيرة جداً


* نهار حسب الله

( ثقافات ) 

أنا وإيزابيل الليندي
1.
خُيل لعائلتي انني أخلد تحت الارض بسعادة وسلام، بعدما وليتُ حاملاً وسام الشهادة الرمزي ضحية الحرب الاهلية.. 
برروا غيابي عنهم بالشهادة وفداء الوطن معتقدين راحتي تحت التراب.. متأملين خلودي الابدي في عليين..
لا شاغل لديهم سوى مواساة بعضهم الاخر، من خلال تمجيدي بالقاب وأوصاف أبعد عن الواقع، على الرغم من يقينهم جميعاً أن قبري غير معرف في تعداد القبور، بوصفي مجهول الهوية.. 
لم ولن يحزنني هذا كله، غير اني أخاف أوجاعهم وحسرتهم يوم يقرأون مقولة الروائية التشيلية إيزابيل الليندي (الموتى لا يرقدون براحة في قبور لا تحمل أسماءهم(.
2.
الروائية التشيلية إيزابيل الليندي تؤكد بثقة ان (الأوغاد يشكلون ألذ جزء في الحكايات) وهو الامر الذي برر حماقاتي كلها، وأباح لي دناءة نفسي وجَمل قذارات أفعالي، حتى غدوتُ مثالاً للرذيلة.. 
أعلنت سيطرتي على ابتسامة الصبح وأرغمتها على النوم في أحضان الليل، وحجبت ضوء القمر عن المدينة، وقاتلت حتى أحلامها.. 
صار أسمي ينشر الذعر والرعب في كل الاماكن والازمة، غير أن كُتاب التاريخ لم يعو مقولة الليندي فسجلوني بطلاً من الابطال الثائرين.. 
3. 
(الوفرة في متناول اليد، إذا أحسن المرء العثور عليها) هكذا قالت إيزابيل الليندي سعياً منها لنشر مفهوم القناعة والاكتفاء الذاتي ولحثي على الايمان بما هو متوفر لدي..
استقبلت عبارتها بمحبة واحترام عاليين، إلا انني لم اجد الوفرة ولا حتى يداي اللتان أكلتهما الحرب.
أنا وطه حسين
1. 
أحصيت أيامي بعدما تنبهتُ لحبيبتي وهي تُقطف الشيب من لحيتي.. ولم أنزعج أو أستغرب من تجاوزي الخمسين من العمر ولا حتى من خصال الفضة التي رَصدتها شريكة عشقي.. 
نصف قرن من الكد وانا ما زلت اعيش سهراتي الحمراء في نهاية الاسبوع وأستكمل غزلي الصباحي عبر الهاتف وأنا منطلق الى عملي بهمة شاب عشريني. 
كنت أقرأ في اليوم ساعة أو أكثر وأستمع لموسيقى الكمنجات السريعة، مما يؤكد فاعلية حواسي الخمسة على نحو جيد.. 
وفي إحدى قراءاتي للاديب المصري الكبير طه حسين، اعجبتُ بمقولته (طوبى لمن جمع بين همة الشباب وحكمة الشيوخ).. وكأنه كان يثني على تنظيم حياتي، ولا أخفي دوره الكبير في حثي على استرجاع شكلي الشبابي وإخفاء لحيتي البيضاء.. 
ولكني لم أجنِ من شكلي الجديد سوى خسارتي لذلك الشاب الكامن بداخلي والحكيم القابع في فكري، مما أفقدني لذة الحياة بطبيعتها وألصق بي وصف التصابي.
2.
صَهرتُ كُتب الاديب المصري طه حسين في فكري، وحولت كل كلمة فيها الى درس قيم في الحياة الاجتماعية.. 
عملتُ على اقتباس وتدوين الكثير من مقولاته الرصينة وتوقفت عن جملة أبدعها في كتابه “جنة الشوق” (لو أدبه الشعب حين كذب كذبته الأولى لما عاد إلى الكذب مرة أخرى) وقبل ان أسأل نفسي عن سر هذا اللوم الكبير للمجتمع وتحميله أخطاء الزائفين والطارئين والكذابين.. وجدتُ جيشاً يحاصرني بتهمة شتم السلطة والتحريض لزعزعة الامن العام.
أنا ونيوتن
1. 
أحتملت العزلة تسعة أشهر في أحشاء أمي، إلى ان رأفت بحالي وقررت قذفي باتجاه الحياة، لأقبع رغماً عني في حجرة زجاجية ضيقة بحجة الرعاية.. ولأستعد لمواجهة فوضى العالم وضجيجه وانشغاله ببناء جدران على العقول والحريات والافكار.. لأجد نفسي اتنقل ما بين دهليز وآخر، ومن زنزانة الى أخرى..
كربتُ، وكَبرتْ في صدري حسرة الحياة، وارتفعت بنيان الجدران أعلى من قامتي حتى حجبت عني ضوء الشمس، وغدت تقيد تحركاتي وتقتل آفاق فكري ومخيلتي.. 
تعرفت عن طريق المصادفة الى حكمة العالم الفيزيائي الانكليزي اسحاق نيوتن (نحن نبني الكثير من الجدران والقليل من الجسور) حينها أدركت أن بلادي توارثت تلك الجدران مما جعلها منفية من خارطة العالم.. 
2.
انجذبتُ لسحرها وجمال وجهها الاخاذ وقوامها الفاتن، وغرقتُ في أعماق بحر ولهها وعشقها اللامنتهي..
صرتُ أتلفظ اسمها ما بين الموت والانفاس المتقطعة والشهيق والزفير، مصارعاً به الهلاك. 
أناديها، أناجيها، أخاطبها، أتوسلها الاغاثة، أشم رائحتها من دون الروائح كلها وأراها تقترب.. ولا أراها، فأعاقب نفسي على خيبتي، وأعود لتمني وجودها والغرق في أعماقها مرة أخرى.. 
وفي صراعي مع الموت والحياة والحب واللا حب.. أسمع صوت نيوتن مُكتشف الجاذبية الكونية، وهو يحاول ان ينجو بنفسه من اللوم الثقيل ويردد مقولته (الجاذبية ليست مسؤولة عن وقوع الناس في الحب) محاولاً اقناعي بعدم ضرورة انجذابها لي ليرغمني على كتم انفاسي والموت بحسرة حبها بهدوء.
________
*قاص من العراق

شاهد أيضاً

الرُّوبوت 215

الرُّوبوت 215 قصَّة قصيرة[1] الأديب السُّوري موسى رحوم عبَّاس كنتُ سعيدا جدا عندما تلقيتُ رسالةَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *