الرئيسية / خبر رئيسي / الكولونياليّة وما بعد الكولونياليّة في ” رماد الذاكرة المنسية ” للروائي مصطفى بوغازي

الكولونياليّة وما بعد الكولونياليّة في ” رماد الذاكرة المنسية ” للروائي مصطفى بوغازي

خاص- ثقافات

*قراءة خلود البدري

” أن تثبيت معنى كلمة يشبه محاولة اعتقال الشمس في سباحتها عبر السماء ” صامويل جونسون.
عن دار الوطن اليوم صدرت رواية ” الذاكرة المنسية ” للروائي ” مصطفى بوغازي ” الرواية التي تصف لنا بعض ما تكابده الشعوب تحت السيطرة الاستعمارية وما بعدها ، ونحن هنا لا بد لنا قبل الولوج إلى عوالم الرواية من مدخل لها، فمنذ السطور الأولى يلفت انتباهنا لغة الرواية، لقد توقفت عند بعض العبارات، وهذا ما كنت أفعله وأنا أقرأ رواية ” غابريال غارسيا ماركيز ” الحب في زمن الكوليرا ” حيث دأبت على وضع الخطوط تحت بعض العبارات مثلا ، لاحظوا معي : ” .. ورأيت أن السماء كثيفة وواطئة …” كذلك ” .. وانهارت السماء بمطر كالكارثة .”  ورأت الشوارع المقفرة في سبات الجفاف وزوبعة أوراق ميتة تتقاذفها الريح .” أما عند بوغازي ” .. كانت النجوم تتلألأ باهتة باحتشام ” و  ” .. تجمع شتات ذاكرة تبعثرت على مذابح الأيام ..” ص7 ونحن هنا في مقالنا هذا نبحث عن مواطن الجمال في النص أولا، وبعدها نُصدر أحكامنا، لهذا نرى أن الناقد يجب أن يتحلى بذائقة جمالية، لكن ليس بمثالية مفرطة، فأغلب النصوص إذا اردنا أن نغض الطرف عن جمالياتها ، سنجد فيها بعض النّقصان الذي تستطيع أن تبينه ” عين الناقد ”  وهنا يجب عليه أن لا ينسى أن يراعي الأنصاف ” أنّ القول بوجود النّقد الكامل هو .. قول أسطوريّ إذ لا وجود في الحقيقة إلاّ لنطريّات نقديّة مخصوصة ومقصيّة بعضها لبعض ” ص49 النقد الأدبي فابريس تومريل .  وكذلك النصوص. لنعود إلى عنوان المقال ولنعرف ما هي الكولونياليّة أولا ، وما بعد الكولونياليّة بعدها ، ولنربط الخطوط التي تكون مشتركة بينهما وبين الرواية في مقالتنا هذه . ” تعرّف (الكولونياليّة) بمعنى (الهيمنة والسّيطرة) لدولةٍ ما على أراضي دولٍ أخرى وشعوبها، وقد درجتْ التّرجمات العربيّة على توصيفها (بالاستعمار والاستعماريّة).* في الرواية نقرأ ” لم تلق عليك نظرة الوداع الأخير ، إذ كانت الأوامر تقضي بدفنك دون الكشف عن الجثة ، ما يؤجج الحرقة في نفسها كلما وقفت في هذا المكان ، فقد أقيمت لك مراسيم تشييع رسمية ، حيث غطى التابوت بالعلم الوطني ، وأطلق الرصاص تحية لروحك .” ص18 الدفاع عن الوطن والشهادة في سبيل نيل الاستقلال والحرية، أما متى ظهر هذا المصطلح ؟. نقول : ” نشأ المصطلح بالتوازي مع ازدهار الرّأسماليّة كقوّة عملاقة صاعدة في العالم الغربي، والغزو الأوربي لآسيا وإفريقيا، ثمّ بلوغه المرحلة الأعلى، مع القطب الأمريكي المتعاظم، والمسمّاة ب (الإمبرياليّة ( إذ وجد البعض فيها رديفاً له.” * لاحظوا معي من جديد هذا المقطع من الرواية :” .. كانت تغوص في دوامة اللاوعي وكأن عقارب الزمن ارتدت إلى الوراء ، حيث كانت تستقبل زوجها الشهيد في ليالي الشتاء الباردة أو الصيف المقمرة ، فلا تكاد تتكامل ملامح صورته في مخيلتها بما يشبع شوقها إليه حتى يودعها مرة أخرى ، كانت تكن لك حبا كبيرا ، بل كانت ترى فيك صورة الابن الذي حرمت منه وتمنت أن يحمل اسم أبيه ، ويفتخر بأنه من صلب بطل وشهيد دوخ الاستعمار ” ص 13 ، ونحن نعرف دأب الاستعمار على ايجاد أرضية خصبة ، يتحرك من خلالها ، ويبث فيها التخلف ، والعادات الدخيلة على تلك الشعوب ، محاولا زراعتها في البيئة التي يسيطر عليها ، لتكون له بعدها ، مطلق الحرية بنهب خيراتها ، وهذا يتجلى بعدة صور مثلا، في الرواية “.. هنا في المقبرة لن تعمر أوقات الخشوع مع النسوة طويلا ، تفرج ألسنتهن على تناقل أخبار الزواج وصراع العجائز والعرائس ، والترويج لبعض ممارسي السحر والشعوذة ، وقدرتهم على قضاء الحوائج وإبعاد الحسد ، وترويض الرجال ..” ص19
” وثمّة من ربط المفهوم ربطاً وثيقاً مع حركة التّنوير والاستكشاف والعقل المرافقة لتطوّر العلوم في القرن الثّامن عشر. وقد اتُّهِمَ مصطلح (ما بعد الكولونيالية ) بأنّه يركّز على الما بعد أكثر من المصطلح ذاته، رغم أنه مازال يتّسم بالتّقاليد الكولونياليّة نفسها بالمعنى (الجيوسياسي) كشأن بعض المفاهيم الأخرى (ما بعد الحداثة، ما بعد البنيويّة، العولمة) والسّياقات الثّقافيّة المرافقة لها، وما يرتبط منها مع قضايا جوهريّة تتعلّق بالهويّة والبنية الاجتماعيّة، كما يعتقد منظّروا الدّراسات (ما بعد الكولونيالية) بأنّها قد وجدت متنفّساً لها للظّهور على يد المفكّر العربي الكبير (إدوارد سعيد) وكتابه (الاستشراق (الذي يؤكّد أنّ علاقات الهيمنة بين الشرق والغرب قد أنتجتْ خطاب الآخر الكولونيالي، كما كانت هي ذاتها نتاجاً لهذا الخطاب، ذلك أنّ الشّرق الذي كان يعرف من خلال المجازات والاستعارات الّلغوية قد أعاد إنتاج خطاب الهيمنة ذاته، بقبوله لهذا الخطاب وتمثّله له ليغدو شرطاً طبيعيّاً لما يسمّى ب (العالم المستعمَر) لا كحصيلةٍ للقوى (الجيوسياسيّة) التي أنتجته لتبرير سيطرتها على العالم واقتصاده وثقافته.” *ويكبيديا . ولهذا نلاحظ الما بعد جليا في هذا المقطع من الرواية ” .. كانت دليلة ذات جمال معتبر ، وعلى قدر من العلم والثقافة ، فهي أصغر أخواتها المتعلمات في مدارس الاستعمار ، لكن تأثيرهن عليها واضح ، تتكلم اللغة الفرنسية بطلاقة ، مما جعلها تتميز بين نظيراتها ، لا يستغنى الأطباء الأجانب عن مرافقتها لهم ، ومساعدتها في تذليل عامل التخاطب مع المرضى ، كانت فاكهة لذيذة ، تسر الناظرين وتسيل لعابهم ، وما أن يعلموا حقيقة أبيها ، حتى يدبروا هاربين كان أبوها جنديا في جيش الاستعمار ، اختفى بعد الاستقلال فجأة وغابت أخباره ، وكان الاعتقاد السائد وقتها ، أنه صفي جسديا بأمر من الثورة كما هو الشأن مع جدها الذي قتل عند خروجه من ثكنة جنود الاستعمار حيث كان عميلا يزودهم بمعلومات عن الناشطين أبان الثورة .. ” ص22 الرواية تمثل البيئة الجزائرية أبان الاستعمار والحياة بمتغيراتها بعده ، الآثار التي تركها المستعمر في الحياة الشخصية لبعض البشر وعلى الحياة العامة . وتظهر أفكار المستعمر في تصرفات هذا المجتمع الذي رزح تحت وطأة الاستعمار، ” .. كان عبود يوغل صدر ابنته وصهره بكل ما يسيء إلى البلد ، فهو عضو نشيط في جمعية قدامى المجندين الفرنسيين يتردد على مقرها ويقيم علاقات واسعة مع بعض المعمرين السابقين في الجزائر ، ولا يفكر البته في العودة بقدر ما يتوق لرؤية بناته على درب دليلة سائرات ” ص46 في هذه المقالة حاولنا أن نبين للقارئ مفهوم الكولونياليّة وما بعدها ، وكيف كان للمستعمر اليد في تدمير الشعوب والسيطرة على خيراتها ، ونهب وتدمير اقتصادها ” تاركين وراءهم دماء تسيل ، وأمالا تموت ، وإنسانية تغتال ” ص37 ” كم كانت فرحته كبيرة وهو يراك مرتديا بذلتك العسكرية أثناء إجازتك الأولى ، حيث كانت الأسرة سعيدة بهذا الحدث ، الذي شرفها لتكون في أول دفعة للخدمة الوطنية بعد الاستقلال . كانت صالحة تطير من الفرح ، وتشعر بالفخر والاعتزاز رغم غيابك الذي كان يؤرقها في الليالي الطويلة . وهكذا نلاحظ أن مفهوم ” ما بعد الكولونياليّة ” يتناول آثار الاستعمار على الثقافات والمجتمعات . ولمصطلح ” ما بعد الكولونيالي ” بحسب استخدام المؤرخين له عقب الحرب العالمية الثانية في سياقات مثل دولة ما بعد الكولونياليّة، ….على أي حال ، فقد استخدم النقاد الأدبيون هذا المصطلح بداية من أواخر السبعينات لمناقشة الآثار الثقافية المتعددة للاستعمار . وبرغم أن دراسة قوّة التمثيل المسيطرة داخل المجتمعات المستعمرة انطلقت في أواخر السبعينات بأعمال مثل كتاب ” الأستشراق ” لسعيد ، وأفضت إلى تشكّل ما عرف لاحقا باسم نظرية الخطاب الكولونيالى في أعمال نقاد من أمثال ” سبيفاك ” و” بابا ” ، فالمصطلح الفعلي _ ما بعد الكولونيالى ” _ لم يوظّف في تلك الدراسات الأولى حول قوّة الخطاب الكولونيالى في تشكيل الرأي والسياسات في المستعمرات والحاضرات . على سبيل المثال ، استخدمت ” سبيفاك ” مصطلح ” ما بعد الكولونيالى لأول مرة في مجموعة المقابلات الشخصية والكتابات المجمعّة ، والتي نشرت عام 1990 تحت عنوان  ” الناقد ما بعد الكولونيالى … وعلى الرغم من أن دراسة تأثيرات التمثيل الكولونيالى كانت محورية في أعمال هؤلاء النقاد ، فإن مصطلح ” ما بعد الكولونيالى ” في حد ذاته استخدم في البداية للإشارة إلى أشكال التفاعل الثقافي داخل المجتمعات الكولونيالية في الدوائر الأدبية … ”  ص 282 _283″ دراسات ما بعد الكولونياليّة المفاهيم الرئيسية ” تقديم كرمة سامي” وهذا ما يصوره لنا الروائي في روايته ” .. وتبقى تصورات الحزب الواحد قائمة ، فتدفع في اتجاه يهدر مقدرات الأمة ، وينخر مكتسباتها ويمدد لانهيار وشيك ، ينذر بأن الشعب الجريح الذي ذاق مرارة الاستعمار ، سيخرج من الباب الضيق خالي الوفاض من الثورة والثروة معا .” ص41. نعم ، هذا ما حصل وما يزال يحصل تحت ، أو بعد الهيمنة الاستعمارية .

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *