اكتشاف رسالة مجهولة من كامو إلى سارتر


*رشيد اركيلة

في إطار المعرض الذي سيقام بـ ” لورماران” (Lourmarin) تحت عنوان ‹‹ كامو من تيبازة (Tipasa) إلى لورماران›› من 3 إلى 8 سبتمبر-أيلول القادم، سيتم عرض رسالة لم يسبق نشرها، من ألبير كامو إلى جان بول سارتر، عثر عليها مؤخرا من قبل وراقين من أورليان (Orléans).

ها هي قطعة جديدة تضاف إلى ملف ‹‹سارتر- كامو››، اثنان من أكبر المفكرين والمبدعين الفرنسيين للقرن العشرين. ‹‹عزيزي سارتر (…) أتمنى لك وأيضا للقندس المزيد من العمل (…) أعطوني إشارة عند عودتكم، سنقضي أمسية حرة…››: تأتي هذه الكلمات المحررة بخط يد كامو والعالم يخلد الذكرى المئوية لميلاده، لتعطي إضاءة جديدة حول العلاقات التي كانت تربط بين الفيلسوفين والتي تحتفظ منها ذاكرة التاريخ بالقطيعة.
عن هذا المخطوط الذي عثر عليه بمحض المصادفة، قال رونالد أرونسون (Ronald Aronson) المتخصص في أدب سارتر بالولايات المتحدة الأميركية:” إن هذه الرسالة من الأهمية بمكان، إنها تبرز، على خلاف ما كتبه بعض الأدباء، أن سارتر و كامو كانت تربطهم علاقة ودية ومستمرة” متحدثا إلى مكتشفي الرسالة، هيرفي (Hervé) وإيفا فالونتان (Eva Valentin).
على تلك الورقة المعنونة من دار النشر غاليمار التي كانت بحوزته، كتب كامو: “عزيزي سارتر، ها هي كنوزكم التي رصّعتها بالشكر”، متوجها أيضا إلى سيمون دو بوفوار (Simone de Beauvoir)، تحت الاسم المستعار “القندس” الذي لقبها به سارتر ويستعمله المقربون.
رسالة البوح
هيرڤي وإيڤا ڤالونتان، مكتبيان من أورليان، وقفا وراء تنظيم معرض لأعمال كامو في سبتمبر بلورماران حيث دفن الكاتب الفيلسوف. لقد عثرا على تلك الرسالة طي كتاب اشترياه من أحد هواة المجموعات النادرة. كان المخطوط موصولا بنظير للمنشور الأصلي الذي طبعت منه 60 نسخة، سنة 1966، لنص حرره ونشره سارتر مباشرة بعد وفاة كامو.
لكونها غير مؤرخة، قد تقترن الرسالة بالفترة الممتدة ما بين 1943، سنة لقائهما و 1948، سنة القطيعة بينهما. ما هو يا ترى، السياق الذي كتب فيه كامو رسالته التي يبوح أيضا في سطورها:”لقد قمنا بعمل سيئ أنا وأصدقائي؛ سيئ للغاية لدرجة اختل معها نومي”؟
هل هي إشارة إلى المشروع المجهض لإخراج ‹‹جلسة مغلقة››، إحدى مسرحيات سارتر؟ أم إلى مساهمتهما من أجل “كفاح”، الجريدة التي كان يديرها كامو؟ أم إلى الانخراط السياسي لسارتر ضمن “التجمع الديمقراطي الثوري” الذي دعم كامو إنشاءه؟ لا يزال اللغز يحير المتخصصين في دأبهم لاقتفاء الآثار.
قصة القطيعة
مؤلف هذا الكتاب هو الناقد الأميركي رونالد أرونسون. يروي من خلاله القصة الكاملة للقطيعة التي حصلت بين الرجلين بعد علاقة صداقة رائعة استمرت لبضع سنوات. يرى المؤلف أن سبب هذه القطيعة خلاف في الرأي حول بعض القضايا الفكرية والسياسية. ومن القضايا التي اختلفا حولها قضية العنف ومشروعيته أو عدم مشروعيته، بمعنى آخر: هل يحق لنا كثوريين أن نلجأ إلى استخدام العنف من أجل تغيير الواقع القائم أم لا؟ سارتر قال نعم وكامو قال لا.
وعلى هذا الأساس افترقا وحصلت بينهما المشاكل المعروفة التي شغلت الصحافة الفرنسية ردحاً من الزمن. لقد حصلت القطيعة والمشادات بين الرجلين على إثر نشر كامو لكتابه المشهور” الإنسان المتمرد” الذي حظي بترحيب الصحافة في فرنسا. فجريدة لوفيغارو قالت عنه: إنه ليس فقط أهم الكتب التي نشرها ألبير كامو حتى الآن وإنما أهم كتاب في العصور الحديثة! وأما جريدة لوموند فقالت إنه لا يوجد كتاب آخر يعادله قيمة منذ الحرب العالمية الثانية .
وقالت فيه إحدى الصحف بأنه يمثل عودة إلى القومية الفرنسية، بل وحتى إلى الإيمان بالمسيحية، وهاجمت الصحيفة اليسار الفرنسي كما هو معتاد لأنه ملحد وكافر وزنديق، وأثنت على ألبير كامو ورحبت بعودته إلى حضن القيم المحافظة لفرنسا. وقالت إن كامو يدافع عن النظام ضد الفوضى التي ينشرها الإباحيون واليساريون والعدميون.
الرفيق الخائن
رأى سارتر وجماعته في الكتاب هجوما مقنعا عليهم وعلى تيارهم السياسي والفكري. فسارتر كان لا يخفي في ذلك الوقت انضمامه إلى المعسكر الستاليني الشيوعي ومحاربته للمعسكر البورجوازي، وقد رأى في كتاب صديقه القديم ألبير كامو خيانة للخط الثوري الانقلابي وطعنة للأصدقاء في الظهر.
ولذلك كلف أحد أعضاء مجلته “الأزمنة الحديثة” بمعارضته ونقده وتفنيده. وهذا ما كان، وقد فوجئ كامو بالهجوم الذي لم يكن يتوقعه. ويقال إنه لم يعد يعرف كيف يكتب واختل توازنه لفترة من الزمن.
ثم استعاد بعد ذلك طاقته وأعصابه ورد على جماعة سارتر بحزم. وبعدئذ اندلعت المناوشات بين الطرفين على مصراعيها، ولم تنته إلا بموت كامو بشكل مفاجئ في حادث سيارة عام 1960، وهذا دليل على أن المعارك الفكرية عنيفة ومنهكة مثلها في ذلك مثل المعارك السياسية بل وحتى العسكرية!
تقول سيمون دوبوفوار عن هذه القطيعة: “إذا كانت صداقتهما قد انتهت بفرقعة كبيرة فذلك لأن أسباب انهيارها كانت تتفاعل منذ زمن طويل”.
في الواقع، كان سارتر عبارة عن ستاليني بورجوازي في نظر كامو. فسارتر ولد في عائلة غنية ولم يعرف الفقر في حياته على عكس كامو. ولذلك فإنه يستطيع أن يعلن تأييده للاتحاد السوفييتي دون أن يخسر شيئاً.
فأمه كانت تساعده مادياً وتدفع له حتى الضريبة! وبالتالي فلا يهمه غضب البورجوازية الفرنسية منه، لأنه يملك من النقود ما يكفيه للاستغناء عنها.
ويمكن القول بأن سارتر كان يستطيع أن يرفض جائزة نوبل البورجوازية الرأسمالية وقد رفضها ولكن ألبير كامو ما كان بإمكانه أن يفعل ذلك ولهذا قبلها سنة 1957. فقد حلت مشاكله المادية تماماً.
_______
*(العرب)

شاهد أيضاً

أول رسالة دكتوراة رقمية تفاعلية في الأدب العربي

(ثقافات) أوَّل رسالة دكتوراة رقمية تفاعلية في الأدب العربي: أركيولوجيا الصورة في رحلة ابن بطوطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *