الرئيسية / نصوص / معجبة

معجبة

خاص- ثقافات

*أحمد غانم عبد الجليل

جلستْ على أريكة حديدية في إحدى الحدائق العامة, تمسك الصحيفة بأنامل رشيقة, في عينيها تلوح ابتسامة قلَما نُصادف في مثل وداعتها, ترتمي فوق جبينها خصلة من شعرها الناعم, يحتفي سواده بما تهبه أشعة الشمس الهادئة من سحرٍ أخاذ، تقرأ باستمتاعٍ شديد قصة كاتبها المفضَّل الجديدة, كل مرة يفاجئها بأفكاره, أما أسلوبه فيغور في عمق الشخصيات, يجدلها في حبكة درامية غاية في الإتقان, تتمنى أن تستضيفه إحدى الندوات الأدبية التي تداوم على حضورها, أو يطل عليها في حوارٍ تلفزيوني ضمن أحد البرامج الثقافية, أو حتى قراءة حديث صحفي له.

تنبهت لنظراته المصوبة نحوها ما أن انتهت من القراءة ووضعت الصحيفة إلى جانبها, وقبل أن تخرج من أجواء القصة ونهايتها الصادمة في قسوتها، بل المربكة والمحيرة أيضاً، لا تعرف لمَ وجدت فيها بعض الشبه من تلك النظرات الملتبسة التي كان يرمق بها الشاب زميلته قبل أن يتقدم نحوها ويهم باغتصابها, بعد أن أغلق باب قاعة المحاضرات التي دخلتها لتأخذ محاضراتها, كانت إعاقته قريبة من إعاقة الجالس على بعد خطوات منها, والتي لاحظتها في ترنح خطواته لدى مروره من أمامها, لم تستطع عيناها إخفاء دهشتهما أمامه, متحيرة من ذلك الموقف العجيب.

هل يمكن أن تتحول شخصية قصصية إلى كائنٍ حي من لحمٍ ودم, كما حدث في رواية قرأتها منذ أعوام، أم أن الكاتب يعرفه, فاستوحى فكرة القصة من ابتلائه, وربما لم يكتب إلا ما حدث فعلاً ويكون الرجل الذي يغزو شعره شيء من الشيب هو ذاته الطالب الذي لم تردعه محاولات المقاومة، بكل ما تمتلكه الفتاة من قوة, ولا صراخها واستغاثاتها التي أسمعت عدداً من الطلبة الموجودين في الطرقة القريبة!

تمكنوا أخيراً من تكتيفه وإبعاده عنها, رغم تزايد عناده وشراشته، وكأن عملاقاً سكن جسده الضامر فجأة وهو يسعى إلى الإفلات من قوة قبضاتهم, في عينيه وتصلب أوصاله إصرارٌ وحشي على معاودة اعتصارها بين أحضانه قبل أن تجتاحه نوبة صراخ مخيف استنفدت كامل طاقته, تركته مهدود القوى, ظل يترنح قليلاً حتى فقدَ وعيه, ومن ثم عقله.

أدركها الفزع من معاودة نظرات الرجل تأمل وجهها رقيق الملامح، وبتركيزٍ أكثر، جعلها تتوجس من تركه مكانه والتقدم نحوها, وربما تفاجأ بذراعيه تطوقانها كالكماشتين, غير عابئ لوجودهما في مكانٍ عام، ولا للناس والباعة المتجولين القريبين منهما.

أخذ يتابع خطواتها المتعجلة نحو بوابة الحديقة، تلتفت نحوه في ارتباك بين خطوة وأخرى بعينين تتخوفان لحاقه بها, بينما كانت تتوهج داخل رأسه فكرة جديدة, استوحاها من جلستها الصامتة أمامه وتعابير وجهها المشحونة بالانفعالات، ومن ثم نهوضها المفاجئ، مخلفةً وراءها الصحيفة التي اعتاد نشر قصصه فيها.

شاهد أيضاً

القضية..فلسطين / إلى..عهد التميمي

خاص- ثقافات *محمد الزهراوي دجَّنوهاǃ؟ ألا ترَوْن؟.. بيْضاءُ هذِه الفْرَسُ فِي الرّيحِ وأنا الشّاعِرُ.. مهْمومٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *